من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
الفصل الأول من الباب الثانى فى تمييز الكلام
الكلام- أيدك الله- يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخيّر لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه أعجازه بهواديه، وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلّة ضروراته، بل عدمها أصلا، حتى لا يكون لها فى الألفاظ أثر؛ فتجد المنظوم مثل المنثور فى سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه؛ وكمال صوغه وتركيبه.
فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقا، وبالتحفظ خليقا؛ كقول الأول:
هم الألى وهبوا للمجد أنفسهمفما يبالون ما نالوا إذا حمدوا
وقول معن بن أوس:
لعمرك ما أهويت كفّى لريبةولا حملتنى نحو فاحشة رجلى
ولا قادنى سمعى ولا بصرى لهاولا دلّنى رأيى عليها ولا عقلى
وأعلم أنّى لم تصبنى مصيبةمن الدّهر إلّا قد أصابت فتى قبلى
ولست بماش ما حيبت لمنكرمن الأمر لا يمشى إلى مثله مثلى
ولا مؤثرا نفسى على ذى قرابةوأوثر ضيفى- ما أقام- على أهلى
وقول الآخر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنىإذا كانت العلياء فى جانب الفقر
وقال الآخر:
ذرينى أسيّر فى البلاد لعلّنىأصيب غنى فيه لذى الحقّ محمل
فإن نحن لم نسطع دفاعا لحادثتجىء به الأيّام فالصبر أجمل
أليس كثيرا أن تلمّ ملمّةوليس علينا فى الحقوق معوّل!
ومما هو فصيح فى لفظه جيد فى رصفه قول الشنفرى:
أطيل مطال الجوع حتى أميتهوأضرب عنه القلب صفحا فيذهل
ولولا اجتناب العار لم يلف مشربيعاش به إلّا لدىّ ومأكل
ولكن نفسا مرّة ما تقيمنىعلى الضّيم إلّا ريثما أتحوّل
وقول الآخر:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىظمئت وأىّ الناس تصفو مشاربه
وقول الآخر:
وما إن قتلناهم بأكثر منهمولكن بأوفى للطّعان وأكرما
وقال دعبل:
وإنّ امرءا أمست مساقط رحلهبأسوان لم يترك له الحزم معلما
حللت محلّا يقصر الطّرف دونهويعجز عنه الطّيف أن يتجشما
وقول النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعت، أىّ الرجال المهذّب؟
وليس لهذا البيت نظير فى كلام العرب. وقال بعضهم: نظيره قول أوس بن حجر:
ولست بخابىء أبدا طعاماحذار غد، لكلّ غد طعام
وهذا وإن كان نظيره فى التأليف فإنه دونه لما تكرّر فيه من لفظ «غد».
فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة، والجزالة، والسهولة، والرّصانة، مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرّونق والطّلاوة، وسلم من حيف التأليف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يردّه، وعلى السّمع المصيب استوعبه ولم يمجّه؛ والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق من الجاسى البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسّه تسكن إلى ما يوافقه، وتنفر عمّا يضادّه ويخالفه؛ والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح؛ والأنف يرتاح للطيب، وينغر للمنتن؛ والفم يلتذّ بالحلو، ويمجّ المرّ؛ والسمع يتشوّف للصواب الرائع وينزوى عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم باللّين، وتتأذّى بالخشن؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخّر عن الجافى الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب، والرويّة الفاسدة.
وليس الشأن فى إيراد المعانى، لأنّ المعانى يعرفها العربىّ والعجمىّ والقروى
والبدوى، وإنما هو فى جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه؛ وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السّبك والتركيب، والخلوّ من أود النّظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التى تقدّمت.
ألا ترى إلى قول حبيب:
مستسلم لله سائس أمةبذوى تجهضمها له استسلام
فإنه صواب اللفظ، وليس هو بحسن ولا مقبول- (الجهضمة، الوثوب والغلبة).
وقال أبو داود: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر الألفاظ؛ والمحبّة مقرونة بقلّة الاستكراه. وأنشد:
يرمون بالخطب الطوال وتارةوحى الملاحظ خشية الرّقباء
ومن الدليل على أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ أنّ الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعانى فقط؛ لأنّ الردىء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها فى الإفهام، وإنما يدلّ حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مطالعه، وحسن مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه على فضل قائله، وفهم منشئه.
وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعانى. وتوخّى صواب المعنى أحسن من توخّى هذه الأمور فى الألفاظ. ولهذا تأنّق الكاتب فى الرسالة، والخطيب فى الخطبة، والشاعر فى القصيدة. يبالغون فى تجويدها، ويغلون فى ترتيبها؛ ليدلّوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم؛ ولو كان الأمر
فى المعانى لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدّا كثيرا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا.
ودليل آخر؛ إنّ الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا، وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل فى جملة الجيّد، وجرى مع الرائع النادر؛ كقول الشاعر:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجةومسّح بالأر كان من هو ماسح
وشدّت على حدب المهارى رحالناولم ينظر الغادى الّذى هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطىّ الأباطح
وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى، وهى رائقة معجبة، وإنما هى: ولمّا قضينا الحجّ ومسحنا الأركان وشدّت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا جعلنا نتحدّث وتسير بنا الإبل فى بطون الأودية.
وإذا كان المعنى صوابا، واللفظ باردا وفاترا؛ والفاتر شرّ من البارد، كان مستهجنا ملفوظا، ومذموما مردودا، والبارد من الشعر قول عمرو بن معدى يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتهاما قطّر الفارس إلّا أنا
شككت بالرّمح سرابيلهوالخيل تعدو زيما حولنا
وقول الفند الزمانى:
أيا تملك يا تملوذات الطوق والحجل
ذرينى وذرى عذلىفإنّ العذل كالقتل
وقول النمر:
يهينون من حقروا شيبهوإن كان فيهم يفى أو يبر
وقول أبى العتاهية:
مات والله سعيد بن وهبرحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عينىيا أبا عثمان أوجعت قلبى
والبارد فى شعر أبى العتاهية كثير؛ والشعر كلام منسوج، ولفظ منظوم، وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن لفظه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام، فيكون جلفا بغيضا، ولا السّوقىّ من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا؛ فالبغيض كقول أبى تمام:
جعل القنا الدرجات للكذجات ذات الغيل والحرجات والأدحال
قد كان حزن الخطب فى أحزانهفدعاه داعى الحين للأسهال
وقوله:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقدأضججت هذا الأنام من خرقك
ولا خير فى المعانى إذا استكرهت قهرا، والألفاظ إذا اجترّت قسرا، ولا خير فيما اجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا فى غرابة المعنى إلّا إذا شرف لفظه مع وضوح المغزى، وظهور المقصد.
وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ، ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزّة غليظة، وجاسية غريبة، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا؛ ولم يعلموا أنّ السهل أمنع جانبا، وأعزّ مطلبا؛ وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا.
ولهذا قيل: أجود الكلام السهل الممتنع.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى، قال: حدّثنا أحمد بن إسماعيل، قال:
وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس؛ ومن بلاغته أنّ كلّ أحد يظنّ أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذّرت عليه.
وأخبرنا أيضا قال: أخبرنا أبو بكر قال: حدّثنى عبد الله بن الحسين قال:
حدّثنا الحسن بن مخلد، قال: أنشدنا إبراهيم بن العباس لخاله العباس ابن الأحنف:
إليك أشكو ربّ ما حلّ بىمن صدّ هذا التائه المعجب
إن قال لم يفعل وإن سيل لميبذل وإن عوتب لم يعتب
صب بعصيانى ولو قال لىلا تشرب البارد لم أشرب
ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللّفظ، العذب المستمع، القليل النظير، العزيز الشّبيه، المطمع الممتنع، البعيد مع قربه، الصّعب فى سهولته قال: فجعلنا نقول: هذا الكلام والله أبلغ من شعره.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الغلابى عن طائع وهو العباس بن ميمون، من غلمان ابن ميثم، قال: قيل للسيد: ألا تستعمل الغريب فى شعرك. فقال: ذاك عىّ فى زمانى، وتكلّف منّى لو قلته، وقد رزقت طبعا واتّساعا فى الكلام، فإنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير. ثم أنشدنى:
أيا ربّ إنى لم أرد بالذى بهمدحت عليّا غير وجهك فارحم
فهذا كلام عاقل يضع الشىء موضعه، ويستعمله فى إبانه، ليس كمن قال وهو فى زماننا:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم
فأشمت عدوّه بنفسه.
ومن الكلام المطبوع السهل ما وقّع به علىّ بن عيسى: قد بلّغتك أقصى طلبتك، وأنلتك غاية بغيتك، وأنت مع ذلك تستقلّ كثيرى لك، وتستقبح حسنى فيك، فأنت كما قال رؤبة:
كالحوت لا يكفيه شىء يلهمهيصبح ظمآن وفى البحر فمه
ومن المنظوم المطمع الممتنع قول البحترى:
أيّها العاتب الذى ليس يرضىنم هنيئا فلست أطعم غمضا
إنّ لى من هواك وجدا قد استهلك نومى ومضجعا قد أقضّا
فجفونى فى عبرة ليس ترقاوفؤادى فى لوعة ما تقضّى
يا قليل الإنصاف كم أقتضى عندك وعدا إنجازه ليس يقضى
أحينى بالوصال إن كان جوداوأثبنى بالحبّ إن كان قرضا
بأبى شادن تعلّق قلبىبجفون فواتر اللّحظ مرضى
لست أنساه إذ بدا من قريبيتثنّى تثنّى الغصن غضّا
واعتذارى إليه حين تجافىلى عن بعض ما أتيت وأغضى
واعتلاقى تفّاح خدّيه تقبيلا ولثما طورا وشمّا وعضّا
أيّها الرّاغب الذى طلب الجود فأبلى كوم المطايا وأنضى
رد حياض الإمام تلق نوالايسع الرّاغبين طولا وعرضا
فهناك العطاء جزلا لمن رام جزيل العطاء والجود محضا
هو أندى من الغمام وأوحىوقعات من الحسام وأمضى
يتوخّى الإحسان قولا وفعلاويطيع الإله بسطا وقبضا
فضّل الله جعفرا بخلالجعلت حبّه على النّاس فرضا
ومنها يقول فيه:
وأرى المجد بين عارفة منك ترجّى وعزمة منك تمضى
وقوله:
يتأبّى منعا وينعم إسعافا ويدنو وصلا ويبعد صدّا
أغتدى راضيا وقد بتّ غضبان وأمسى مولى وأصبح عبدا
رقّ لى من مدامع ليس ترقاوارث لى من جوانح ليس تهدا
أترانى مستبدلا بك ما عشت بديلا أو واجدا منك بدّا
حاش لله أنت أفتن ألحاظا وأحلى شكلا وأحسن قدّا
خلق الله جعفرا قيّم الدّنيا سدادا وقيّم الدّين رشدا
أكرم الناس شيمة وأتمّ النناس حلما وأكثر الناس رفدا
هو بحر السّماح والجود فازددمنه قربا تزدد من الفقر بعدا
يا ثمال الدّنيا عطاء وبذلاوجمال الدّنيا ثناء ومجدا
فابق عمر الزّمان حتى نؤدّىشكر إحسانك الذى لا يؤدّى
ومما هو أجزل من هذا قليلا وهو من المطبوع قول ابن وهب:
مازال يلثمنى مراشفهويعلّنى الإبريق والقدح
حتى استردّ الليل خلعتهونشا خلال سواده وضح
وبدا الصّباح كأنّ غرّتهوجه الخليفة حين يمتدح
أنت الّذى بك ينقضى فرجاضيق البلاد لنا وينفسح
نشرت بك الدّنيا محاسنهاوتزيّنت بصفاتك المدح
ومن السهل المختار الجيّد المطبوع قول الآخر:
صرفت القلب فانصرفاولم ترع الّذى سلفا
وبنت فلم أذب كمداعليك ولم أمت أسفا
كلانا واجد فى الناس ممن ملّه خلفا
وقول الآخر:
أما والحلق السّودعلى سالفة الخشف
وحسن الغصن المهتزز بين النّحر والرّدف
لقد أشفقت أن يجرح فى وجنتها طرفى
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبلأزاله من مقرّه النّظر
وما كان لفظه سهلا، ومعناه مكشوفا بيّنا فهو من جملة الردىء المردود، كقول الآخر:
يا ربّ قد قلّ صبرىوضاق بالحبّ صدرى
واشتدّ شوقى ووجدىوسيّدى ليس يدرى
مغفّل عن عذابىوليس يرحم ضرّى
إن كان أعطى اصطبارافلست أملك صبرى
أنا الفدا لغزالدنا فقبّل نحرى
وقال لى من قريب:يا ليت بيتك قبرى
وإذا لان الكلام حتى يصير إلى هذا الحد فليس فيه خير، لا سيّما إذا ارتكب فيه مثل هذه الضّرورات.
وأما الجزل والمختار من الكلام فهو الذى تعرفه العامّة إذا سمعته، ولا
ولا تستعمله فى محاوراتها. فمن الجيّد الجزل المختار قول مسلم:
وردن رواق الفضل فضل بن خالدفحطّ الثناء الجزل نائله الجزل
بكفّ أبى العبّاس يستمطر الغنىوتستنزل النّعمى ويسترعف النّصل
ويستعطف الأمر الأبىّ بحزمهإذا الأمر لم يعطفه نقض ولا فتل
ومما هو أجزل من هذا قول المرار الفقعسى:
فقال يدير الموت فى مرجحنةتسفّ العوالى وسطها وتشول
وكائن تركنا من كرائم معشرلهنّ على إبائهنّ عويل
على الجرد يعلكن الشّكيم كأنّهاإذا ناقلت بالدارعين وعول
على كلّ جيّاش إذا ردّ غربهيقلّب نهد المركلين رجيل
مجنبة قبل»
العيون كأنّهاقسىّ بأيدى العاطفين عطول
فللأرض من آثارهنّ عجاجةوللفجّ من تصهالهنّ صليل
منعت بنجد ما أردت غلبّةوبالغور لى عزّ أشمّ طويل
فهذا وإن لم يكن من كلام العامّة فإنهم يعرفون الغرض فيه، ويقفون على أكثر معانيه؛ لحسن ترتيبه، وجودة نسجه. وقول المرار أيضا:
لا تسألى القوم عن مالى وكثرتهقد يقتر المرء يوما وهو محمود
أمضى على سنّة من والدى سلفتوفى أرومته ما ينبت العود
ومن النثر قول يحيى بن خالد: أعطانا الدهر فأسرف، ثم عطف علينا فعسف.
وقول سعيد بن حميد: وأنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يلتمس رضاك إلّا من جهته، ولا يستدعى برّك إلّا من طريقته، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذّنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم؛ نبت بى عنك غرّة الحداثة، وردّتنى إليك الحنكة، وباعدتنى منك الثقة بالأيام، وقادتنى إليك الضرورة. فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدّد النّعمة باطّراح الحقد- فإنّ قديم الحرمة، وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة. فإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة- فعلت.
وفى هذا الكلام وما قبله قوة فى سهولة.
ومما هو أجزل من هذا قول الشعبى للحجاج- وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث: أجدب بنا الجناب، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا الحذر،
واكتحلنا السّهر، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.
فعفا عنه.
وأجود الكلام ما يكون جزلا سهلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودا مستكرها، ومتوعّرا متقعّرا، ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من الرّثاثة.
والكلام إذا كان لفظه غثّا، ومعرضه رثّا كان مردودا، ولو احتوى على أجلّ معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله. كقوله:
لما أطعناكم فى سخط خالقنالا شك سلّ علينا سيف نقمته
وقول الآخر:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعواوما أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
لا يدخل هذا فى جملة المختار، ومعناه- كما ترى- نبيل فاضل جليل.
وأما الجزل الردىء الفجّ الذى ينبغى ترك استعماله فمثل قول تأبّط شرّا:
إذا ما تركت صاحبى لثلاثةأو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا
ولما سمعت العوض تدعو تنفّرتعصافير رأسى من نوى فعوائنا
وحثحثت مشعوف الفؤاد فراعنىأناس بفيفان فمزت القرائنا
فأدبرت لا ينجو نجائى نقنقيبادر فرخيه شمالا وداجنا
من الحصّ هزروف يطير عفاؤهإذا استدرج الفيفاء مدّ المغابنا
أزجّ زلوج هزرفىّ زفازفهزفّ يبذّ النّاجيات الصّوافنا
فهذا من الجزل البغيض الجلف، الفاسد النّسج، القبيح الرّصف، الذى ينبغى أن يتجنّب مثله.
وتمييز الألفاظ شديد. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن فضل اليزيدى، عن إسحق الموصلى عن أيوب بن عباية: أن رجلا أنشد ابن هرمة قوله:
بالله ربك إن دخلت فقل لهاهذا ابن هرمة قائما بالباب
فقال: ما كذا قلت؛ أكنت أتصدّق؟ قال: فقاعدا. قال: كنت أبول؟
قال: فماذا؟ قال: واقفا. ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى.
ولولا كراهة الإطالة وتخوّف الإملال لزدت من هذا النوع، ولكن يكفى من البحر جرعة. وقالوا: خير الكلام ما قلّ وجلّ، ودلّ ولم يملّ. وبالله التوفيق.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع