من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن الحلاوي الشاعر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أحمد بن محمد بن أبي الوفا بن الخطاب بن الهزبر، الأديب الكبير شرف الدين أبو الطيب بن الحلاوي الربعي، الشاعر الموصلي؛ ولد سنة ثلاث وستمائة، وقال الشعر الجيد الفائق ومدح الخلفاء والملوك، وكان في خدمة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان من ملاح الموصل، وفيه لطف وظرف وحسن عشرة وخفة روح، وله القصائد الطنانة التي رواها الدمياطي عنه في معجمه؛ توفي سنة ست وخمسين وستمائة؛ فمما رواه الشيخ شرف الدمياطي له رحمه الله تعالى:
حكاه من الغصن الرطيب وريقهوما الخمر إلاّ وجنتاه وريقه
هلالٌ ولكن أفق قلبي محلّهغزالٌ ولكن سفح عيني عقيقه
وأسمر يحكي الأسمر اللّدن قدّهغدا راشقاً قلب المحب رشيقه
على خدّه جمر من الحسن مضرمٌيشبّ ولكن في فؤادي حريقه
أقرّ له من كلّ حسنٍ جليلهووافقه من كلّ معنىً دقيقه
بديع التثنّي راح قلبي أسيرهعلى أنّ دمعي في الغرام طليقه
على سالفيه للعذار جديدهوفي شفتيه للسّلاف عتيقه
يهدد منه الطرف من ليس خصمهويسكر منه الريق من لا يذيقه
على مثله يستحسن الصبّ هتكهوفي حبه يجفو الصديق صديقه
من الترك لا يصبيه وجدٌ إلى الحمىولا ذكر بانات الغوير تشوقه
ولا حلّ في حيّ تلوح قبابهولا سار في ركب يساق وسوقه
ولا بات صبّاً بالفريق وأهلهولكن إلى خاقان يعزى فريقه
له مبسمٌ ينسي المدام بريقهويخجل نوار الأقاحي بريقه
تداويت من حرّ الغرام ببردهفأضرم من حرّ الحريق رحيقه
إذا خفق البرق اليمانيّ موهناًتذكره قلبي فزاد خفوقه
حكى وجهه بدر السّماء فلو بدامع البدر قال الناس: هذا شقيقه
رآني خيالاً حين وافى خيالهفأطرق من فرط الحياء طروقه
وأشبهت منه الخصر سقماً فقد غدايحمّلني كالخصر ما لا أطيقه
فما بال قلبي كلّ حب يهيجهوحتّام طرفي كلّ حسن يشوقه
فهذا ليوم البين لم تطف نارهوهذا فبعد البعد ما جفّ موقه
ولله قلبي ما أشدّ عفافهوإن كان طرفي مستمراً فسوقه
أرى الناس أضحوا جاهلية حبّهفما باله عن كلّ صبّ يعوقه
فما فاز إلاّ من يبيت صبوحهمدام ثناياه ومنها غبوقه وقال أيضاً:
أأُلقى من صدودك في جحيموثغرك كالصّراط المستقيم
وأسهرني لديك رقيم خدّفواعجبا أأسهر بالرقيم منها:
وحتّام البكاء بكلّ رسم... كأنّ عليّ رسماً للرسوم واجتمعوا في بعض الأيام عند شخص يلقب بالشمس، فقالوا له: أطعمنا شي فامتنع، فقال بعضهم:
الطامع في منال قرص الشمس
فقال ابن الحلاوي:
كالطامع في منال قرص الشمسوأنشده بعض الأفاضل لغزاً في شبابة:
وناطقة خرساء بادٍ شحوبهاتكنفها عشرٌ وعنهنّ تخبر
يلذّ إلى الأسماع رجع حديثها" إذا سدّ منها منخرٌ جاش منخر "
فأجابه في الوقت:
نهاني والنهى والشيب عن وصل مثلها" وكم مثلها فارقتها
وهي تصفر " وسئل أن ينظم أبياتاً تكتب على مشط للملك العزيز محمد صاحب حلب، فقال:
حللت من الملك العزيز براحةٍغدا لثمها عندي أجلّ الفرائض
وأصبحت مفترّ الثنايا لأنّنيحللت بكفّ بحرها غير غائض
وقبلت سامي كفه بعد خدهفلم أخل في الحالين من لثم عارض
وقال، وهو مشهور عنه:
جاء غلامي وشكاأمر كميتي وبكى
وقال لي لا ش؟ك برذونك قد تشبكا
قد سقته اليوم فمامشى ولا تحركا
فقلت من غيظي لهمجاوباً لما حكى
تريد أن تخدعنيوأنت أصل المشتكى
ابن الحلاويّ أناخلّ الرياء والبكا
ولا تخادعني ودعحديثك المعلّكا
لو أنّه مسيّرٌلما غدا مشبكا
فمذ رأى حلاوة ال؟ألفاظ منّي ضحكا
وكتب إلى القاضي محيي الدين ابن الزكي يصف خطه:
كتبت فلولا أنّ هذا محلّلٌوذاك حرامٌ قست خطك بالسّحر
فوالله ما أدري أزهر خميلةٍبطرسك أم درٌّ يلوح على نحر
فإن كان زهراً فهو صنع سحابةٍوإن كان درّاً فهو من لجّة البحر
وقال يمدح الملك الناصر داود صاحب الكرك:
أحيا بموعده قتيل وعيدهرشأ يشوب وصاله بصدوده
قمرٌ يفوق على الغزالة وجههوعلى الغزال بمقلتيه وجيده
يا ليته يعد الصدود فإنّهما زال ذا لهج بخلف وعوده
يفترّ عن عذب الرضاب، حياتنافي ورده والموت دون وروده
بردٌ يذيب ولا يذوب وإنّماأدنى زفير الوجد عذب بروده
لم أنسه إذ جاء يسحب بردهوالليل يخطر في فضول بروده
والصبح مأسورٌ أجدّ لأسرهجنح الظلام تأسفاً لفقيده
واللّيل يرفل في ثياب حدادهوالصبح يرسف في فضول حديده
ولذاك لم تنم الجفون مخافةًمن أن يعاني الصبح فكّ قيوده
بمدامة صفراء يحمل شمسهابدر يغير البدر عند سعوده
كأسٌ كأن مدامها من ريقهوحبابها من ثغره وعقوده
ما زال يرشفنا شقيقة ريقهطيباً ويلثمنا شقيق خدوده
حتى تحكم في النجوم نعاسهاوالتذّ كلّ مسهدٍ بهجوده
ورأى الصباح تخلصاً من أسرهفأتى يكرّ على الدجى بعموده
قمرٌ أطاع الحسن سنّة وجههحتى كأن الحسن بعض عبيده
أنا في الغرام شهيده ما ضرّهلو أنّ جنّة وصله لشهيده وقال أيضاً:
تبدى له في الخد من تبّتٍ خطّوأخجل منه القدّ ما ينبت الخط
ولم ندر لما هزّ عامل قدهوصارم جفنيه بأيهما يسطو
رحيقيّ ثغر بابليّ لواحظٍله سالف كالورد بالمسك مختط
من الترك لا وادي الأراك محلّهولا داره رمل المصلّى ولا السقط
كليث الشّرى في الحرب بأساً وسطوةًوفي السّلم كالظبي الغرير إذا يعطو
يخفّ به لين المعاطف مائساًفيمنعه ثقل الروادف أن يخطو
حمى ثغره من مشرف القد عاملٌله ناظرٌ ما العدل في شرعه شرط
له حاجبٌ كالنون خطّ ابن مقلةٍيزيّنها للخال في خده نقط
فللبدر ما يثني عليه لثامهوللغصن منه ما حرى ذلك المرط
يقولون يحكي البدر في الحسن وجههوبدر الدجى عن ذلك الحسن منحط
كما شبّهوا غصن النقا بقوامهلقد بالغوا بالمدح للغصن واشتطوا
ولما توجه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إلى العجم للاجتماع بهولاكو كان ابن الحلاوي معه، فمرض بتبريز، وتوفي بها، وقيل بسلماس، وهو في حدود الستين من عمره.
ومن شعره أيضاً:
لحاظ عينيك فاتناتجفونها الوطف فاترات
فرّق بيني وبين صبريمنك ثنايا مفرقات
يا حسناً صدّه قبيحفجمع شملي به شتات
قد كنت لي واحداً ولكنعداك عن وصلي العداة
إن لم يكن منك لي وفاءٌدنت بهجرانك الوفاة
حيّات صدغيك قاتلاتٌفما لملسوعها حياة
والثغر كالثغر في امتناعٍتحميه من لحظك الرماة
يا بدر تمٍّ له عذارٌبحسنه تمّت الصفات
منمنم الوشي في هواهيا طالما نمت الوشاة
نبات صدغ حلاّك حسناًوالحلو في السكر النّبات
وكان السلطان بدر الدين لؤلؤ لا ينادمه ولا يحضره مجلسه، وإنما كان ينشده أيام المواسم والأعياد المدائح التي يعملها فيه، فلما كان في بعض الأيام رآه في الصحراء في روضة معشبة وبين يديه برذون له مريض يرعى، فجاء إليه ووقف عنده وقال: ما لي أرى هذا البرذون ضعيفاً؟ فقام وقبل الأرض وقال: يا مولانا السلطان، حاله مثل حالي، وما تخلفت عنه في شيء، يدي بيده في كل رزق رزقنا الله تعالى، هل عملت في برذونك هذا شيئاً؟ قال: نعم، وأنشده بديهاً:
أصبح برذوني المرقّع بالل؟زقات في حسرةٍ يكابدها
رأى حمير الشعير عابرةعليه يوماً فظل ينشدها
" قفا قليلاً بها عليّ فلاأقلّ من نظرةٍ أُزوّدها " فأعجبت السلطان بديهته. وأمر له بخمسين ديناراً وخمسين مكوكاً من الشعير
وقال له: هذه الدنانير لك، وهذا الشعير لبرذونك، ثم أمره بملازمة مجلسه كسائر الندماء، وأقطعه إقطاعاً، ولم يزل يترقى عنده إلى أن صار لا يصبر عنه، رحمهما الله تعالى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع