تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

الفصل الثّانى فى التنبيه على خطأ المعانى وصوابها ليتّبع من يريد العمل برسمنا مواقع الصواب فيرتسمها، ويقف على مواقف الخطأ فيتجنّبها

فنقول: إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدلّ عليها ويعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ؛ لأنّ المدار بعد على إصابة المعنى، ولأنّ المعانى تحلّ من الكلام محلّ الأبدان، والألفاظ تجرى معها مجرى الكسوة، ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة.

ومن عرف ترتيب المعانى واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات، ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيّأ له فيها من صنعة الكلام مثل ما تهيأ له فى الأولى؛ ألا ترى أنّ عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التى رسمها لمن بعده من اللسان الفارسى؛ فحوّلها إلى اللسان العربى. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال.

والمعانى على ضربين:

ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدى به فيه، أو رسوم قائمة فى أمثلة مماثلة يعمل عليها. وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب الحادثة، ويتنبّه له عند الأمور النازلة الطارئة.

والآخر ما يحتذيه على مثال تقدّم ورسم فرط.

وينبغى أن يطلب الإصابة فى جميع ذلك ويتوخّى فيه الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة، ولا يتكل فيما ابتكره على فضيلة ابتكاره إياه، ولا يغرّه ابتداعه له؛

فيساهل نفسه فى تهجين. صورته؛ فيذهب حسنه ويطمس نوره، ويكون فيه أقرب إلى الذم منه إلى الحمد.

والمعانى بعد ذلك على وجوه: منها ما هو مستقيم حسن، نحو قولك: قد رأيت زيدا. ومنها ما هو مستقيم قبيح نحو قولك: قد زيدا رأيت. وإنما قبح لأنك أفسدت النظام بالتقديم والتأخير. ومنها ما هو مستقيم النظم، وهو كذب؛ مثل قولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر. ومنها ما هو محال، كقولك: آتيك أمس وأتيتك غدا. وكلّ محال فاسد، وليس كلّ فاسد محالا؛ ألا ترى أن قولك:

قام زيد فاسد، وليس بمحال. والمحال ما لا يجوز كونه البتة، كقولك: الدنيا فى بيضة. وأما قولك: حملت الجبل وأشباهه فكذب، وليس بمحال، إن جاز أن يزيد الله فى قدرتك فتحمله.

ويجوز أن يكون الكلام الواحد كذبا محالا؛ وهو قولك: رأيت قائما قاعدا، ومررت بيقظان نائم؛ فتصل كذبا بمحال، فصار الذى هو الكذب هو المحال بالجمع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما معنى على حياله؛ وذلك لمّا عقد بعضها ببعض حتى صارا كلاما واحدا.

ومنها الغلط، وهو أن تقول: ضربنى زيد، وأنت تريد ضربت زيدا، فغلطت، فإن تعمّدت ذلك كان كذبا.

وللخطأ صور مختلفة نبّهت على أشياء منها فى هذا الفصل، وبيّنت وجوهها، وشرحت أبوابها لتقف عليها فتجتنبها، كما عرفتك مواقع الصواب فتعتمدها، وليكون فيما أوردت دلالة على أمثاله ممّا تركت؛ ومن لا يعرف الخطأ كان جديرا بالوقوع فيه. فمن ذلك قول امرىء القيس:

ألم تسأل الرّبع القديم بعسعساكأنى أنادى إذ أكلّم أخرسا

هذا من التشبيه فاسد لأجل أنه لا يقال: كلّمت حجرا فلم يجب فكأنه كان حجرا، والذى جاء به امرؤ القيس مقلوب.

وتبعه أبو نواس فقال يصف دارا:

كأنها إذ خرست جارمبين ذوى تفنيده مطرق

والجيد منه قول كثّير فى امرأة:

فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»
كأنّى أنادى صخرة حين أعرضتمن الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

فشبّه المرأة عند السكوت والتّغافل بالصّخرة.

قالوا: ومن ذلك قول المسيب بن علس:

وكأن غاربها رباوة مخرموتمدّ ثنى جديلها بشراع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»
أراد أن يشبّه عنقها بالدّقلفشبّهها بالشّراع. وتبعه أبو النجم

فقال:

كأنّ أهدام النّسيل المنسلعلى يديها والشّراع الأطول

والجيد منه قول ذى الرمة:

وهاد كجذع الساج سام يقودهمعرق أحناء الصّبيّين أشدق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»

وقال أبو حاتم: الشّراع: العنق، يقال: للعنق الشراع والثليل والهادى، فإذا صحّت هذه الرواية فالمعنى صحيح فى قول أبى النجم.

وقال طفيل:

يرادى على فأس اللّجام كأنمايرادى على مرقاة جذع مشذّب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

ومن ذلك قول الراعى:

يكسو المفارق واللّبّات ذا أرجمن قصب معتلف الكافور درّاج

أراد المسك، فجعله من قصب الظبى؛ والقصب: المعى. وجعل الظبى يعتلف الكافور فيتولّد منه المسك، وهذا من طرائف الغلط.

وقريب منه قول زهير:

يخرجن من شربات ماؤها طحلعلى الجذوع يخفن الغمّ والغرقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

ظنّ أنّ الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق. ومثله قول ابن أحمر:

لم تدر ما نسج اليرندج قبلهاودراس أعوص دارس متخدّد

ظنّ أنّ اليرندج مما ينسج، واليرندج: جلد أسود، تعمل منه الخفاف- فارسى معرب، وأصله رنده، وفسره أبو بكر بن دريد تفسيرا آخر، وقال: إنما هذه حكاية عن المرأة التى يصفها ظنّت لقلة تجربتها أنّ اليرندج شىء منسوج، ولم تدارس عويص الكلام، والفاظ البيت لا تدلّ على ما قال.

ومثله قول أوس بن حجر:

كأن ريقتها بعد الكرى اعتبقتمن ماء ادكن فى الحانوت نضاح
ومن مشعشعة كالمسك يشربهاأو من أنابيب رمان وتفاح

ظن أنّ الرمّان والتفّاح فى أنابيب، وقيل: إنّ الأنابيب الطرائق التى فى الرمان، وإذا حمل على هذا الوجه صحّ المعنى.

ومن فساد المعنى قول المرقش الأصغر:

صحا قلبه عنها على أنّ ذكرةإذا خطرت دارت به الأرض قائما
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما»

وكيف صحا عنها من إذا ذكرت له دارت به الأرض، وليس هذا مثل قولهم:

ذهب شهر رمضان إذا ذهب أكثره؛ لأنّ الناس لا يعرفون أشدّ الحب إلّا أن يكون صاحبه فى الحد الذى ذكره المرقش.

والجيد فى السلو قول أوس:

صحا قلبه عن سكره وتأملاوكان بذكرى أمّ عمرو موكلا

فقال: وكان بذكرى أمّ عمرو موكلا.

ومثل قول المرقش فى الخطأ قول امرىء القيس:

أغرّك منّى أنّ حبّك قاتلىوأنّك مهما تأمرى القلب يفعل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وإذا لم يغررها هذه الحال منه فما الذى يغرّها! وليس للمحتجّ عنه أن يقول:

إنما عنى بالقتل ههنا التّبريح؛ فإنّ الذى يلزمه من الهجنة مع ذكر القتل يلزمه أيضا مع ذكر التّبريح.

ومما أخذ على امرىء القيس قوله:

فللسّوط الهوب وللسّاق درّةوللزّجر منه وقع أخرج مهذب

فلو وصف أخسّ حمار وأضعفه ما زاد على ذلك.

والجيد قوله:

على سابح يعطيك قبل سؤالهأفانين جرى غير كزّ ولا وان

وما سمعنا أجود ولا أبلغ من قوله «أفانين جرى».

وقول علقمة:

فأدركهنّ ثانيا من عنانهيمر كمرّ الرائح المتحلّب

فأدرك طريدته وهو ثان من عنانه ولم يضربه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يزجره بصوت.

ومما يعاب قول الأعشى:

ويأمر لليحموم كلّ عشيّةبقتّ وتعليق فقد كان يسنق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

يعنى باليحموم فرس الملك، يقول: إنه يأمر لفرسه كلّ عشية بقت وتعليق؛

وهذا مما لا يمدح به الملوك، بل ولا رجل من خساس الجند.

وقريب منه قول الأخطل:

وقد جعل الله الخلافة منهملأبلج لا عارى الخوان ولا جدب

يقوله فى عبد الملك. ومثل هذا لا يمدح به الملوك.

وأطرف منه قول كثير:

وإنّ أمير المؤمنين برفقهغزا كامنات الودّ منى فنالها

فجعل أمير المؤمنين يتودّد إليه.

وقوله لعبد العزيز بن مروان:

وما زالت رقاك تسلّ ضغنىوتخرج من مكامنها ضبابى
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
ويرقينى لك الرّاقون حتىأجابت حية تحت التراب

وإنما تمدح الملوك بمثل قول الشاعر:

له همم لا منتهى لكبارهاوهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
له راحة لو أن معشار جودهاعلى البرّ كان البرّ أندى من البحر
للشاعر محمد الهلالي، اقرأ القصيدة

ومثل قول النابغة:

فإنّك كاللّيل الذى هو مدركىوإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقوله:

ألم تر أنّ الله أعطاك سورةترى كلّ ملك دونها يتذبذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»
بأنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب

ومن غفلته أيضا قوله- يعنى كثيّرا:

ألا ليتنا يا عزّ من غير ريبةبعيران نرعى فى خلاء ونعزب
كلانا به عرّ فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدى وأجرب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا السفح من أم الوليد فكبكب»
نكون لذى مال كثير مغفلفلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا هاج أهلهإلينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب

فقالت له عزّة: لقد أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنى ما هو أوطأ من هذه الحال. فهذا من التمنّى المذموم.

ومن ذلك أيضا قول الآخر:

سلّام ليت لسانا تنطقين بهقبل الّذى نالنى من خبله قطعا

فدعا عليها بقطع لسانها.

ومثله قول عبد بنى الحسحاس:

وراهنّ ربّى مثل ما قد وريننىوأحمى على أكبادهنّ المكاويا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألا يا ديار الحي بالسبعان»

ومن ذلك قول جنادة:

من حبّها أتمنّى أن يلاقينىمن نحو بلدتها ناع فينعاها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «من حبها أتمنى أن يلاقيني»
لكى يكون فراق لا لقاء لهوتضمر النفس يأسا ثم تسلاها

فإذا تمنّى المحبّ لحبيبته الموت فما عسى أن يتمنّى المبغض لبغيضته؟ وشتّان بين هذا وبين من يقول:

ألّا ليتنا عشنا جميعا وكان بىمن الداء ما لا يرعف الناس مابيا

فهذا أقرب إلى الصواب. ولو أن جنادة كان يتمنّى وصلها ولقاءها لكان قد قضى وطرا من المنى ولم تلزمه الهجنة، كما قال العباس بن الأحنف:

فإن تبخلوا عنى ببذل نوالكموبالوصل منكم كى أصبّ وأحزنا
فإنى بلذّات المنى ونعيمهاأعيش إلى أن يجمع الله بيننا

ومن المختار فى ذكر المنى قول الآخر:

منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنىوإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أمانىّ من ليلى حسان كأنّماسقتك بها ليلى على ظمأ بردا

وقول الآخر:

ولما نزلنا منزلا طلّه النّدىأنيقا، وبستانا من النّور حاليا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
أجدّ لنا طيب المكان وحسنهمنى فتمنّينا فكنت الأمانيا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

فسوّغينى المنى كيما أعيش بهثمّ امسكى المنع ما أطلقت آمالى

على أن عنترة ذمّ جميع المنى حيث يقول:

ألا قاتل الله الطّلول البوالياوقاتل ذكراك السنين الخواليا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا قاتل الله الطلول البوالي»
وقولك للشىء الّذى لا تنالهإذا هويته النّفس: يا ليت ذا ليا

وقيل أيضا:

إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء

ومن الفاسد قول النابغة:

ألكنى يا عيين إليك قولاستحمله الرّواة إليك عنّى

وليس من الصواب أن يقال: أرسلنى إلى نفسك ثم قال: ستحمله الرواة إليك عنى.

ومن خطل الوصف قول أبى ذؤيب:

قصر الصّبوح لها فشرّج لحمهابالنّىّ فهى تثوخ فيها الإصبع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
تأبى بدرّتها إذا ما استكرهتإلّا الحميم فإنه يتبضّع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

قال الأصمعى: هذه الفرس لا تساوى در همين؛ لأنه جعلها كثيرة اللّحم رخوة تدخل فيها الإصبع. وإنما يوصف بهذا شاء يضحى [بها]، وجعلها حرونا إذا حرّكت قامت، إلا العرق فإنه يسيل.

والجيد قول أبى النجم:

جردا تعادى كالقداح ذبلهنطى اللحم ولسنا نهزله
نطويه والطّىّ الدّقيق يجدلهطىّ التجار العصب إذ تبجله
حتّى إذا اللحم بدا تذبّلهوانضمّ عن كلّ جواد رهله

راح ورحنا بشديد زجله

وقال غيلان الربعى:

يمتاح عصريها قرون مائهامتح السّباع الحسى من بطحائها
حتّى اعتصرنا البدن من اعفائهابعد انتشار اللحم واستعصائها
تجريدك القناة من لحائهامكرمة لا عيب فى احتذائها

وقد قال غيلان أيضا:

قد صار منها اللّحم فوق الأعضامثل جلاميد الضّفاة الصّلغا

وقال أيضا:

فوق الهوادى ذابلات الأكشحيشقين أشوال المزاد النّزّح

وقال أيضا:

حتّى إذا ما آض عبلا جرشعاقد تمّ كالفالج لا بل أضلعا
هجنا به نطويه حتى استوكعاقد اعتصرن البدن منه اجمعا
ثمّ اتّقانا بالّذى لن يدفعاوآض أعلى اللّحم منه صومعا

فوصفه بعظم الجسم، وصلابة اللّحم، وما وصف أحد الفرس بترك الانبعاث إذا حرك غير أبى ذؤيب. وإنما توصف بالسرعة فى جميع حالاتها، إذا حرّكت وإن لم تحرّك، فتشبّه بالكوكب، والبرق، والحريق، والريح، والغيث، والسيل، وانفجار الماء فى الحوض، والدّلو ينقطع رشاؤها، ويد السّابح، وغليان المرجل، والقمقم، وبأنواع الطير: كالبازى، والسّوذنيق، والأجدل، والقطامى، والعقاب، والقطا، والحمام، والجراد، وأنواع الوحش؛ كالوعل، والظّبى، والذّئب، والتّتفل، ويشبه بالخذروف، ولمعان الثّوب، وبالسّهم وبالريح وبالحسى.

قال أعرابىّ وقد سئل عن حضر فرسه: يحضر ما وجد أرضا.

وقال آخر: همها أمامها، وسوطها عنانها. أخذه بعض المحدثين فقال:

فكان لها سوطا إلى ضحوة الغد

وأخذه ابن المعتزّ، فلم يستوفه قوله:

أضيع شىء سوطه إذ يضربه

فذكر «إذ يضربه». وقال فى أخرى:

صببنا عليها- ظالمين- سياطنافطارت بها أيد سراع وأرجل
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أهاجك أم لا بالدويرة منزل»

وقيل لامرأة: صفى لنا النّاقة النّجيبة. فقالت: عقاب إذا هوت وحيّة إذا التوت، تطوى الفلاة وما انطوت.

وكتب ابن القرّية- عن الحجاج- إلى عبد الملك: بعثت بفرس حسن المنظر، محمود المخبر، جيّد القد، أسيل الخدّ، يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.

وأجود ما قيل فى العدو قول عبدة بن الطبيب:

يخفى التّراب بأظلاف ثمانيةفى أربع مسّهنّ الأرض تحليل
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

والتحليل، من تحلّة اليمين، وهو أن يقول إن شاء الله؛ فقول الحالف: إن شاء الله، لا يكون إلا موصولا باليمين. يقول: إن مواصلة هذا الثور بين خطواته كمواصلة الحالف بالتحلّة يمينه من غير تراخ. أخذه المحدث فقال:

كأنّما يرفعن ما لم يوضع

وقال أبو النّجم:

جاء كلمع البرق جاش ما طرهيسبح أولاه ويطفو آخره

فما يمسّ الأرض منه حافره

وأخذ على أبى النجم قوله:

يسبح أولاه ويطفو آخره

أنشده الأصمعى فقال: حمار الكسّاح أسرع من هذا؛ لأنّ اضطراب مآخيره قبيح؛ وقد أحسن فى قوله: «ويطفو آخره». وقوله: «فما يمس الأرض منه حافره» جيد.

وقال أبو نواس:

ما إن يقعن الأرض إلا فرطاكأنما يعجلن شيئا لقطا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعددت كلبا لطراد سلطا»

وقال:

فانصاع كالكوكب فى انحدارهلفت المشير موهنا بناره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما غدا الثعلب من وجاره»

وقال ذو الرمة:

كأنه كوكب فى إثر عفرية

أخذه ابن الرومى، فقال:

خذها تبوعا لمن ولى مسومةكأنها كوكب فى إثر عفريت
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قل للأمير أدام الله دولته»

وقال ابن المعتز فى كلبة:

وكلبة زهراء كالشهابتحسبها فى ساعة الذّهاب
نجما منيرا لاح فى انصبابخفيفة الوطء على التّراب

وقال خلف بن الأحمر:

كالكوكب الدّرّى منصلتاشدا يفوت الطّرف أسرعه
وكأنما جهدت أليتهأن لا تمسّ الأرض أربعه
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة

أخذه من قول الأعشى:

بجلالة أجد مداخلةما إن تكاد خفافها تقع

وقال أبو نواس:

أرسله كالسّهم إذ غلا بهيسبق طرف العين فى التهابه
يكاد أن ينسلّ من إهابهكلمعان البرق فى سحابه

مأخوذ من قول ذى الرمة:

لا يذخران من الإيغال باقيةحتّى تكاد تفرّى عنهما الأهب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقال كثير:

إذا جرى معتمدا لأمهيكاد يفرى جلده عن لحمه

وقال أعرابى:

غاية مجد رفعت فمن لهانحن حويناها وكنّا أهلها

لو أرسل الرّيح لجئنا قبلها

وقال أبو النجم:

كأنّ فى المرو حريقا يشعلهأو لمع برق خافق مسلسله

ومما عيب على طرفة قوله:

وإذا تلسننى ألسنهاإننى لست بموهون فقر
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

والعاشق يلاطف من يحبّه ولا يحاجّه، ويلاينه ولا يلاجّه.

وقد قال بعض المحدثين:

بنى الحبّ على الجور فلوأنصف العاشق فيه لسمج
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
ليس يستحسن فى وصف الهوىعاشق يعرف تأليف الحجج
للشاعر علية بنت المهدي، من قصيدة «بني الحبُّ على الجورِ فلو»

ومن خطأ المعانى قول الأعشى:

وما رابها من ريبة غير أنّهارأت لمّتى شابت وشابت لداتيا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

وأى ريبة عند امرأة أعظم من الشيب.

ومثله قوله:

وأنكر تنى وما كان الّذى نكرتمن الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا

وأعجب منه قوله أيضا:

صدّت هريرة عنّا ما تكلّمناجهلا بأمّ خليد حبل من تصل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
أإن رأت رجلا أعشى أضرّ بهريب الزّمان ودهر خاتل خبل

وأىّ شىء أبغض عند النساء من العشا والضر يتبيّنّه فى الرجل؟ وأعجب ما فى هذا الكلام أنه قال: حبل من تصل هذه المرأة بعدى وأنا بهذه الصفة من العشا والفقر والشّيب؟ فلا ترى كلاما أحمق من هذا.

ومن اضطراب المعنى قول امرىء القيس:

أراهنّ لا يحببن من قلّ مالهولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «الما على الربع القديم بِعسعسا»

وهن يبغضنه من قبل التقويس، فما معنى ذكر التقويس؟ فأما بغضهنّ لمن قوّس فجدير وليس ببديع.

ومن الجيّد فى هذا الباب قول بعض المتأخرين:

لقد أبغضت نفسى فى مشيبىفكيف تحبنى الخود الكعاب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «تولى العمر وانقطع العتاب»

وقلت:

فلا تعجبا أن يعبن المشيبفما عبن من ذاك إلّا معيبا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
إذا كان شيبى بغيضا إلىّفكيف يكون إليها حبيبا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

ومن فساد المعنى قول النابغة:

تحيد عن أستن سود أسافلهمشى الإماء الغوادى تحمل الحزما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

وإنما تحمل الإماء حزم الحطب عند رواحهنّ؛ فأما غدوهنّ إلى الصحراء فإنهن مخفّات.

والجيد قول التغلبى:

يظلّ بها ربذ النّعام كأنّهاإماء تزجّى بالعشىّ حواطب

وقد روى مثل الإماء. وإذا صحّت هذه الرواية سلم المعنى.

والأستن: شجر بشع المنظر تسميّه العرب رءوس الشياطين. وجاء فى بعض التفسير فى قوله تعالى: (طلعها كأنّه رءوس الشياطين): إنه عنى الأستن.

وقد أساء النابعة أيضا فى وصف الثور حيث يقول:

من وحش وجرة موشىّ أكارعهطاوى المصير كسيف الصّيقل الفرد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

أراد بالفرد أنه مسلول من غمده، فلم يبن بقوله: «الفرد» عن سلّه بيانا واضحا.

والجيد قول الطّرمّاح وقد أخذه منه:

يبدو وتضمره البلاد كأنّهسيف على شرف يسلّ ويغمد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

وهذا غاية فى حسن الوصف.

وربما سامح الشاعر نفسه فى شىء فيعود عليه بعيب كبير. وقد قال المتلمّس:

وقد أتناسى الهمّ عند احتضارهبناج عليه الصّيعريّة مكدم
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تناهيت عن ذكر الصبابة فاحكم»
كميت كناز اللحم أو حميريّةمواشكة تنفى الحصى بمثلم
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تناهيت عن ذكر الصبابة فاحكم»

والصيعرية: سمة للنوق فجعلها للجمل.

وسمعه طرفة ينشدها، فقال: استنوق الجمل. فضحك الناس وسارت مثلا.

فقال له المتلمّس: ويل لرأسك من لسانك، فكان قتله بلسانه- وروى هذا الحديث له مع المسيّب بن علس.

وأخبرنا أبو أحمد عن مهلهل بن يموت عن أبيه، عن الجاحظ أنه قال: وممّن أراد أن يمدح فهجا الأخطل وانبرى له فتى، فقال له: أردت أن تمدح سماكا الأسدى فهجوته، فقلت:

نعم المجير سماكا من بنى أسدبالطّفّ إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤهفاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «نعم المجير سماك من بني أسد»

وأردت أن تهجو سويد بن منجوف فمدحته، فقلت:

وما جذع سوء خرّب السّوس جوفهبما حمّلته وائل بمطيق

فأعطيته الرياسة على وائل، وقدره دون ذلك.

وأردت أن تهجو حاتم بن اليعمان الباهلى وأن تصغّر من شأنه وتضع منه، فقلت:

وسوّد حاتما أن ليس فيهاإذا ما أوقد النّيران نار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أعاذل نعم قوم الحرب قومي»

فأعطيته السودد فى الجزيرة وأهلها ومنعته ما لا يضره.

وقلت فى زفر بن الحرث:

بنى أميّة إنى ناصح لكمفلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»
مفترش كافتراش اللّيث كلكلهلوقعة كائن فيها لكم جزر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»

فأردت أن تغرى به فعظّمت أمره، وهوّنت أمر بنى أمية.

ومن اضطراب المعنى ما أخبرنا به أبو أحمد عن مبرمان، عن أبى جعفر بن القبسى، قال: لما قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب السلمى أنشد الأخطل عبد الملك والجحّاف السلمى عنده:

ألا سائل الجحّاف هل هو ثائربقتلى أصيبت من سليم وعامر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا سائل الجحاف هل هو ثائر»

فخرج الجحّاف مغضبا حتى أغار على البشر- وهو ماء لبنى تغلب- فقتل منهم ثلاثة وعشرين رجلا، وقال:

أبا مالك هل لمتنى مذ حضضتنىعلى القتل أو هل لامنى لك لائم
متى تدعنى أخرى أجبك بمثلهاوأنت امرؤ بالحقّ ليس بعالم

فخرج الأخطل حتى أتى عبد الملك، وقد قال:

لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعةإلى الله منها المشتكى والمعوّل
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»
فإلّا تغيّرها قريش بمثلهايكن عن قريش مستماز ومزحل

فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللخناء ؟ فقال: إلى النّار. فقال. والله لو غيرها قلت لضربت عنقك! ووجه العيب فيه أنه هدّد عبد الملك، وهو ملك الدنيا بتركه إياه والانصراف عنه إلى غيره. وهذه حماقة مجردة، وغفلة لا يطار غرابها. ثم قال:

فلا هدى الله قيسا من ضلالتهاولا لعا لبنى ذكوان إذ عثروا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهموقيس غيلان من أخلاقها الضّجر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»

فقال له عبد الملك: لو كان الأمر كما زعمت لما قلت:

لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة

وممن أراد أن يمدح نفسه فهجاها جرير فى قوله:

تعرّض التّيم لى عمدا لأهجوهاكما تعرّض لاست الخارىء الحجر

فشبّه نفسه باست الخارى.

وقريب من ذلك قول الرّاعى:

ولا أتيت نجيدة بن عويمرأبغى الهدى فيزيدنى تضليلا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «مَا بَالُ دَفِّكَ بالْفِرَاشِ مَذِيلاَ»

فأخبر أنه على شىء من الضلال؛ لأن الزيادة لا تكون إلا على أصل، وأراد أن يمدح نفسه فهجاها.

وأراد جرير [أن] يذكر عفوه عن بنى غدانة حين شفع فيهم عطية بن جعال، فهجاهم أقبح هجاء حيث يقول:

أبنى غدانة إننى حرّرتكمفوهبتكم لعطيّة بن جعال
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا قوم أكرم من تميم إذ غدت»
لولا عطيّة لاجتدعت أنوفكمما بين ألأم آنف وسبال
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا قوم أكرم من تميم إذ غدت»

فلما سمع عطية هذا الشعر قال: ما أسرع ما رجع أخى فى عطيّته.

ومثل ذلك سواء قول يزيد بن مالك العامرى حيث يقول:

أكفّ الجهل عن حلماء قومىوأعرض عن كلام الجاهلينا

فأخبر أنه يحلم عن الجهّال ولا يعاقبهم، ثم نقض ذلك فى البيت الثانى، فقال:

إذا رجل تعرّض مستخفّالنا بالجهل أو شك أن يحينا

فذكر أنه كاد أن يفتك بمن جهل عليه.

وقريب منه قول عبد الرحمن بن عبد الله القس:

أرى هجرها والقتل مثلين فاقصرواملامكم فالقتل أعفى وأيسر

فأوجب أنّ الهجر والقتل سواء، ثم ذكر أنّ القتل أعفى وأيسر، ولو أتى ببل استوى.

ومن عجائب الغلط قول ذى الرمة:

إذا انجابت الظّلماء أضحت رءوسهاعليهنّ من جهد الكرى وهى ظلّع

وقال ابن أبى فروة: قلت لذى الرّمة: ما علمت أحدا من الناس أظلع الرءوس غيرك! فقال: أجل.

ومن الغلط قول العجّاج:

كأنّ عينيه من الغؤورقلتان أو حوجلتا قارور
صيّرتا بالنّضح والتّصبيرصلاصل الزّيت إلى الشّطور

فجعل الزّجاج ينضح.

ومن الخطأ قول رؤبة فى صفة قوائم الفرس:

يهوين شتى ويقعن وقعا

فقال له سلم: أخطأت، جعلته مقيّدا، فقال له رؤبة: أدننى من ذنب البعير، أى لست أبصر الخيل، وإنما أنا بصير بالإبل.

ومن الغلط قول رؤبة أيضا:

وكلّ زجّاج سخام الخمليبرى له فى رعلات خطل

جعل للظليم عدّة إناث؛ وليس للظليم إلا أنثى واحدة.

وأخطأ فى قوله:

كنتم كمن أدخل فى جحر يدافأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

فجعل الأفعى دون الأسود فى المضرّة، وهى فوقه فيها.

ومن خطأ الوصف قول أبى النّجم:

أخنس فى مثل الكظام المخطمه

والأخنس: القصير المشافر، وإنما توصف المشافر بالسّبوطة.

ووصف أعرابى إبلا، فقال: كوم بهازر، مكد خناجر، عظام الحناجر، سباط المشافر، أجوافها رغاب، وأعطانها رحاب، تمنع من البهم، وتبذل للجمم.

ناقة مكود وخنجورة: كثيرة اللبن. والبهازر: العظام. والكوم:

المرتفعة الأسنمة. ولم يحسن أيضا صفة ورود الإبل. قال:

جاءت تسامى فى الرّعيل الأوّلوالظّلّ عن أخفافها لم يفضل

ذكر أنها وردت فى الهاجرة، وهذا خلاف المعهود؛ وإنما يكون الورود غلسا، كقول الآخر:

فوردت قبل الصّباح الفاتق

وقال الآخر:

فوردن قبل تبيّن الألوان

وقول لبيد:

إن من وردى تغليس النّهل

ومن الغلط قول أبى النّجم:

صلب العصا جاف عن التغزّل

يصف راعى الإبل بصلابة العصا، وليس بالمعروف.

والجيّد قول الراعى:

ضعيف العصا بادى العروق ترى لهعليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيف العصا بادي العروق ترى له»

وإنما يقال: فلان صلب العصا على أهله إذا كان شديدا عليهم.

ومن الغلط قول أبى النّجم أيضا فى وصف الفرس، وهو غلط فى اللّفظ:

كأنّها ميجنة القصّار

وإنما الميجنة لصاحب الأدم، وهى التى يدقّ عليها الأدم من حجر وغيره.

ومن فساد المعنى قول الشمّاخ:

بانت سعاد وفى العينين ملمولوكان فى قصر من عهدها طول

كان ينبغى أن يقول: فى طول من عهدها قصر؛ لأنّ العيش مع الأحبّة يوصف بقصر المدة، كما قال الآخر:

يطول اليوم لا ألقاك فيهوحول نلتقى فيه قصير
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة

ومن اضطراب المعنى قول أبى داود الأيادى:

لو أنها بذلت لذى سقمحرض الفؤاد مشارف القبض
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
حسن الحديث لظلّ مكتئباحرّان من وجد بها مضّ

وكان استواء المعنى أن يقول: لبرأ من سقمه- كما قال الأعشى:

لو أسندت ميتا إلى نحرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

وقال تأبط شرا:

قليل غرار النّوم

تقديره قليل يسير النوم، وهذا فاسد؛ ووجه الكلام أن يكون ما ينام إلّا غرارا؛ فإن احتلت له قلت: يعنى أن نومه أيسر من اليسير.

وقول أبى ذؤيب:

فلا يهنأ الواشون أن قد هجرتهاوأظلم دونى ليلها ونهارها

هذا من المقلوب؛ كان ينبغى أن يقول: وأظلم دونها ليلى ونهارى.

وقول ساعدة:

فلو نّبأتك الأرض أو لو سمعتهلأيقنت أنى كدت بعدك أكمد
للشاعر ساعِدَة الهذلي، اقرأ القصيدة

كان ينبغى أن يقول: إنّى بعدك أكمد.

ومن الخطأ قول طرفة يصف ذنب البعير:

كأنّ جناحى مضرحىّ تكنّفاحفافيه شكّا فى العسيب بمسرد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
وإنما توصف النجائب بخفّة الذنبوجعله هذا كثيفا طويلا عريضا

وقول امرىء القيس:

وأركب فى الرّوع خيفانةكسا وجهها سعف منتشر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

شبّه ناصية الفرس بسعف النخلة لطولها، وإذا غطى الشعر العين لم يكن الفرس كريما.

وقول الحطيئة:

ومن يطلب مساعى آل لأىتصعّده الأمور إلى علاها
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا هبت أمامة بعد هدء»

كان ينبغى أن يقول: من طلب مساعيهما جز عنها وقصّر دونها، فأما إذا تناهى إلى علاها فأى فخر لهم؛ فإن قيل: إنه أراد به [أنه] يلقى صعوبة كما يلقى الصاعد من أسفل إلى علو، فالعيب أيضا لازم له؛ لأنه لم يعبّر عنه تعبيرا مبينا.

وقول النابغة:

ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلتحرب يوائل منها كل تنبال

التنبال: القصير من الرجال، وليس القصير بأولى بطلب الموئل من الطوال؛ وإن جعل التّنبال الجبان فهو أبعد من الصواب؛ لأن الجبان خائف وجل اشتدت الحرب أم سكنت.

والجيد قول الهمدانى:

يكرّ على المصافّ إذا تعادىمن الأهوال شجعان الرّجال

وقول المسيب بن علس:

فتسلّ حاجتها إذا هى أعرضتبخميصة سرح اليدين وساع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»
وكأنّ قنطرة بموضع كورهاوتمدّ ثنى جديلها بشراع
وإذا أطفت بها أطفت بكلكلنبض الفرائص مجفر الأضلاع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»

وهذا من المتناقض؛ لأنه قال خميصة، ثم قال: كأن موضع كورها قنطرة، وهى مجفرة الأضلاع؛ فكيف تكون خميصة وهذه صفتها.

وقول الحطيئة:

حرج يلاوذ بالكناس كأنّهمتطوّف حتى الصباح يدور
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لمن الديار كأنهن سطور»
حتى إذا ما الصبح شقّ عمودهوعلاه أسطع لا يردّ منير
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لمن الديار كأنهن سطور»
وحصى الكثيب بصفحتيه كأنهخبث الحديد أطارهنّ الكير
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لمن الديار كأنهن سطور»

زعم أنه يطوف حتى الصباح، فمن أين صار الحصى بصفحتيه؟

وقول لبيد:

فلقد أعوص بالخصم وقدأملأ الجفنة من شحم القلل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

أراد السنام، ولا يسمّى السنام شحما.

وقوله:

لو يقوم الفيل أو فيّالهزلّ عن مثل مقامى وزحل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

ليس للفيّال من الشدّة والقوة ما يكون مثلا.

ومن الخطأ قول أبى ذؤيب فى الدرة:

فجاء بها ما شئت من لطميّةيدوم الفرات فوقها ويموج
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «صبا صبوة بل لج وهو لجوج»

والدّرّة إنما تكون فى الماء الملح دون العذب. وقال من احتج له: إنما يريد بماء الدّرة صفاءه فشبّه بماء الفرات؛ لأنّ الفرات لا يخطئه الصفاء والحسن.

وقوله أيضا:

فما برحت فى الناس حتى تبيّنتثقيفا بزيزاء الأشاة قبابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»

يقول: ما زالت هذه الخمرة فى الناس يحفظونها حتى أتوا بها ثقيفا. قال الأصمعى:

وكيف تحمل الخمرة إلى ثقيف وعندهم العنب.

وقول عدى بن الرقاع:

لهم راية تهدى الجموع كأنهاإذا خطرت فى ثعلب الرّمح طائر

والراية لا تخطر، وإنما الخطران للرمح.

ومما لم يسمع مثله قط قول عدى بن زيد فى الخمرة ووصفه إياها بالخضرة حيث يقول:

والمشرف الهيدب يسعى بهاأخضر مطموثا بماء الحريص

والحريص: السّحابة تحرص وجه الأرض، أى تقشرها بشدّة وقع مطرها.

ومن وضع الشىء فى غير موضعه قول الشاعر:

يمشى بها كلّ موشّى أكارعهمشى الهرابذ حجّوا بيعة الدّون

فالغلظ فى هذا البيت فى ثلاثة مواضع: أحدها أن الهرابذ المجوس لا النصارى.

والثانى أن البيعة للنصارى لا للمجوس. والثالث أنّ النصارى لا يعبدون الأصنام ولا المجوس.

ومن المحال الذى لا وجه له قول القس:

وإنّى إذا ما الموت حلّ بنفسهايزال بنفسى قبل ذاك فأقبر

وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله. وهذا عين المحال الممتنع الذى لا يجوز كونه.

ومن عيوب المعنى مخالفة العرف وذكر ما ليس فى العادة كقول المرار:

وخال على خدّيك يبدو كأنّهسنا البدر فى دعجاء باد دجونها
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

والمعروف أن الخيلان سود أو سمر، والحدود الحسان إنما هى البيض، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى.

وهكذا قول الآخر:

كأنّما الخيلان فى وجههكواكب أحدقن بالبدر

ويمكن أن يحتج لهذا الشاعر بأن يقال: شبّه الخيلان بالكواكب من جهة الاستدارة لا من جهة اللّون.

والجيد فى صفة الخال قول مسلم:

وخال كخال البدر فى وجه مثلهلقينا المنى فيه فحاجزنا البذل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «خرجن خروج الأنجم الزهر فالتقى»

وقال العباس بن الأحنف:

لخال بذات الخال أحسن عندنامن النكتة السّوداء فى وضح البدر

ومن المعانى ما يكون مقصرا غير بالغ مبلغ غيره فى الإحسان، كقول كثير:

وما روضة بالحزن طيّبة الثّرىتمجّ الندى حوذانها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهناوقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وإني لأسمو بالوصال إلى التي»

وقد صدق؛ ليس ريح الروض بأطيب من ريح العود، إلا أنه لم يأت بإحسان فيما وصف من طيب عرق المرأة؛ لأن كلّ من تجمّر بالعود طابت رائحته.

والجيد قول امرئ القيس:

ألم تر أنّى كلّما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

والعود الرطب ليس بمختار للبخور؛ وإنما يصلح للمضع والسواك، والعود اليابس أبلغ فى معناه.

وأنشد الكميت نصيبا:

كأنّ الغطامط فى غليهاأراجيز أسلم تهجو غفارا

فقال نصيب: لم تهج أسلم غفارا قط، فقال الكميت:

إذا ما الهجارس غنّينهاتجاوبن بالفلوات الوبارا

فقال نصيب: لا يكون بالفلوات وبار، فاستحى الكميت وسكت ومن عيوب المديح عدول المادح عن الفضائل التى تختصّ بالنفس: من العقل، والعفّة، والعدل، والشجاعة، إلى ما يليق بأوصاف الجسم: من الحسن، والبهاء والزّينة، كما قال ابن قيس الرقيّات فى عبد الملك بن مروان:

يأتلق التّاج فوق مفرقهعلى جبين كأنّه الذّهب

فغضب عبد الملك، وقال: قد قلت فى مصعب:

إنما مصعب شهاب من اللّهـ تجلّت عن وجهه الظّلماء
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

فأعطيته المدح بكشف الغمم، وجلاء الظّلم؛ وأعطيتنى من المدح ما لا فخر فيه؛ وهو اعتدال التاج فوق جبينى الذى هو كالذّهب فى النضارة.

ومثل ذلك قول أيمن بن خزيم فى بشر بن مروان:

يابن الأكارم من قريش كلّهاوابن الخلائف وابن كلّ قلمّس
من فرع آدم كابرا عن كابرحتّى أتيت إلى أبيك العنبس
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
مروان، إنّ قناته خطّيّةغرست أرومتها أعزّ المغرس
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وبنيت عند مقام ربك قبّةخضراء كلّل تاجها بالفسفس
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
فسماؤها ذهب وأسفل أرضهاورق تلألأ فى صميم الحندس

فما فى هذه الأبيات شىء يتعلّق بالمدح الذى يختصّ بالنفس، وإنما ذكر سودد الآباء، وفيه فخر للأبناء، ولكن ليس العظامى كالعصامىّ، وربما كان سودد الوالد وفضيلته نقيصة للولد إذا تأخّر عن رتبة الوالد، ويكون ذكر الوالد الفاضل تقريعا للولد الناقص.

وقيل لبعضهم: لم لا تكون كأبيك؟ فقال: ليت أبى لم يكن ذا فضل؛ فإنّ فضله صار نقصا لى.

وقد قال الأوّل:

إنّما المجد ما بنى والد الصّدق وأحيا فعاله المولود
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

وقال غيره فى خلافه:

لئن فخرت بآباء ذوى شرفلقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا

وقال آخر:

عفّت مقابح أخلاق خصصت بهاعلى محاسن أبقاها أبوك لكا
لئن تقدمت أبناء الكرام بهلقد تأخّر آباء اللّئام بكا

ثم ذكر أيمن بناء قبة حسنة، وليس بناء القباب مما يدل على جود وكرم؛ بل يجوز أن يبنى اللئيم البخيل الأبنية النفيسة، ويتوسّع فى النفقة على الدور الحسنة

مع منع الحق، وردّ السائل، وليس اليسار مما يمدح به مدحا حقيقيا؛ ألا ترى كيف يقول أشجع السّلمى:

يريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
وليس بأوسعهم فى الغنىولكنّ معروفة أوسع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

ومن عيوب المدح قول أيمن بن خريم أيضا فى بشر بن مروان:

فإن أعطاك بشر ألف ألفرأى حقّا عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتى سرجا خلنجاوأبيض جوز جانيّا عنودا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وإنّا قد رأينا أمّ بشركأمّ الأسد مذكارا ولودا

جميع هذا الكلام جار على غير الصواب، إلّا فى ابتداء وصفه فى التناهى فى الجود، ثم انحطّ إلى مالا يقع مع الأول موقعا وهو السّرج وغيره. وأتى فى البيت الثالث بما هو أقرب إلى الذّم منه إلى المدح، وهو قوله:

وإنا قد رأينا أمّ بشركأمّ الأسد مذكارا ولودا

لأنّ الناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة أعسر وأولادها أقلّ. كما قال الأول:

بغاث الطّير أكثرها فراخاوأمّ الصّقر مقلات نزور
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

ومن عيوب المدح قول بعضهم- هو عبيد الله بن الحويرث- لبشر بن مروان:

إنّى رحلت إلى عمرو لأعرفهإذ قيل بشر ولم أعدل به نشبا

فنكّر الممدوح وسلبه النباهة؛ وكان ينبغى أن يقول: ليعرفنى.

والنادر العجب الذى لا شبه له قول عدىّ بن الرّقاع، وذكر الله سبحانه، فقال:

وكفّك سبطة ونداك غمروأنت المرء تفعل ما تقول

فجعل إلهه امرءا، تعالى الله عما يقول:

وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى، قال: أخبرنا أبو العيناء عن الأصمعى قال:

اجتمع جرير والفرزدق عند الحجّاج. فقال: من مدحنى منكما بشعر يوجز فيه ويحسن صفتى فهذه الخلعة له؛ فقال الفرزدق:

فمن يأمن الحجاج والطير تتّقىعقوبته إلّا ضعيف العزائم

فقال جرير:

فمن يأمن الحجّاج أمّا عقابهفمرّ وأمّا عقده فوثيق
يسرّ لك البغضاء كلّ منافقكما كلّ ذى دين عليك شفيق
للشاعر جرير، من قصيدة «بت أرائي صاحبي تجلدا»

فقال الحجاج للفرزدق: ما عملت شيئا، إنّ الطير تنفر من الصبىّ والخشبة؛ ودفع الخلعة إلى جرير.

والجيد فى المديح قول زهير:

هنالك أن يستخولوا المال يخولواوإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
وفيهم مقامات حسان وجوههاوأندية ينتابها القول والفعل

فلما استتمّ وصفهم بحسن المقال، وتصديق القول بالفعل، وصفهم بحسن الوجوه.

ثم قال:

على مكثريهم حقّ من يعتريهموعند المقلّين السماحة والبذل

فلم يخل مكثرا ولا مقلّا منهم من برّ وفضل.

ثم قال:

فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهممجالس قد يشفى بأحلامها الجهل

فوصفهم بالحلم.

ثم قال:

وإن قام منهم قائم قال قاعدرشدت فلا غرم عليك ولا خذل

فوصفهم أيضا بالتّضافر والتّعاون.

فلما آتاهم هذه الصفات النفيسة ذكر فضل آبائهم فقال:

وما يك من خير أتوه فإنّماتوارثه آباء آبائهم قبل
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة
وهل ينبت الخطىّ إلّا وشيجهوتغرس إلّا فى منابتها النّخل
للشاعر محمد ولد ابن ولد أحميدا، من قصيدة «سبت لبه من بعد كبرته جمل»

وكقول ذى الرمة:

إلى ملك يعلو الرّجال بفضلهكما بهر البدر النّجوم السّواريا
فما مرتع الجيران إلّا جفانكمتبارون أنتم والرياح تباريا

أخذه بعضهم، فقال وأحسن:

رأيتكم بقيّة حىّ قيسوهضبته الّتى فوق الهضاب
تبارون الرّياح إذا تبارتوتمتثلون أفعال السّحاب
يذكرنى مقامى فى ذراكممقامى أمس فى ظلّ الشّباب

وكقول الراعى:

إنى وإياك والشكوى التى قصرتخطوى وبابك والوجد الذى أجد
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا»
كالماء والظالع الصّديان يطلبهوهو الشّفاء له لو أنّه يرد
ضافى العطيّة، راجيه وسائلهسيّان، أفلح من يعطى ومن يعد
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا»

وقول مروان بن أبى حفصة:

بنو مطر يوم اللّقاء كأنّهمأسود لهم فى غيل خفّان أشبل
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «كأن التي يوم الرحيل تعرضت»
هم المانعون الجار حتّى كأنّمالجارهم فوق السّماكين منزل
بها ليل فى الإسلام سادوا ولم يكنكأوّلهم فى الجاهليّة أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعواأجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «كأن التي يوم الرحيل تعرضت»
ولا يستطيع الفاعلون فعالهموإن أحسنوا فى النّائبات وأجملوا
تلاث بأمثال الجبال حباهموأحلامهم منها لدى الوزن أثقل

ويقول الآخر:

علّم الغيث الندى حتى إذاما حكاه علّم البأس الأسد
للشاعر إسماعيل صبري، اقرأ القصيدة
فله الغيث مقرّ بالنّدىوله اللّيث مقرّ بالجلد
للشاعر إسماعيل صبري، اقرأ القصيدة

وكقول الآخر:

شبه الغيث فيه والليث والبدر فسمح ومحرب وجميل

ومع ما ذكرناه فإنّه لا ينبغى أن يخلو المدح من مناقب لآباء الممدوح، وتقريظ من يعرف به وينسب إليه.

وأنشد أبو الخطاب الفضل بن يحيى:

وجد له يابن أبى علىّبنفحة من ملك سخىّ
فإنّه عود على بدىّفإنّما الوسمىّ بالولىّ

فقال الفضل: بنفحة من نفح برمكى؛ فجعله كذلك.

وأنشده مروان بن أبى حفصة:

نفرت فلا شلّت يد خالديّةرتقت بها الفتق الذى بين هاشم

فقال له الفضل: قل برمكية؛ فقد يشركنا فى خالد بشر كثير، ولا يشركنا فى برمك أحد.

والهجاء أيضا إذا لم يكن يسلب الصفات المستحسنة التى تختصّها النفس؛ ويثبت الصفات المستهجنة التى تختصها أيضا لم يكن مختارا.

والاختيار أن ينسب المهجوّ إلى اللؤم والبخل والشّره وما أشبه ذلك.

وليس بالمختار فى الهجاء أن ينسبه إلى قبح الوجه وصغر الحجم وضؤولة الجسم؛ يدلّ على ذلك قول القائل:

فقلت لها: ليس الشّحوب على الفتىبعار ولا خير الرجال سمينها

وقول الآخر:

تنال الخير ممّن تزدريهويخلف ظنّك الرّجل الطّرير

وقول الآخر:

رأوه فازدروه وهو خرقوينفع أهله الرجل القبيح

وذكر السموءل أنّ قلة العدد ليست بعيب، فقال:

تعيّرنا أنّا قليل عديدنافقلت لها إنّ الكرام قليل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

ومن الهجاء الجيّد قول بعضهم:

اللّؤم أكرم من وبر ووالدهواللّؤم أكرم من وبر وما ولدا
للشاعر الحكم الفزاري، من قصيدة «اللؤم أكرم من وبر ووالده»
قوم إذا ماجنى جانيهم أمنوامن لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا

وقول أعشى باهلة:

بنو تيم قرارة كلّ لؤمكذاك لكلّ سائلة قرار

وتبعه أبو تمام، فقال:

ملقى الرجاء وملقى الرّحل فى نفرالجود عندهم قول بلا عمل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لي بعادية الأيام من قبل»
أضحوا بمستنّ سبل اللّؤم وارتفعتأموالهم فى هضاب المطل والعلل

ونقله إلى موضع آخر، فقال:

وكانت زفرة ثمّ اطمأنّتكذاك لكلّ سائلة قرار

وقول الآخر:

لو كان يخفى على الرّحمن خافيةمن خلقه خفيت عنه بنو أسد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إن الفؤاد للبائن الغرد»

وقول الحكم الحضرى:

ألم تر أنّهم رقموا بلؤمكما رقمت بأذرعها الحمير

ومن خبيث الهجاء قول الآخر:

إن يغدروا أو يجبنواأو يبخلوا لا يجفلوا
يغدوا عليك مرجّلين كأنّهم لم يفعلوا

وقول الآخر:

لو اطّلع الغراب على تميموما فيها من السّوءات شابا

وقول مرة بن عدى الفقعسى:

وإذا تسرّك من تميم خصلةفلما يسوءك من تميم أكثر

ومن المبالغة فى الهجاء قول ابن الرومى:

يقتّر عيسى على نفسهوليس بباق ولا خالد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يقتر عيسى على نفسه»
ولو يستطيع لتقتيرهتنفّس من منخر واحد

والناس يظنون أنّ ابن الرومى ابتكر هذا المعنى، وإنما أخذه ممن حكاه أبو عثمان أنّ بعضهم قبر إحدى عينيه وقال: إنّ النظر بهما فى زمان واحد من الإسراف.

وقول البحترى:

وردّدت العتاب عليك حتّىسئمت وآخر الودّ العتاب
وهان عليك سخطى حين تغدوبعرض ليس تأكله الكلاب
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَرَدَدْتُ العِتابَ عَلَيكَ، حتى»

ومن خطأ الوصف قول كعب بن زهير:

ضخم مقلّدها فعم مقيّدها

لأن النجائب توصف بدقّة المذبح.

ومن خطأ اللفظ قول ذى الرّمة:

حتّى إذا الهيق أمسى شام أفرخهوهنّ لا مويس نأيا ولا كثب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

لأنّه لا يقال شام إلّا فى البرق.

ومن ردىء التشبيه قول لبيد:

فمتى ينقع صراخ صادقيحلبوها ذات جرس وزجل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»
فخمة ذفراء ترتى بالعراقردمانيّا وتركا كالبصل

فشبّه البيضة بالبصل، وهو بعيد، وإن كانا يتشابهان من جهة الاستدارة لبعد ما بينهما فى الحنس.

وقول أبى العيال:

ذكرت أخى فعاودنىصداع الرّأس والوصب
للشاعر أبو العَيال الهذلي، اقرأ القصيدة

فذكر الرأس مع الصّداع فضل، لأنّ الصداع لا يكون فى الرّجل ولا فى غيرها من الأعضاء. وفيه وجه آخر من العيب؛ وهو أن الذّاكر لما قد فات من محبوب يوصف بألم القلب واحتراقه لا بالصّداع.

وقول أوس بن حجر:

وهم لمقلّ المال أولاد علّةوإن كان محضا فى العمومة مخولا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «صحا قلبه عن سُكره فتأملا»

فقوله: «المال» مع المقلّ فضل.

وقول عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجى:

قيدت فقد لان حاذاها وحاركهاوالقلب منها مطار القلب مذعور

فما سمعنا بأعجب من قوله: فالقلب منها مطار القلب.

وقول الآخر:

ألا حبّذا هند وأرض بها هندوهند أتى من دونها النّأى والبعد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا طرقتنا بعدما هجدوا هند»

فقوله: «النّأى» مع «البعد» فضل، وإن كان قد جاء من هذا الجنس فى كلامهم كثير، والبيت فى نفسه بارد.

ومن عيوب اللفظ ارتكاب الضرورات فيه كما قال المتلمس:

إن تسلكى سبل الموماة منجدةما عاش عمر وما عمّرت قابوس

أراد [ما عاش عمرو] وما عمّر قابوس وقول الأعشى - حكاه بعض الأدباء وعابه:

من القاصرات سجوف الحجال لم تر شمسا ولا زمهريرا

قال: لا توضع الشّمس مع الزمهرير. قال: وكان يجب أن يقول، لم تر شمسا ولا قمرا، ولم يصبها حرّ ولا قر، وقد أخطأ لأنّ القرآن قد جاء فيه موضع هاتين اللفظتين معا.

ومن المطابقة أن يتقارب التضاد دون تصريحه، وهذا كثير فى كلامهم. وقد أوردناه فى باب الطباق.

وكقول علقمة:

يحملن أترجّة نضخ العبير بهاكأنّ تطيابها فى الأنف مشموم
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

والتطياب هاهنا على غاية السماجة. والطيب أيضا مشموم لا محالة، فقوله:

كأنه مشموم هجنة. وقوله: فى الأنف أهجن؛ لأن الشمّ لا يكون بالعين.

وقول عامر بن الطفيل:

تناولته فاحتل سيفى ذبابهشراشيفه العليا وجذّ المعاصما

وهذا البيت على غاية التكلف.

وقول خفاف بن ندبة:

إن تعرضى وتضنّى بالنّوال لناتواصلين إذا واصلت أمثالى
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «ما هاجك اليوم من رسم وأطلال»

وكان ينبغى أن يقول: إن تضنّى بالنوال علينا، على أنّ البيت كله مضطرب النّسج.

وقول الحطيئة:

صفوف وماذىّ الحديد عليهموبيض كأولاد النّعام كثيف

جعل بيض النّعام أولادها.

ومن عيوب اللّفظ استعماله فى غير موضعه المستعمل فيه، وحمله على غير وجهه المعروف به؛ كقول ذى الرمة:

نغار إذا ما الرّوع أبدى عن البرىونقرى عبيط اللّحم والماء جامس

لا يقال: ماء جامس، وإنما يقال: ودك جامس.

وقول جرير:

لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنىصوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

قالوا: لا يكون التّأريق إلّا أوّل الليل. والدجاج: الديكة هاهنا.

وقول عدىّ بن زيد فى الفرس: «فارها متابعا». لا يقال: فرس فاره، إنما يقال بغل فاره.

وقول النابغة:

رقاق النّعال طيّب حجزاتهميحيّون بالرّيحان يوم السّباسب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

يمدح بذلك ملوكا بأنهم يحيّون بالريحان يوم السباسب، ويوم السباسب يوم عيد لهم؛ ومثل هذا لا يمدح به السوقة فضلا عن الملوك.

ومنه قوله فيهم:

وأكسية الإضريح فوق المشاجب

جعل لهم أكسية حمرا يضعونها على مشاجب. فترى لو كان لهم ديباج أين كانوا يضعونه؛ وليس هذا مما يمدح به الملوك.

ومن الردىء أيضا قول امرىء القيس:

أرانا موضعين لأمر غيبونسحر بالطعام وبالشراب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»
عصافير وذبّان ودودوأجر من مجلّحة الذئاب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

هذا وإن لم يكن مستحيلا، فهو على غاية القباحة فى اللفظ وسوء التمثيل.

وقول بشر:

على كل ذى ميعة سابحيقطع ذو أبهريه الحزاما
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «غشيت لليلى بشرق مقاما»

وإنّما له أبهر واحد.

ومن الأبيات العارية الخربة من المعانى قول جرير للأخطل:

قال الأخيطل إذ رأى راياتكميا مار سرجس لا أريد قتالا

ومن المتناقض قول عروة بن أذينة:

نزلوا ثلاث منى بمنزل غبطةوهم على غرض لعمرك ماهم
متجاورين بغير دار إقامةلو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

فقال: لبثوا فى دار غبطة، ثم قال: لو رحلوا لم يندموا.

ومثله قول جرير:

فلم أر دارا مثلها دار غبطةوملقى إذا التفّ الحجيج بمجمع
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي عوجا منكما ساعة معي»
أقلّ مقيما راضيا بمقامهوأكثر جارا ظاعنا لم يودّع

وهل يغتبط عاقل بمكان من لا يرضى به».

وقول جميل:

خليلىّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله مثلى
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»
فلو تركت عقلى معى ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلى
للشاعر جميل بن معمر، من قصيدة «يقولون مهلا يا جميل و إنني»

زعم أنه يهواها لذهاب عقله، ولو كان عاقلا ما هويها.

والجيّد قول الآخر:

وما سرنى أنّى خلىّ من الهوىولو أن لى من بين شرق إلى غرب
فإن كان هذا الحبّ ذنبى إليكمفلا غفر الرّحمن ذلك من ذنب

وقول الآخر:

أحببت قلبى لما أحبّكموصار رأيى لرأيه تبعا
وربّ قلب يقول صاحبهتبّا لقلبى فبئس ما صنعا

والجيد فى هذا المعنى قول البحترى:

ويعجبنى فقرى إليك ولم يكنليعجبنى لولا محبّتك الفقر
للشاعر البحتري، من قصيدة «متى لاح برق أو بدا طلل قفر»

وقول العرجى:

من ذكر ليلى وأىّ الأرض ما سكنتليلى فإنى بتلك الأرض محتبس

ومنه:

مثل الضفادع نقّاقون وحدهمإذا خلوا وإذا لاقيتهم خرس
للشاعر العرجي، من قصيدة «تحمل اليوم أم لم تبرح الأنس»

وقال ابن داود: من التشبيه الّذى لا يقع أبرد منه قول أبى الشيص:

وناعس لو يذوق الحبّ ما نعسابلى عسى أن يرى طيف الحبيب عسى
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
وللهوى جرس ينفى الرّقاد بهفكلما كدت أغفى حرّك الجرسا
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

إنّ قلبى سلّ من غير مرضوفؤادى من جوى الحبّ غرض
كجراب كان فيه جبندخل الفأر عليه فقرض

وقال عبد الملك يوما لجلسائه: أعلمتم أنّ الأحوص أحمق لقوله:

فما بيضة بات الظّليم يحفهاويجعلها بين الجناح وحوصله
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «فما بيضة بات الظليم يحفها»
بأحسن منها يوم قالت تدلّلاتبدّل خليلى إننى متبدّله
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «فما بيضة بات الظليم يحفها»

فما أعجبه وهى تقول هذه المقالة! والجيد قول أبى تمام:

لا شىء أحسن منه ليلة وصلهوقد اتخذت مخدّة من خدّه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ظبي يتيه بورده في خده»

وأنشد عبد الملك قول نصيب:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمتفواحزنا من ذا يهيم بها بعدى
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أهيم بدعد ما حييت فإن امت»

فقال بعض من حضر؛ أساء القول؛ أيحزن لمن يهيم بها بعده؟ فقال عبد الملك:

فلو كنت قائلا ما كنت تقول؟ فقال:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمتأو كلّ بدعد من يهيم بها بعدى

فقال عبد الملك: أنت والله أسوأ قولا؛ أتوكّل من يهيم بها! ثمّ قال:

الجيّد:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمتفلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى

وأخذ الأصمعىّ على الشّماخ قوله:

رحى حيزومها كرحى الطّحين

وقال: السعدانة توصف بالصّغر. فقال من احتجّ للشماخ: إنما شبهها بالرّحى لصلابتها، كما قال:

قلائص يطحنّ الحصى بالكراكر

ومن المعيب قول عمر بن أبى ربيعة هذا:

أومت بكفّيها من الهودجلولاك فى ذا العام لم أحجج
أنت إلى مكة أخرجتنىحبّا ولولا أنت لم أخرج

لا ينبىء الإيماء عن هذه المعانى كلها.

ونحوه قول المثقب العبدى:

تقول إذا درأت لها وضينىأهذا دينه أبدا ودينى
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»
أكلّ الدهر حلّ وارتحالأما يبقى علىّ ولا يقينى
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»

والذى يقارب الصواب قول عنترة:

فازور من وقع القنا بلبانهوشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكىولكان لو علم الكلام مكلّمى
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

ومن النسيب الردىء قول نصيب:

فإن تصلى أصلك وإن تعودىلهجر بعد وصلك لا أبالى
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «فان تصلي اصلك وان تعودي»

وذلك أنّ التجلّد من العاشق مذموم. وفى خلاف ذلك قول زهير:

لقد باليت مطعن أمّ أوفىولكن أمّ أوفى لا تبالى

وقول عمر بن أبى ربيعة:

قالت لها أختها تعاتبهالا تفسدنّ الطّواف فى عمر
قومى تصدّى له ليبصرناثم اغمزيه يا أخت فى خفر»
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا من لقلب متيم كلف»
قالت لها قد غمزته فأبىثم اسبكرّت تشتدّ فى أثرى

فشبّب بنفسه ووصفها بالقحة، وناقض فى حكايته عن صاحبتها؛ فذكر نهيها إياها عن إفساد الطّواف فيه، ثم إنها قالت لها: «قومى انظرى».

ومما جاء فى ذلك من أشعار المحدثين قول بشّار:

إنّما عظم سليمى حبّتىقصب السّكر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلاغلب المسك على ريح البصل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن سلمى خلقت من قصب»

وقوله:

وبعض الجود خنزير

ومن المعانى البشعة قول أبى نواس:

يا أحمد المرتجى فى كلّ نائبةقم سيّدى نعص جبّار السّموات
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لا أستزيد حبيبي من مواتاتي»

فهذا مع كفره ممقوت.

وكذا قوله:

لو أكثر التسبيح ما نجّاه

وقوله:

من رسول الله من نفره

وقد تبع فى هذا القول حسان بن ثابت فى قوله:

أكرم بقوم رسول الله شيعتهمإذا تفرّقت الأهواء والشّيع

والخطأ من كل واحد خطأ.

وقول أبى نواس أيضا:

أحبب قريشا لحبّ أحمدها

وقوله:

تنازع الأحمدان الشبه فاشتبهاخلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان

فزعم أنّ ابن زبيدة مثل رسول الله ﷺ فى خلقه وخلقه.

ومثل ذلك قول أبى الخلال فى يزيد بن معاوية:

يأيها الميت بحوّاريناإنّك خير النّاس أجمعينا

وقول أبى العتاهية:

غنيت عن الوصل القديم غنيتاوضيّعت ودّا كان لى ونسيتا
ومن أعجب الأشياء أن مات مألفىومن كنت ترعانى له وبقيتا
تجاهلت عمّا كنت تحسن وصفهومتّ عن الإحسان حين حييتا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «غنيت عن الود القديم غنيتا»

وليس من العجب أن يموت إنسان ويبقى بعده إنسان آخر؛ بل هذه عادة الدنيا والمعهود من أمرها، ولو قال: «من ظلم الأيام» كان المعنى مستويا.

وسمعت بعض العلماء يقول: ومن المعانى الباردة قول أبى نواس فى صفة البازى:

فى هامة علياء تهدى منسراكعطفة الجيم بكفّ أعسرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما رأيت الليل قد تشزرا»

فهذا جيّد مليح مستوفى.

ثم قال:

يقول من فيها بعقل فكّرالو زادها عينا إلى فاء ورا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما رأيت الليل قد تشزرا»

فاتّصلت بالجيم صار جعفرا

فمن يجهل أن الجيم إذا أضيف إليها العين والفاء والراء تصير جعفرا.

وسواء قال هذا، أو قال:

لو زادها حاء إلى دال ورافاتصلت بالجيم صار جحدرا

وما يدخل فى صفة البازى من هذا القول.

وتبعه أبو تمام فقال:

هنّ الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهنّ فإنّهنّ حمام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

فمن ذا الذى جهل أنّ الحمام إذا كسرت حاؤها صارت حماما.

وإنما أراد أبو نواس أنه يشبه الجيم لا يغادر من شبهها شيئا، حتى لو زدت عليها هذه الأحرف صارت جعفرا لشدّة شبهها به، وهو عندى صواب، إلا أنه لو اكتفى بقوله: «كعطفة الجيم بكف أعسرا» ولم يزد الزيادة التى بعدها كان أجود وأرشق وأدخل فى مذاهب الفصحاء، وأشبه بالشعر القديم.

وأما قول أبى تمام فله معنى خلاف ما ذكره، وذلك أنه أراد أنك إذا أردت الزّجر والعيافة أدّاك الحمام إلى الحمام، كما أنّ صوتها الذى يظنّ أنه بكاء إنما هو طرب، ويؤدّيك إلى البكاء الحقيقى؛ وهذا المعنى صحيح؛ إلا أن المعنى إذا صار بهذه المنزلة من الدّقة كان كالمعمّى؛ والتعمية حيث يراد البيان عىّ.

ومن عيوب المعنى قول أبى نواس فى صفة الأسد:

كأنما عينه إذا نظرتبارزة الجفن عين مخنوق

فوصف عين الأسد بالجحوظ، وهى توصف بالغؤور؛ كما قال الرّاجز:

كأنّما ينظر من خرق حجر

وكقول أبى زبيد:

كأن عينيه فى وقبين من حجرقيضا اقتياضا بأطراف المناقير
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

وقوله أيضا:

وعينان كالوقبين فى قلب صخرةيرى فيهما كالجمرتين تسعر

وأنشد مروان بن أبى حفصة عمارة بن عقيل بيته فى المأمون:

أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلابالدّين، والناس بالدنيا مشاغيل
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا»

فقال له: مازدته على أن وصفته بصفة عجوز فى يدها مسباحها؛ فهلا قلت:

كما قال جدّى فى عمر بن عبد العزيز:

فلا هو فى الدنيا مضيع نصيبهولا عرض الدّنيا عن الدين شاغله
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه»

ومن الغلط قول أبى تمام:

رقيق حواشى الحلم لو أنّ حلمهبكفيّك ما ماريت فى أنه برد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد»

وما وصف أحد من أهل الجاهلية ولا أهل الإسلام الحلم بالرّقة، وإنما يصفونه بالرجحان والرزانة؛ كما قال النابغة:

وأعظم أحلاما وأكبر سيداوأفضل مشفوعا إليه وشافعا

وقال الأخطل:

صمّ عن الجهل عن قيل الخناخرسوإن ألمّت بهم مكروهة صبروا
شمس العداوة حتى يستقاد لهموأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»

وقال أبو ذؤيب:

وصبر على حدث النّائباتوحلم رزين وعقل ذكىّ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «عرفت الديار كرقم الدوا»

وقال عدىّ بن الرّقاع:

أبت لكم مواطن طيّباتوأحلام لكم تزن الجبالا
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «علاني الشيب واشتعل اشتعالا»

وقال الفرزدق:

إنّا لتوزن بالجبال حلومناويزيد جاهلنا على الجهّال
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تبكي المراغة بالرغام على ابنها»

ومثل هذا كثير.

وإذا ذمّوا الرجل قالوا: خفّ حلمه وطاش، كما قال عياض بن كثير الضبى:

تنابلة سود خفاف حلومهمذوو نيرب فى الحىّ يغدو ويطرق
للشاعر عياض الضبي، اقرأ القصيدة

وقال عقبة بن هبيرة الأسدى:

أبنو المغيرة مثل آل خويلديا للرّجال لخفّة الأحلام

لا، بل أحسبنى سمعت بيتا لبعض المحدثين يصف فيه الحلم بالرّقة وليس بالمختار.

ومن خطئه أيضا قوله:

من الهيف لو أنّ الخلاخل صيّرتلها وشحا جالت عليها الخلاخل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

ولو قال: «نطقا» لكان حسنا، وهذا خطأ كبير؛ وذلك أنّ الخلخال قدره فى السعة معروف، ولو صار وشاحا للمرأة لكانت المرأة فى غاية الدّمامة والقصر، حتى [لو كانت] هى فى خلقة الجرذ والهرّة، ولو قال: «حقبا» لكان جيّدا، كما قال النمرى:

ولو قست يوما حجلها بحقابهالكان سواء، لا، بل الحجل أوسع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فجعل الحجل أوسع من الحقاب؛ لأنّ امتلاء الأسوق محمود ودقّة الخصور ممدوح.

والجيّد فى ذكر الوشاح قول ذى الرمة:

عجزاء ممكورة خمصانة قلقعنها الوشاح وتم الجسم والقصب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقال ابن مقبل:

وقد دقّ منها الخصر حتّى وشاحهايجول، وقد عمّ الخلاخيل والقلبا
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

وقال طرفة:

وملء السوار مع الدملجينوأما الوشاح عليها فجالا

وقال كثير:

يجول الوشاح بأقرابهاوتأبى خلاخلها أن تجولا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «توهمت بالخيف رسما محيلا»

ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام:

قسم الزّمان ربوعها بين الصّباوقبولها ودبورها أثلاثا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قف بالطلول الدارسات علاثا»

والصّبا: هى القبول.

أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبى حاتم عن الأصمعى قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى طرف جناح الفجر، وما يقابل ذلك من ناحية المغرب، فهى الشمال، وما يجىء من وراء البيت الحرام فهى دبور، وما يقابل ذلك فهى القبول، والقبول والصّبا واحدة.

والجيّد ما قال البحترى:

متروكة للريح بين شمالهاوجنوبها ودبورها وقبولها

وأما قوله:

شنئت الصّبا إذ قيل وجّهن قصدهاوعاديت من بين الرياح قبولها
للشاعر البحتري، من قصيدة «قِفَا في مَغاني الدّارِ نَسألْ طُلُولَها»

فإنما يعنى شنئت هذين الاسمين؛ لأنّ حمول الظاعنين توجّهت نحوها.

ومن الخطأ قول أبى المعتصم:

كأنما أربعة إذا تناهبن الثّرىريح القبول والدّبور والشّمال والصّبا

ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام-:

الودّ للقربى ولكن عرفهللأبعد الأوطان دون الأقرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

ولا أعرف لم حرم أقارب هذا الممدوح عرفه وصيره للأبعدين؟ فنقصه الفضل فى صلة الرحم، وإذا لم يكن مع الود نفع لم يعتدّ به. قال الأعشى:

بانت وقد أسأرت فى النفس حاجتهابعد ائتلاف وخير الودّ مانفعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

وقال المقنع:

جعلت لهم منّى مع الصّلة الودّا

وقد أغرى أبو تمام بهذا القول أقرباء الممدوح؛ لأنّهم إذا رأوا عرفه يفيض فى الأبعدين ويقصر عنهم أبغضوه وذمّوه.

وقد ذمّ الشّاعر الطريقة التى يمدح بها أبو تمام، فقال:

كمرضعة أولاد أخرى وضيّعتبنيها فلم ترقع بذلك مرقعا

وقال آخر- وهو ابن هرمة:

كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

وقال أبو دواد الإيادى:

إذا كنت مرتاد الرّجال لنفعهمفرش واصطنع عند الذين بهم ترمى
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وإذا أصبت من النّوافل رغبةفامنح عشيرتك الأدانى فضلها
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة

وذمّ قديما المذهب الذى ذهب إليه أبو تمام مسافر العبشمى، فقال:

تمدّ إلى الأقصى بثديك كلّهوأنت على الأدنى صرور مجدّد
فإنّك لو أصلحت من أنت مفسدتودّدك الأقصى الذى تتودّد

وقال المسيب بن علس:

من الناس من يصل الأبعدينويشقى به الأقرب الأقرب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»

وقال الحارث بن كلدة:

من الناس من يغشى الأباعد نفعهويشقى به حتّى الممات أقاربه

وقد ذهب البحترى مذهب أبى تمام، فقال:

بل كان أقربهم من سيبه سببامن كان أبعدهم من جذمه رحما
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله أولي يمينا برة قسما»

إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان قد دخل تحت الإساءة.

والجيّد قوله:

ظل فيه البعيد مثل القرىب المجتبى والعدوّ مثل الصديق

وقوله أيضا:

ما إن يزال النّدى يدنى إليه يداممتاحة من بعيد الدّار والرّحم
للشاعر البحتري، من قصيدة «نشدتك الله من برق على إضم»

ومن الخطأ قوله:

ورحب صدر لو انّ الأرض واسعةكوسعه لم يضق عن أهله بلد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا»

وذلك أنّ البلدان التى تضيق بأهلها لم تضق بأهلها لضيق الأرض، ومن اختطّ البلدان لم يختطّها على قدر ضيق الأرض وسعتها؛ وإنما اختطّت على حسب الاتّفاق؛ ولعل المسكون منها لا يكون جزءا من ألف جزء؛ فلأى معنى تصييره ضيق البلدان الضيقة من أجل ضيق الأرض. والصواب أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعها الفلك؛ أو لضاقت عنها السماء؛ أو يقول: لو أن سعة كلّ بلد كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد.

والجيّد فى هذا المعنى قول البحترى:

مفازة صدر لو تطرّق لم يكنليسلكها فردا سليك المقانب
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»

أى لم يكن ليسلكها إلّا بدليل لسعتها؛ على أن قوله «مفازة صدر» استعارة بعيدة.

ومن الخطأ قول أبى تمام:

سأحمد نصرا ما حييت وإنّنىلأعلم أن قد جلّ نصر عن الحمد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأطلال هند ساء ما اعتضت من هند»

وقد رفع الممدوح عن الحمد الذى رضيه الله جل وعزّ لنفسه، وندب عباده لذكره ونسبه إليه، وافتتح به كتابه. وقد قال الأول: الزيادة فى الحدّ نقصان، ولم نعرف أحدا رفع أحدا عن الحمد، ولا من استقلّ الحمد للمدوح.

قال زهير بن أبى سلمى»

متصرّف للحمد معترفللرزء نهّاض إلى الذكر

وقال الأعشى:

ولكن على الحمد إنفاقهوقد يشتريه بأغلى ثمن
للشاعر الأعشى، من قصيدة «لعمرك ما طول هذا الزمن»

وقال الحطيئة:

ومن يعط أثمان المحامد يحمد

وقالت الخنساء:

ترى الحمد يهوى إلى بيتهيرى أفضل المجد أن يحمدا

والجيّد قول البحترى:

لو جلّ خلق قطّ عن أكرومةتنثى جللت عن النّدى والباس
للشاعر البحتري، من قصيدة «نَاهِيكَ مِنْ حُرَقٍ أبِيتُ أُقاسِي»

ومن الخطأ قوله:

ظعنوا فكان بكاى حولا بعدهمثم ارعويت وذاك حكم لبيد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤهابالدّمع أن تزداد طول وقود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»

هذا خلاف ما يعرفه الناس؛ لأنهم قد أجمعوا أنّ البكاء يطفىء الغليل، ويبرد حرارة المحزون، ويزيل شدّة الوجد.

وذكروا أنّ امرأة مات ولدها فأمسكت نفسها عن البكاء صبرا واحتسابا، فخرج الدم من ثدييها؛ وذلك لما ورد عليها من شدّة الحزن مع الامتناع من البكاء.

وقد شهد أبو تمام بصحّة ما ذكرناه، وخالف قوله الأوّل، فقال:

نثرت فريد مدامع لم تنظموالدمع يحمل بعض ثقل المغرم

وقال:

واقع بالحدود والبرد منهواقع بالقلوب والأكباد

وقال امرؤ القيس:

وإنّ شفائى عبرة مهراقةفهل عند رسم دارس من معوّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الأنبارى، قال: حدثنا محمد بن المرزبان، قال حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى قال: حدثنا محمد بن كناسة، قال، قال أبو بكر بن عياش: كنت وأنا شابّ إذا أصابتتى مصيبة لا أبكى فيحترق جوفى، فرأيت أعرابيا بالكناس على ناقة له والناس حوله وهو ينشد:

خليلىّ عوجا من صدور الرّواحلببرقة حزوى فابكيا فى المنازل
لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفى نجىّ البلابل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

فسألت عن الأعرابى؛ فقيل: هو ذو الرمّة؛ فكنت بعد ذلك إذا أصابتنى مصيبة بكيت فاشتفيت. فقلت: قاتل الله الأعرابى ما كان أبصره! وقال الفرزدق:

فقلت لها إنّ البكاء لراحةبه يشتفى من ظنّ أن لا تلاقيا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر أني يوم جو سويقة»

وقد تبعه البحترى على إساءته، فقال:

فعلام فيض مدامع تدق الجوىوعذاب قلب فى الحسان معذّب
للشاعر البحتري، من قصيدة «إما ألم فبعد فرط تجنب»

تدق: من الوديقة، وهى الهاجرة لدنوّ الحرّ فيها. والودق: أصله الدنو؛ يقال: أتان وديق، إذا دنت من الفحل. والودق: القطر؛ لدنوّه من الأرض بعد انحلاله من السحاب.

والخطأ الفاحش له قوله؛ أى أبو تمام:

رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطىمن الأمر ما فيه رضا من له الأمر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تصدت وحبل البين مستحصد شزر»

والمعنى: لست أرضى إذا كان الذى يسخطنى هو الذى يرضاه الله ﷿؛

لأنّ هل تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، كما تقول: هل يمكننى المقام؟ وهل آتى بما تكره؟ معناه لا يمكننى المقام. ومعنى قوله: هل أرضى إذا كان مسخطى؟

أى لا أرضى.

ومن الخطأ قوله:

ويوم كطول الدّهر فى عرض مثلهووجدى من هذا وهذاك أطول

قد استعمل الناس الطول والعرض فيما ليس له، استعمالا مخصوصا، كقول كثير:

أنت ابن فرعى قريش لو تقايسهافى المجد صار إليك العرض والطول

أى صار إليك المجد بتمامه.

وقول كثيّر أيضا:

بطاحىّ له نسب مصفّىوأخلاق لها عرض وطول
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألم تربع فتخبرك الطلول»

فعلى هذا استعمل هذان اللفظان.

وقالوا: هذا الشىء فى طول ذلك وعرضه؛ إذا كان مما يرى طوله وعرضه، ولا يستعمل فيما ليس له طول وعرض على الحقيقة، ولا يجوز مخالفة الاستعمال البتة.

وكان أبو تمام قد استوفى المعنى فى قوله: «كطول الدهر» ولم يكن به حاجة إلى ذكر العرض.

ومن الخطأ قول البحترىّ- ورواه لنا أبو أحمد عن ابن عامر لأبى تمام، والصحيح أنه للبحترى:

بدت صفرة فى لونه إنّ حمدهممن الدرّ ما اصفرّت حواشيه فى العقد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأنفسنا لا بالطوارف والتلد»

وإنما يوصف الدرّ بشدّة البياض، وإذا أريد المبالغة فى وصفه وصف بالنصوع، ومن أعيب عيوبه الصفرة. وقالوا: كوكب درّى، لبياضه؛ وإذا اصفرّ احتيل

فى إزالة صفرته. ليتضوّا. واستعمال الحواشىّ فى الدر أيضا خطأ؛ ولو قال نواحيه، لكان أجود، والحاشية للبرد والثوب، فأما حاشية الدرّ فغير معروف، وفيها:

وجرّت على الأيدى مجسة جسمهكذلك موج البحر ملتهب الوقد

وهذا غلط؛ لأنّ البحر غير ملتهب الموج ولا متقّد الماء، ولو كان متقّدا أو ملتهبا لما أمكن ركوبه؛ وإنما أراد أن يعظّم أمر الممدوح فجاء بما لا يعرف.

وفيها:

ولست ترى شوك القتادة خائفاسموم رياح القادحات من الزّند

وهذا خطأ؛ لأنه شبّه العليل بشوك القتاد على صلابته على شدّة العلّة، وزعم أنّ شوك القتاد لا يخاف النّار التى تقدح بالزّناد. وقد علمنا أنّ النار تفلق الصّخر وتلين الحديد؛ فكيف يسلم منها القتاد؟ وليس لذكر السّموم والرياح أيضا فى هذا البيت فائدة ولا موقع.

ولما مات المتوكل أنشد رجل جماعة:

مات الخليفة أيّها الثّقلان

فقالوا: جيّد؛ نعى الخليفة إلى الجنّ والإنس فى نصف بيت، فقال:

فكأننى أفطرت فى رمضان

فضحكوا منه.

ونورد هاهنا جملة نتمّم بها معانى هذا الباب:

ينبغى أن تعرف أن أجود الوصف ما يستوعب أكثر معانى الموصوف، حتى كأنه يصوّر الموصوف لك فتراه نصب عينك، وذلك مثل قول الشماخ فى نبالة:

خلت غير آثار الأراجيل ترتمىتقعقع فى الآباط منها وفاضها

فهذا البيت يصوّر لك هرولة الرجالة، ووفاضها فى آباطها تتقعقع.

وإفاض جمع وفضة وهى الجعبة. وقول يزيد بن عمرو الطائى:

ألا من رأى قومى كأنّ رجالهمنخيل أتاها عاضد فأمالها

فهذا التشبيه كأنه يصوّر لك القتلى مصروعين.

وقال العتابى فى السحاب:

والغيم كالثوب فى الآفاق منتشرمن فوقه طبق من تحته طبق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
تظنه مصمتا لافتق فيه فإنسالت عزاليه قلت الثوب منفتق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
إن معمع الرّعد فيه قلت منخرقأو لألأ البرق فيه قلت محترق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وينبغى أن يكون التشبيب دالّا على شدة الصبابة، وإفراط الوجد، والتهالك فى الصبوة، ويكون بريّا من دلائل الخشونة والجلادة، وأمارات الإباء والعزّة. ومن أمثلة ذلك قول أبى الشيص:

وقف الهوى بى حيث أنت فليس لىمتأخّر عنه ولا متقدّم
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أجد الملامة فى هواك لذيذةحبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»
أشبهت أعدائى فصرت أحبّهمإذ كان حظّى منك حظّى منهم
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «وقف الهوى لي حيث أنت فليس لي»
وأهنتنى فأهنت نفسى صاغراما من يهون عليك ممّن أكرم
للشاعر ابن الصباغ الجذامي، اقرأ القصيدة

فهذا غاية التهالك فى الحب، ونهاية الطاعة للمحبوب.

ويستجاد التشبيب أيضا إذا تضمّن ذكر التشوق والتذكّر لمعاهد الأحبة، بهبوب الرياح، ولمع البروق، وما يجرى مجراهما من ذكر الدّيار والآثار.

فمن أجود ما قيل فى الديار قول الأزدى:

فلم تدع الأرياح والقطر والبلىمن الدار إلّا ما يشفّ ويشغف

وفى ذكر البروق قول الأول:

سرى البرق من نحو الحجاز فشاقنىوكلّ حجازىّ له البرق شائق
بدا مثل نبض العرق والبعد دونهوأكناف لبنى دوننا والأسالق
نهارى بأشراف التّلاع موكّلوليلى إذا ما جنّنى اللّيل آرق
فواكبدى ممّا ألاقى من الهوىإذا حنّ إلف أو تألّق بارق

وكذا ينبغى أن يكون التشبيب دالّا على الحنين، والتحسّر، وشدة الأسف؛ كقوله:

وليست عشيّات الحمى برواجعإليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى»
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنىعلى كبدى من خشية أن تصدّعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

وقال ابن مطير:

وكنت أذود العين أن ترد البكافقد وردت ما كنت عنه أذودها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
خليلىّ ما فى العيش عيب لو أنّناوجدنا لأيّام الحمى من يعيدها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

فهذا يدلّ على تحسّر شديد، وحنين مفرط.

وقول الآخر:

وددت بأبرق العيشوم أنّىومن أهوى جميعا فى رداء
أباشره وقد نديت عليهوألصق صحّة منه بدائى

فحنّ إليه حنين السقيم إلى الشفاء.

ومن الشعر الدالّ على شدّة الحسرة والشوق قول الآخر:

يقر بعينى أن أرى رملة الغضاإذا ما بدت يوما لعينى قلالها
ولست وإن أحببت من يسكن الغضابأوّل راج حاجة لا ينالها

وينبغى أن يظهر الناسب الرغبة فى الحبّ، وألّا يظهر التبرّم به، كأبى صخر حين يقول:

فياحبّها زدنى جوى كلّ ليلةويا سلوة الأيّام موعدك الحشر

وقول الآخر:

تشكّى المحبّون الصّبابة ليتنىتحمّلت ما يلقون من بينهم وحدى
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تشكى المحبون الصبابة ليتني»
فكانت لنفسى لذة الحبّ كلّهاولم يلقها قبلى محبّ ولا بعدى
للشاعر ابن قمٍ الزبيدي اليمني، من قصيدة «تشكي المحبون الصبابة ليتني»

وينبغى أن يكون فى النسيب دليل التدلّه والتحيّر، كقول الحكم الحضرى:

تساهم ثوباها ففى الدرع رأدةوفى المرط لفّاوان ردفهما عبل
فو الله ما أدرى أزيدت ملاحةوحسنا على النسوان أم ليس لى عقل

وقيل لبعضهم: ما بلغ من حبّك لفلانة؟ فقال: إنى أرى الشمس على حيطانها أحسن منها على حيطان جيرانها.

ولما كانت أغراض الشعراء كثيرة، ومعانيهم متشعّبة جمّة، لا يبلغها الإحصاء كان من الوجه أن نذكر ما هو أكثر استعمالا، وأطول مدارسة له، وهو المدح، والهجاء، والوصف، والنسيب، والمراثى، والفخر؛ وقد ذكرت قبل هذا المديح والهجاء وما ينبغى استعماله فيهما؛ ثم ذكرت الآن الوصف والنسيب، وتركت المراثى والفخر؛ لأنهما داخلان فى المديح. وذلك أنّ الفخر هو مدحك نفسك بالطّهارة، والعفاف، والحلم، والعلم، والحسب، وما يجرى مجرى ذلك.

والمرثية مديح الميّت، والفرق بينهما وبين المديح أن تقول: كان كذا وكذا، وتقول فى المديح: هو كذا وأنت كذا. فينبغى أن تتوخّى فى المرثية ما تتوخّى فى المديح، إلا أنك إذا أردت أن تذكر الميت بالجود والشجاعة تقول: مات الجود، وهلكت الشّجاعة؛ ولا تقول: كان فلانا جوادا وشجاعا؛ فإنّ ذلك بارد غير مستحسن، وما كان الميت يكدّه فى حياته فينبغى ألّا يذكر أنه يبكى عليه مثل

الخيل والإبل وما يجرى مجراهما، وإنما يذكر اغتباطهم بموته. وقد أحسنت الخنساء حيث تقول:

فقد فقدتك طلقة واستراحتفليت الخيل فارسها يراها

بل يوصف بالبكاء عليه من كان يحسن فى حياته إليه كما قال الغنوىّ:

ليبكك شيخ لم يجد من يعينهوطاوى الحشا نائى المزار غريب

فهذه جملة إذا تدبّرها صانع الكلام استغنى بها عن غيرها، وبالله التوفيق.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثّانى فى تمييز الكلام جيده من رديه ونادره من بارده والكلام فى المعانى (فصلان)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.