من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الاستطراد
وهذا المذهب الذى سلكه أحمد ضرب من البديع يسمّى الاستطراد، وذلك أن الفارس يظهر أنه يستطرد لشىء ويبطن غيره، فيكرّ عليه، وكذلك هذا
الشاعر يظهر أنه يذهب لمعنى فيعن له آخر فيأتى به، كأنه على غير قصد، وعليه بناه، وإليه كان معزاه، وقد أكثر المحدثون منه فأحسنوا فى ذلك.
قال الأصمعى: كنت عند الرشيد فدخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلى فقال: أنشدنى من شعرك، فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها: اقصرىفليس إلى ما تأمرين سبيل
أرى الناس خلّان الجواد، ولا أرىبخيلا له فى العالمين خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمتهإذا نال شيئا أن يكون منيل
فعالى فعال المكثرين تجمّلاومالى كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنىورأى أمير المؤمنين جميل
فقال الرشيد: يا فضل؛ أعطه عشرين ألف درهم. ثم قال: لله أبيات تأتينا بها يا إسحاق ما أتقن أصولها، وأبين فصولها. وأقل فضولها! فقال: والله يا أمير المؤمنين؛ لا قبلت منها درهما واحدا. قال: ولم؟ قال: لأن كلامك، والله، خير من شعرى. فقال: يا فضل؛ ادفع إليه أربعين ألفا. قال الأصمى: فعلمت أنه أصيد لدراهم الملوك منى.
ومن ذلك قول أبى تمام يصف فرسا:
وسابح هطل التّعداء هتّانعلى الجراء أمين عير خوّان
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمهفخلّ عينيك فى ريّان ظمآن
فلو تراه مشيحا والحصى زيمبين السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت- إن لم تثبّت- أنّ حافرهمن صخر تدمر أو من وجه عثمان
وقد احتذى البحترى هذا الحذو فى حمدويه الأحول، وكان حمدويه هذا عدوا للممدوح، فقال:
وأغرّ فى الزمن البهيم محجّلقد رحت منه على أغرّ محجّل
كالهيكل المبنىّ إلّا أنهفى الحسن جاء كصورة فى هيكل
ملك العيون؛ فإن بدا أعطينهنظر المحبّ إلى الحبيب المقبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردتهيوما خلائق حمدويه الأحول
وفى قصيدته هذه يحكى أن البحترى قال له أصحابه: إنك ستعاب بهذا البيت؛ لأنك سرقته من أبى تمام، قال: أعاب من أخذى من أبى تمام؟! والله ما قلت شعرا قط إلا بعد أن أحضرت شعره فى فكرى، قال: وأسقط البيت بعد، فلا يوجد فى أكثر النسخ.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع