من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن المعتز
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الله بن جعفر بن محمد بن هارون بن العباس، ابن المعتز بن المتوكل ابن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، الأديب صاحب الشعر البديع والنثر الفائق؛ أخذ الأدب والعربية عن المبرد وثعلب وعن مؤدبه أحمد بن سعيد الدمشقي، مولده في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين، وتوفي في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين: قامت الدولة، ووثبوا على المقتدر وأقاموا ابن المعتز، فقال: بشرط لا يقتل بسببي مسلم، ولقبوه بالمرتضي بالله، وقيل المنصف بالله، وقيا الغالب بالله، وأقام يوماً وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تخربوا واجتمعوا وتحاربوا هم وأعوان ابن المعتز وشتتوهم وأعادوا المقتدر إلى دسته، واختفى ابن المعتز في دار ابن الجصاص الجوهري، فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم، فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساءٍ، وقيل إنه مات حتف أنفه، وليس بصحيح، بل خنقه مؤنس، ودفن في خرابة إزاء داره، وقصته مشهورة فيها طول، وهذا خلاصتها.
وكان شديد السمرة، مسنون الوجه، يخضب بالسواد، وله من التصانيف كتاب الزهر والرياض. كتاب البديع. كتاب مكاتبات الاخوان بالشعر كتاب الجوارح والصيد. كتاب أشعار الملوك. كتاب السرقات. كتاب الآداب. كتاب حلي الأخيار. كتاب طبقات الشعراء. كتاب الجامع في الغناء. كتاب أرجوزة في ذم الصبوح، قال فيه ابن بسام يرثيه:
لله درك من ميتٍ بمضيعةٍناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لو ولا ليت فتنقصهوإنما أدركته حرفة الأدب وقال فيه بعض الأدباء:
لا يبعد الله عبد الله من ملكٍسامٍ إلى المجد والعلياء مذ خلقا
قد كان زين بني العباس كلهمبل كان زين بني الدنيا حجىً وتقى
أشعاره زيفت بالشعر أجمعهفكل شعر سواها بهرج ولقى
قال بعض من كان يخدمه: إنه خرج يوماً يتنزه ومعه ندماؤه، وقصد باب الحديد وبستان الناعورة، وكان ذلك آخر أيامه، فأخذ خزفةً وكتب بالجص:
سقياً لظل زمانيوعيشي المحمود
ولى كليلة وصلٍقدام يوم صدود
قال: وضرب الدهر ضرباته، ثم عدت بعد قتل ابن المعتز فوجدت خطه خفياً، وتحته مكتوب:
أفٍ لظل زمانيوعيشي المنكود
فارقت أهلي وإلفيوصاحبي وودودي
يا رب موتاً وإلافراحةً من صدود
وكان ابن المعتز حنفي المذهب، لقوله من أبيات:
فهات عقاراً في قميص زجاجةٍكياقوتةٍ في درةٍ تتوقد
وقتني من نار الجحيم بنفسهاوذلك من إحسانها ليس يجحد
وكان سني العقيدة منحرفاً عن العلويين، ولهذا قال في قصيدته البائية التي أولها:
ألا من لعين وتسكابهاتشكى القذى وبكاها بها منها:
نهيت بني رحمي لو وعوانصيحة برٍ بأنسابها
وراموا قريشاً أسود الشرىوقد نشبت بين أنيابها
قتلنا أمية في دارهافكنا أحق بأسلابها
وكم عصبة قد سقت منكمالخلافة صاباً بأكوابها
إذا ما دنوتم تلقتكمزبونا وفرت بحلابها
ولما أبى الله أن تملكوادعينا إليها فقمنا بها
وما رد حجابها وافداًلنا إذ وقفنا بأبوابها
كقطب الرحى وافقت أختهادعونا بها وعلينا بها
ونحن ورثنا ثياب النبيفكم تجذبون بأهدابها
لكم رحم يا بني بنتهولكن بنو العم أولى بها
به نصر الله محل الحجازوأبرأها بعد أوصابها
ويوم حنين قد اعيتكموقد أبدت الحرب عن نابها
فمهلاً بني عمنا إنهاعطية رب حبانا بها
وأقسم أنكم تعلمونأنا لها خير أربابها
وقد أجابه صفي الدين الحلي في وزنها ورويها، وهو قوله:
ألا قل لشر عبيد الإلهوطاغي قريش وكذابها
وباغي العناد وناعي العبادوهاجي الكرام ومغتابها
أأنت تفاخر آل النبيوتجحدها فضل أحسابها
بكم باهل المصطفى أم بهمفرد العداة بأوصابها
أعنكم نفى الرجس أم عنهملطهر النفوس وألبابها
أما الرجس والخمر من دأبكموفرط العبادة من دابها
وقلتم ورثنا ثياب النبيفكم تجذبون بأهدابها
وعندك لا تورث الأنبياءفكيف حظيتم بأثوابها
فكذبت نفسك في الحالتينولم تعلم الشهد من صابها
أجدك يرضى بما قلتهوما كان يوماً بمرتابها
وكان بصفين في حزبهملحرب الطغاة وأحزابها
وقد شمر الموت عن ساقهوكشرت الحرب عن نابها
فأقبل يدعو إلى حيدرٍبإرغابها وبإرهابها
وآثر أن يرتضيه الأناممن الحكمين لإسهابها
ليعطي الخلافة أهلاً لهافلم يرتضوه لإيجابها
وصلى مع الناس طول الحياةوحيدر في صدر محرابها
فهلا تقمصها جدكمإذا كان إذ ذاك أحرى بها
وإذ جعل الأمر شورى لهمفهل كان من بعض أربابها
أخامسهم كان أم سادساًوقد جليت بين خطابها
وقولك: أنتم بنو بنتهولكن بنو العم أولى بها
بنو البنت أيضاً بنو عمهوذلك أدنى لأنسابها
فدع في الخلافة فضل الخلاففليست ذلولاً لركابها
وما أنت والفحص عن شأنهاوما قمصوك بأثوابها
وما شاورتك سوى ساعةٍفما كنت أهلاً لأسبابها
وكيف يخصوك يوماً بهاولم تتأدب بآدابها
وقلت: بأنكم القاتلونأسود أمية في غابها
كذبت وأسرفت فيما ادعيتولم تنه نفسك عن عابها
فكم حاولتها سراة لكمفردت على نكص أعقابها
ولولا سيوف أبي مسلمٍلعزت على جهد طلابها
وذلك عبد لهم لا لكمرعى فيكم قرب أنسابها
وكنتم أسارى بطون الحبوسوقد شفكم لثم أعتابها
فأخرجكم وحباكم بهاوقمصكم فضل جلبابها
فجازيتموه بشر الجزاءلطغوى النفوس وأعجابها
فدع ذكر قومٍ رضوا بالكفافوجاءوا الخلافة من بابها
هم الزاهدون هم العابدونهم العالمون بآدابها
هم الصائمون هم القائمونهم الساجدون بمحرابها
هم قطب مكة دين الإلهودور الرحاء بأقطابها
عليك بلهوك بالغانياتوخل المعالي لأصحابها
ووصف العذار وذات الخمارونعت العقار بألقابها
وشعرك في مدح ترك الصلاةوسعي السقاة بأكوابها
فذلك شأنك لا شأنهموجري الجياد بأحسابها
ومن قول ابن المعتز في هذه المادة:
فأنتم بنو بنته دونناونحن بنو عمه المسلم
ومن شعر ابن المعتز قوله في الهلال والثريا:
قد انقضت دولة الصيام وقدبشر سقم الهلال بالعيد
يتلو الثريا كفاغرٍ شرهٍيفتح فاه لأكل عنقود
وقال أيضاً:
في ليلة اكل المحاق هلالهاحتى تبدى مثل وقف العاج
والصبح يتلو المشتري فكأنهعريان يمشي في الدجى بسراج ومنه في وصف روضة:
تضاحك الشمس أنوار الرياض بهاكأنما نشرت فيها الدنانير
وتأخذ الريح من دخانها عبقاًكأن تربتها مسك وكافور ومنه:
أطال الدهر في بغداد هميوقد يشقى المسافر أو يفوز
ظللت بها على كرهي مقيماًكعنينٍ تعانقه عجوز وقال:
كأن بكأسها ناراً تلظىولولا الماء كان لها حريق
كان غمامةً بيضاء بينيوبين الراح تخرقها البروق وقال:
أهلاً بفطر قد أتاك هلالهالآن فاغد على المدام وبكر
وانظر إليه كزورقٍ من فضةقد أثقلته حمولة من عنبر وقال:
يا رب إن لم يكن في قربه طمعوليس لي فرج من طول جفوته
فابري السقام الذي في غنج مقلتهواستر محاسن خديه بلحيته وما أحسن قول الأمير أسامة بن منقذ في هذا المعنى:
يا رب خذ بيدي من ظلم مقتدرٍعلي قد لج في ظلمي وعدواني
لين قساوته لي أو فيسر ليصبراً لأحظى بوصل أو بسلوان
أو فاطف جمرة خديه وأيقظ جفنيه اللذين أراقا ماء أجفاني
ومن شعر ابن المعتز عفا الله عنه:
يا رب ليلٍ سحر كلهمفتضح البدر عليل النسيم
لم أعرف الإصباح في ضوءهلما بدا إلا يسكر النديم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع