من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر البكاء على الميت
قال أبو تمام:
فلم أر يوماً كان أشبه ساعةبيوم من اليوم الذي فيه ودعا
مصيف أفاض الحزن فيه جداولاًمن الدمع حتى خلته صار مربعا
ووالله لا تقضي العيون الذي لهعليها ولو صارت مع الدمع أدمعا
قوله: «.... كان أشبه ساعة بيوم» يريد: كانت ساعاته كأيام، يريد طول اليوم من شدة الوجع والحزن.
وقال:
اليوم أدرج زيد الخيل في كفنوانحل معقود دمع الأعين الهتن
هذا بيت رديء لقوله: «وانحل معقود ...»، فجعل الدمع معقوداً، والاستعارة غير منكرة إلا إذا وقعت في غير موضعها الذي يليق بها، ولو كان
قال: «الأعين الجمد» كان أولى لو كانت القافية على الدال، لأن «الأعين الهتن» لا يكون دمعها الآن معقوداً، وذاك أجود.
ومثل هذا قوله:
«أذيلت مصونات الدموع السواكب»
ولو قال: «الجوامد» لكن أليق بالمعنى، ولكنه أراد التي هي الآن.
وقال البحتري في يوسف بن محمد بن يوسف:
أعاذلتي ما الدمع من فرط صبوةولا من تنائي خلة فذريني
ولا تسألي عما بكيت فإنهعلى ماء عيني جاد ماء جفوني
قوله: «على ماء عيني جاد ماء جفوني» من قولهم: لؤلؤة كثيرة الماء، أي: الصفاء والضياء والرونق، وكذلك «ثوب كثير الماء»، ولو عدل إلى اللفظة المستعملة، فقال: «نور عيني» لكان أوضح، وأظنه عدل عنها لأنها من كلام العوام، وأراد أن يجمع بين «ماء» و «ماء» في قوله: «ماء عيني وماء جفوني» على مذهب أبي تمام.
وقال حذواً على قول أبي تمام: «ولو صارت مع الدنيا أدمعا»:
ودمع متى أسكبه لا أخش لائماًولو أنني مما تفيض هزائمه
قوله: «ولو أنني مما تفيض هزائمه» أي: لو أفاضتني، أي: أجرتني هزائمه معها، فقصر عن أبي تمام وأساء وقبح.
وقال:
ألام إذا ذكرتك واستهلتغروب العين تتبعها غروب
ولو أن الجبال فقدن إلفاًلأوشك جامد منها يذوب
وقال:
تولى سحاب الجود ترقا سجومهوجاء سحاب الدمع تدمى سواجمه
وقال:
سلام الله والسقيا سجالاًعلى تلك الضرائح واللحود
رزايا من شيوخ الأزد ألقتعلينا ظل موهنة هدود
نصك لها الجباه إذا احتشمناحياء الناس من لطم الخدود
مباك نستزيد الدمع منهاوما للدمع فيها من مزيد
وهذا كله جيد بالغ ولكن لا يفي بقول أبي تمام:
ووالله لا تقضي العيون لهعليها ولو صارت مع الدمع أدمعا
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع