من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
راجح الحلي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
راجح بن إسماعيل بن أبي القاسم الحلي الأسدي؛ دخل الشام وجال في بلادها ومدح ملوكها ونادمهم، وكان فاضلاً جيد النظم عذب الألفاظ حسن المعاني، وتوفي بدمشق سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ومولده سنة تسعين وخمسمائة؛ ومن شعره:
ألا هبوا فقد أرج الخزامىوغنى الطير وانتشت النعامى
أتتنا من جبال الثلج سكرىتنفض عن معاطفها الغماما
كأن مطارح الحانات باتتتثج على معاطفها المداما
ورب معقرب الأصداغ ألمىسقيم الجسم ألبسني السقاما
تفرد بالملاحة فاستمدتسوالف خده ألفاً ولاما
وخط البدر هالته عليهفأطلعه بها بدراً تماما
يفتت قلب عاشقه إذا مازوى جفنيه أو هز القواما
بروحي من تملكني هواهوأسهرني على ولهي وناما
فيا لله ليلتنا بسلعٍوقد أرقت بالنوح الحماما
تجلى بالخيام الزرق وهناًفبت لأجله أرعى الخياما
سقاني الراح من يده وفيهفما برد الغليل ولا الأواما
عقدت على ذوائبه يمينيوملت إليه ضماً والتزاما
ومن شعره يمدح الملك الناصر داود ﵀:
أمنكم خطرت مسكية النفسصباً تلقيت منها برء منتكس
نمت بما استودعت والفجر جمرتهما دب إيقادها في فحمة الغلس
ردت على مقلتي طيب الرقاد فهاإنسانها بلذيذ النوم في أنس
فيا لها نفحةً خالست نسمتهالما تيقنت أن العيش في الخلس
وللنسيم إشارات إذا التبستفسرها عند مثلي غير ملتبس
فما قعودك بي عن بنت دسكرةيغنيك لألاؤها في الليل عن قبس
يديرها ثمل الأعطاف قامتهلو مثلت لغصون البان لم تمس
سعى بها والدجى من حلي أنجمهعارٍ ولكن بأنوار الكؤوس كُسي
والسحب تضحك ثغر النور أدمعهاوالجو في مأتم والأرض في عرس
ظبي وقائع طرفي في محبتهبين اللمى وفتور الجفن واللعس
نبهته ونجوم الليل تسبح فيبحر الظلام فمن طافٍ ومنغمس
فقام يمسح مافي الجفن من سنةٍوقد تمشى الكرى في الأعين النعس
فسكنت سورة الصهباء شرتهواستودعت بعض مافي الخلق من شرس
فما ضممت الذي في العطف من هيفٍحتى استكن الذي في الوطف من شوس
فلا عدمت طلا صادته كأس طلىفما ثنى عطفه عن نيل ملتمس
هذا وركب عفاة قد عدلت بهمإلى مغاني الغنى عن أربع درس
عافوا ورود وعود الباخلين فماأجروا مطالبهم منها على يبس
فقلت نصوا ركاب الحمد واخدةًإلى مقر العلى في أرض نابلس
إلى مقرٍ تناجيني جلالتهكأنني واقف في حضرة القدس
وقال أيضاً:
صاح قد أسفر الصباح المنيروتغنت على الغصون الطيور
وأعاد النسيم أنفاس روضٍكسد المسك عنده والعبير
وبرود الربيع تضفو فتصفوغدر في خلالها ونهور
وعلى الأرض للرياض سماءمثل زهر النجوم فيها الزهور
وكأن الغمام والبرق نقعشهرت فيه مرهفات ذكور
أو ستور ترخى على الأرض دكنكتبت بالنضار فيها سطور
زمن صح للنديم سرورفيه واعتل للنسيم مرور
فأجب داعي الصبوح فديك ال؟صبح يدعو إليه والصع
وشموس المدام في شهب الكاسات يسعى بها علينا بدور
كل بدرٍ سماؤه من قباءوعليه من فرعه ديجور
رشأ للعيون منه نعيمحين يبدو وللقلوب سعير
حاكم جائر الكؤوس عسوفمستطيل على الندامى أمير
جاءنا بالكبار منها ونادىإنما يشرب الصغار الصغير
فتناولت من يده عقاراًتترك الهم وهو منها عقير
بنت دن شمطاء من عهد عيسىأودعتها كنائس وديور
أكل الدهر ما تكاثف منهافهي في لطفها تكاد تطير
قد خلعت العذار فيها وإنيفي هواها بخلعه لجدير
وأزلت الوقار والنسك حتىلا أبالي بما إليه أصير
ودعاني داعي التصابي فلبي؟ت ونادى فلم اجبه النذير
وحداني على الخلاعة علميأن ربي لكل ذنب غفور
فلذا كل حانةٍ أنا ثاوٍيزدهيني بم هناك وزير
راكعاً ساجداً إلى بيت حانٍلا صلاة فيه ولا تكبير
هاتفاً في الصباح حي على الراح وقد قام للفلاح بشير
قهوة كالحياة في كل يومٍلي موت بكاسها ونشور
كم نعتني القيان بين رياضٍأنا فيهن ملحد مقبور
أنستني الولدان فيها إذا ماأوحش الميت منكر ونكير
وإذا أرهق الزمان بنيهوغدا الخطب وهو صعب عسير
فيغازي ابن يوسف الملك الظاهر من جور صرفه أستجير وقال أيضاً:
ماء الجمال بوجهه مذ أشرقاكم ناظرٍ بدموعه قد أشرقا
رشأ يفوق عن قسي حواجبنبلاً بغير مقاتلي لا يتقى
ثمل المعاطف لم يزر قباؤهإلا على مثل القضيب وأرشقا
أنا من تمادى هجره في مأتمٍفاعجب لخدي بالدموع تخلقا
كالبدر يسري في نجوم قلائدمتبلجاً من فوق غصنٍ في نقا
لم يكف ضعف الخصر عن أردافهحتى اغتدى بعيوننا متمنطقا
أجرى على عاداته دمعي ولوكشف الظلامة رد ذاك المطلقا
ورأى دليل جنون قلبي إنهبسلاسل الأصداغ أضحى موثقا
جعل الغرام قرى ملاحته فكمثارٍ أثار وكم دمٍ قد أهرقا
عبثت ثناياه بخمر رضابهحتى صفا في كأس فيه مروقا
وبدت لنا آيات حسن لم يقمبرهانها إلا وكنت مصدقا
فبلحظه وبوجنتيه وثغرهراح سكرت بنشرها مستنشقا
كتب العذار على صحيفة خدهبالمسك في الكافور سطراً ملحقا
أمعنف العشاق وهو من الهوىخالي الحشا لا مت حتى تعشقا
فزها بنفسجه الجني وقد غدابالورد في روض الملاحة محدقا
إني لأظمأ ما أكون إذا جرىماء الحياة بوجهه وترقرقا
قمر سقيم الطرف عقرب صدغهيثني عزائمنا ويهزأ بالرقى
يا مثرياً من حسنه عطفاً علىقلبٍ يبيت من التصبر مملقا
ها قد رأيت خضوع سائل أدمعيأفكان عاراً أن ترى متصدقا
سل عن سوى جلدي فإني لم أدعتعليله حتى قضى، فلك البقا
ما بات قلبي للصبابة ممسكاًحتى غدا جفني لدمعي منفقا
سكن الضنى جسمي سكون مقيدٍومشى الغرام إلى فؤادي مطلقا
ففداك قلب قد ملكت قيادهلم يرج من رق الصبابة معتقا
لو كان قلبك مثل عطفك لينالرثى ورق لفيض دمعٍ ما رقا
ماذا تعد لمن تعاديه إذاما طرفك اغتال المحب المشفقا وقال أيضاً:
لمن رسوم ما كدت أعرفهاأوحش محتلها ومألفها
قضت علينا آثار ساكنهاأن المطايا يطول موقفها
أنفقت فيها الدموع عن ثقةٍأن دواعي الحنين تخلفها
أعباء شوقٍ أعبا تحملهافابتدرت أدمعي تخففها
سقياً لها والظباء سانحةبجوها والرماح تكنفها
حيث القدود الرشاق أقتلهالأنفس العاشقين أهيفها
منعمات الأعطاف ميدهامختصرات الخصور نحفها
تلك خصور ما زال مختطفاًلب فؤاد الحليم مخطفها
فمن معيني على غريم هوىيلوي ديوني ولا يسوفها
نهيت قلبي عن حبه فأبتأن ترعوي صبوة أعنفها
يظما إلى خمر عذب ريقتهفمي وعود الأراك يرشفها
فآه من زفرةٍ أرددهافيه ومن عبرةٍ أكفكفها
مرهف قضب العيون أكحلهامضعف نبل الجفون أوطفها
يا مشرقي بالدموع بل صدىحشاشة لا يبل مدنفها
دمي على وجنتيك تثبتهشهود دمعٍ ما زلت أقذفها
فكيف ترجى النجاة من مقلٍأفتكها بالقلوب أضعفها
والنفس مذ كابدت هواك أبتعنه انحرافاً فكبف أصرفها
فهات قل لي يا من لواحظهتشقي قلوباً منا وتشغفها
أهذه قامة يرنحهاتيهك أم صعدة يثقفها
وأعين أم قواضب الملك الظ؟اهر يوم الهياج يرهفها وقال من أبيات:
لي الله قلباً لا تزال تشوقهطلائع أحلامٍ تغر وتخدع
إذا صبوة عنها أمالته سلوةتعرض زور من خيالٍ فترجع
خليلي هبا فانظرا لي جذوةًسما نحوها طرفي أم البرق يلمع
فإن كان برقاً فاستميحاه وقفةًلعل شآبيب الحيا منه تهمع
فإن جاد قبل الدمع مدرجة اللوىفتلك لعمري منة لا تضيع
ولا تبخلا أن تتبعا الظعن نظرةًفلي خلف تلك العيس قلب مروع
وما أخذوه عنوةً غير أنهتأخر عني حين راح يودع
وأرقني بالأبرق الفرد بارقوورق غدت في مورق البان تسجع
ترخم صوتاً أعجمياً ومقلتيتترجم عنها حين تدمي وتدمع
وعن أيمن السعدي يا سعد أربعلقلبي إليها لفتة وتطلع
يرنحني تذكرها فكأنمايدار علي البابلي المشعشع
فيا حبذا ظل النخيل وجرعةتبل غليلي لا كثيب وأجرع
ليالي أغصان المعاطف تنثنيعلي ومن لعس المراشف أكرع
وقال من قصيدة:
ولرب ليلة موعدٍ كصدودهلا تهتدي فيها النجوم لمطلع
نازلتها بالأبلجين: جبينهوسلاف كاس يمينه المتشعشع
ودعوت حي على الشمول فلم يكنمتأبياً عن شربه لما دعي
فسقيته كاساً توهم أنهامعصورة من خده أو أدمعي
وأخذت في شكوى الغرام مردداًحرقي فرق لأنتي وتوجعي
واستنزعت منه الكؤوس نزاقةما كان لولا نزعها بالطيع
لو كنت شاهد ما نبث من الجوىلعجبت من مرأىً هناك ومسمع
راضت شمائله الشمول وطالماقد بت ألقى عزه بتخضعي
فسخا بقبلته وجاد بجيدهلما انتشى وأباح كل ممنع
وقال يعارض قصيدة ابن زريق:
أخفى الغرام فأبداه توجعهوترجمت عن مصون الحب أدمعه
صب بعيد مرامي الصبر ما برحتتحنى على برحاء الشوق أضلعه
به لواعج شوق لو تحملهارضوى لهدته أو كادت تضعضعه
ما بات أخيب خلق الله منه سوىمفندٍ ظن أن العذل يخدعه
يا عذب الله قلبي كم يجن هوىًبجني عليه ويرعى من يروعه
وشى عليه بما أخفاه من شجنٍفرط الحنين الذي أمسى يرجعه
وما أعاد الهوى إلا ليخجلهلما توهم أن الصبر ينفعه
واهاً لغرٍ خلا مما يكابدهمسهد الطرف صب القلب موجعه
ظبي توهم نومي حيلةً نصبتلصيده فهو بالهجران يقطعه
أجرى دماً دمع عيني وهو موردهوأسكن النار قلبي وهو مرتعه
ويلاه من شرس الأخلاق يعذب ليفيه العذاب ويحلو لي تمنعه
وليلةٍ بت أسقى من مراشفهسلاف خمرٍ ثناياه تشعشعه
يرنو ويعلم أن الطرف يصرعنيوقد تيقنت أن السكر يصرعه
حتى إذا أخذت الكؤوس منه ثنىإلي جيداً يغير الظبي أتلعه
وبات قلبي الذي ما زال يؤيسهيسمو إلى غاية الآمال مطمعه
ولان بعد شماسٍ كنت أعهدهمنه وأصغى إلى شكواي مسمعه
ولا تسل كيف بت الليل من سهريلما اطمأن بعيد النوم مضجعه
ولما تسلم الكامل دمياط وجاءوا الملوك إلى خدمته وهو بالمنصورة، فجلس مجلساً عظيماً، ومد سماطاً عظيماً، وأحضر ملوك الفرنج، ووقف المعظم عيسى والأشرف موسى والملوك في خدمته، فقام راجح الحلي بين السماطين وأنشد:
هنيئاً فإن السعد راح مخلداًوقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا
حبانا إله العرش فتحاً بدا لنامبيناً وإنعاماً وعزاً مؤيدا
تهلل وجه الدهر بعد قطوبهوأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا
ولما طغى البحر الخضم بأهله الطغاة وأضحى بالمراكب مزبدا
أقام لهذا الدين من سل سيفهصقيلاً كما سل الحسام مجردا
فلم ينج إلا كل شلوٍ مجدلثوى منهم أو من تراه مقيدا
ونادى لسان الكون في الأرض رافعاًعقيرته في الخافقين ومنشدا
أعباد عيسى إن عيسى وحزبهوموسى جميعاً يخدمون محمدا
وله غير ذلك، وشعره كله جيد، وكانت وفاته بدمشق في شهور سنة سبع وعشرين وستمائة - كما ذكرنا ودفن خارج باب الصغير جوار قبة القلندرية، رحمه الله تعالى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع