من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
سبق المتقدمين إلى الاستطراد
وهذا معنى قد أعجب المحدثين، وتخيّلوا أنهم لم يسبقوا إليه، وقد تقدّم لمن قبلهم، قال الفرزدق:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمعإذا جلسوا أفواه بكر بن وائل
قال الحاتمى: وأنى جرير بهذا النوع فحثا فى وجه السابق إلى هذا المعنى فضلا عمن تلاه؛ فإنه استطرد فى بيت واحد، فهجا فيه ثلاثة، فقال:
لما وضعت على الفرزدق ميسمىوعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
وقيل هذا البيت مما يرد على الحاتمى، وهو قوله:
أعددت للشعراء كأسا مرّةفسقيت آخرهم بكأس الأول
قال أبو إسحاق: وأوّل من ابتكره السموءل بن عادياء اليهودى، وكل أحد تابع له فقال:
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّةإذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
وقد قال طرفة فى هذا المعنى:
فلو شاء ربى كنت قيس بن خالدولو شاء ربى كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثير، وعادنىبنون كرام سادة لمسوّد
قيس بن خالد: ذو الجدّين الشيبانى. وعمرو بن مرثد: سيد بنى قيس بن ثعلبة، فدعا [عمرو] طرفة لما بلغه ذلك، فقال: أما البنون فإن الله يعطيك، ولكن لا تريم حتى تكون من أوسطنا حالا؛ وأمر بنيه وكانوا عشرة، فدفع إليه كلّ واحد منهم عشرا من الإبل؛ فانصرف بمائة ناقة.
وكان ابن عبدل منقطعا إلى عبد الله بن بشر بن مروان، فتأخر عنه برّه، وغاب أياما، ثم أتاه فسأله عن غيبته، فقال: خطبت ابنة عم لى بالسواد، فزعمت أنّ لها ديونا وأسلافا هناك، وأنى إذا جمعتها لها صارت إلى محبتى، ففعلت ذلك، فلما استنجزتها كتبت إلىّ:
سيخطئك الذى أمّلت منّىإذا انتقضت عليك قوى حبالى
كما أخطاك معروف ابن بشروكنت تعدّ ذلك رأس مال
فقال: ما أحسن ما ألطفت بالسؤال! وأجزل صلته.
ومن بديع هذا الباب قول بشار بن برد:
خليلىّ من كعب أعينا أخاكماعلى دهره؛ إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة؛ إنهمخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته فى حاجة سدّ بابهفلم تلقه إلّا وأنت كمين
فقل لأبى يحيى متى تبلغ العلاوفى كل معروف عليك يمين
وقال بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق:
عرضت عليها ما أرادت من المنىلترضى فقالت: قم فجئنى بكوكب
فقلت لها: هذا التعنّت كلهكمن يشتهى لحم عنقاء مغرب
سلى كلّ أمر يستقيم طلابهولا تذهبى يا درّ فى كلّ مذهب
فأقسم لو أصبحت فى عزّ مالكوقدرته ما رام ذلك مطلبى
فتى شقيت أمواله بسماحهكما شقيت قيس بأرماح ثعلب
واعتذر رجل إلى رجل بحضرة عبد الأعلى بن عبد الله فلم يقبل عذره، فقال عبد الأعلى: أما والله لئن كان احتمل إثم الكذب ودنامته، وخضوع الاعتذار وذلّته، فعاقبته على الذّنب الذاهب، ولم تشكر له إنابة التائب، إنك لمن يسىء ولا يحسن.
وقال الحطيئة:
يسوسون أحلاما بعيدا أناتهاوإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكممن اللوم أو سدّوا المكان الذى سدّوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البناوإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
وإن قال مولاهم على جلّ حادثمن الدهر ردوا فضل أحلامكم ردّوا
ويعذلنى أبناء سعد عليهموما قلت إلا بالذى علمت سعد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع