تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الرابع والعشرون الخلق وصفاتها، وذكر الحسن والقبح، والطول والقصر، والكبر والصغر، والسمن والهزال وغير ذلك

نظرت عائشة ﵂ إلى رسول الله ﷺ فتبسمت، فقال لها: ممّ تبسمت يا عائشة؟ فقالت: تأملت وجهك، ولو كان أبو كبير الهذلي رآك ما قال ما قال، فقال ﵊: وما قال؟

فأنشدت:

وإذا نظرت إلى أسرّة وجههبرقت كبرق العارض المتهلل
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

أبو بكر ﵁: لقيه راهب فقال: صف لي محمدا كأني أنظر إليه، فإني رأيت صفته في التوراة والإنجيل، فقال: لم يكن حبيبي بالطويل البائن ولا بالقصير، فوق الربعة، أبيض اللون مشرب بالحمرة، جعد ليس بالقطط، جمته إلى شحمة أذنه، صلت

الجبين، واضح الخد، أدعج العينين، أقنى الأنف مفلج الثنايا، وكأن عنقه إبريق فضة، وجهه كدارة القمر، فأسلم الراهب.

وكان علي ﵇ يقول في نعته: لم يكن بالطويل الممغط، ولا بالقصير المتردّد، كان ربعة من الرجال، ولم يكن بالجعد المقطط ولا بالسبط، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في الوجه تدوير، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، ششن الكف والقدمين، دقيق المسربة، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا.

وعن أنس: كان أزهر، ليس بالآدم ولا بالأمهق.

وقالت أم معبد: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزره صقلة وسيما قسيما،

في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأجملهم من قريب، كأنما منطقه خرزات نظم ينحدرن، فصل لا نزر ولا هذر، ربعة لا يأس من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين.

عن أبي عمرو بن العلاء: أن قوما حجوا في الجاهلية، فرجعوا إلى شيخ لهم فقال: ما فعل رجل رأيته بعكاظ أعسر يسرا، لا يصارع أحدا إلّا لبج به الأرض، ليكونن خير الناس. يعني عمر ﵁.

أراد ملك الروم أن يباهي أهل الإسلام، فوجه إلى معاوية رجلين، طويلا، وأيّدا، فدعا للطويل قيس بن سعد بن عبادة، فنزع قيس سراويله، ورمى بها إليه، فنالت ثندؤته، فأطرق مغلوبا، فليم قيس على التبذل بنزع السراويل فقال:

أردت لكيما يعلم الناس أنهاسراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذهسراويل عاديّ نمته ثمود
للشاعر قيس بن سعد الأنصاري، اقرأ القصيدة
وإني من القوم اليمانين سيدوما الناس إلّا سيّد ومسود
وبذ جميع الناس أصلّي ومنصبيوجسم به أعلو الرجال مديد

وكان سناطا فكانت الأنصار تقول: لوددنا أنا اشترينا له لحية بأنصاف أموالنا. ودعا للأيد محمد بن الحنيفة فخيره بين أن يقعد فيقيمه، أو يقوم فيقعده، فغلبه في الحالتين، فالنصرفا مغلوبين.

وروي أن عليا ﵁ لبس درعا فاستطالها، فقبض محمد بإحدى يديه على ذيلها، وبالأخرى على الموضع الذي حده له، ثم جبذها فقطعها.

ولقد زال المقام عن مكانه، فأراد الحجاج أن يرده برجله، فصاح به محمد، ثم أخذه بيده فرده، فقيل له: انتهز الحجاج وقد قتل ابن الزبير، فقال: والله لقد كنت عزمت أن رادني أن اجتذب عنقه فأقطعها.

نظر رسطاليس إلى ذي وجه حسن فاستنطقه فلم يحمده، فقال: بيت حسن لو كان فيه ساكن. وقال آخر: طست ذهب فيه خل.

قال حكيم لشاب قبيح الوجه حسن الأدب: قد عفت محاسن أدبك مقابح وجهك، وما أنصف أدبك وجهك، ولا وجهك أدبك.

أعرابي: كأن خدودهم ورق المصاحف، وكأن أعناقهم أباريق الفضة، وكأن حواجبهم الأهلّة.

بعض السلف: جمع الله البهاء والهوج في الطويل، والكيس والدمامة في القصير، وجمع الخير فيما بين ذلك.

الجماز:

لو يمسخ الخنزير مسخا ثانياما كان إلّا دون قبح الجاحظ
وإذا المرأة جلت له تمثالهلم تخل مقتله بها من واعظ
رجل ينوب عن الجحيم بوجههوهو العمى في عين كل ملاحظ

الأصمعي: رأيت بدوية من أحسن الناس وجها لها زوج قبيح، فقلت: يا هذه أترضين أن تكوني تحت هذا؟ فقالت: يا هذا لعله أحسن فيما بينه وبين ربه فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربي فجعله عقوبتي، أفلا أرضى بما رضي الله.

دخل محمد بن عباد على المأمون فجعل يعممه بيده، وجارية على رأسه تبتسم، فقال المأمون: مم تضحكين؟ فقال ابن عباد:

أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، تتعجب من قبحي وأكرامك لي؛ فقال: لا تعجبي فإن تحت هذه العمّة مجدا وكرما.

[شاعر]:

وهل ينفع الفتيان حسن وجوههمإذا كانت الأعراض غير حسان
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتىفما كل مصقول الحديد يماني
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

كان عمر بن أبي ربيعة المخزومي يساير عروة بن الزبير، فقال له: أين زين المواكب؟ يريد إبنه محمد بن عروة، وكان يلقب بذلك لجماله، فقال: هو أمامك، فركض يطلبه، فقال له عروة: أو لسنا أكفاء كراما نصلح لمحادثتك؟ فقال: بلى بأبي أنت وأمي، ولكني مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان، ثم قال:

إني امرؤ مولع بالحسن أتبعهلا حظّ لي فيه إلّا لذة النظر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «إني امرؤ مولع بالحسن أتبعه»

ثم مضى عمر حتى لحقه، وجعل عروة يضحك.

كانت لبابة بنت عبد الله بن عباس، وكانت من أجمل النساء، عند الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكانت تقول: ما نظرت إلى وجهي في المرآة ثم انظر إلى وجه أحد إلّا رحمته من حسن وجهي، إلّا الوليد، فإني كنت متى أنظر إلى وجهي مع وجهه، رحمت نفسي من حسن وجهه.

قال رجل الأحنف: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه !! قال: ما ذممت مني يا ابن أخي؟ قال: الدمامة وقصر القامة، قال: لقد عبت علي ما لم أؤامر فيه.

عبد الملك بن عمير: قدم علينا الأحنف الكوفة، أصلع الرأس، مراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتىء الوجنة، باخق العينين، حفيف العارضين، أحنف الرجل، ولكنه إذا تكلم جلّى نفسه.

المخارق اليشكري:

وكنت أباهي الرائحين بلمتيفأصبح باقي نبتها قد تقضبّا
للشاعر المخارق اليشكري، اقرأ القصيدة
وقد ذهبت الا شكيرا كأنهعلى ناهض لم يبرح العش ازغبا
للشاعر المخارق اليشكري، اقرأ القصيدة

خرب القهنذز فبرزت جماجم، فتصدعت جمجمة منها، فانتثرت أسنانها، فوزنت سنان منها فكان وزنها أربعة أرطال، فأتي بهما ابن المبارك فجعل يقلبها ويتعجب من عظمها، وقال:

إذا ما تذكرت أجسادهمتصاغرت النفس حتى تهونا

الأوقص المخزومي قاضي مكة، كان عفيفا ظريفا، فكان يقول: قالت لي أمي، وكانت عاقلة، يا بني إنك خلقت خلقة لا تصلح معها مجامعة الفتيان، لأنك لا تكون مع أحد إلّا تخطتك العيون إليه، فعليك بالدّين، فإنه يرفع الخسيسة، ويتم النقيصة. فنفعني الله بكلامها.

كان المتوكل أحسن الخلفاء العباسية وجها، وأبهاهم منظرا، قال المبرد: دخلت عليه، فقال: يا بصري أرأيت أحسن وجها مني؟

قلت: ولا أسمح راحة، ثم قلت:

جهرت بحلفة لا أتقيهالشك في اليمين أو إرتياب
بأنك أحسن الخلفاء وجهاوأسمح راحتين ولا أحابي

طاف علي بن عبد الله بن عباس بالبيت، وقد فرع الناس، كأنه راكب وهم مشاة، وثم عجوز قديمة، فقالت: من هذا الذي فرع الناس؟ فأعلمت، فقالت: لا إله إلّا الله! إن الناس ليرذلون، عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فسطاط أبيض، ويروى: أن عليا كان إلى

منكب عبد الله، وعبد الله إلى منكب العباس، والعباس إلى منكب عبد المطلب.

كان رسول الله ﷺ فوق الربعة، ولم يكن بالطويل المشذب، وكان إذا مشى مع الطوال طالهم.

اللحية الطويلة عش البراغيث.

ابن عباس يرفعه: من سعادة المرء خفة عارضيه.

نظر يزيد بن مزيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة، قد تلففت على صدره، وإذا هو خاضب، قال: إنك من لحيتك لفي مؤونة! قال: أجل، ولذلك أقول:

لها درهم للدهن في كل جمعةوآخر للحنّاء يبتدران
ولولا نوال من يزيد بن مزيدلصبّح في جافاتها الجلمان

رأى مزبد رجلا كثير شعر الوجه فقال: يا هذا، خندق على هذا الوجه كيلا يتحول رأسا.

قال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: أكره منك ثلاثا، قال: وما هي؟ قال: طيبك يرى، وطيب الرجال توجد له ريحة ولا يرى لونه، وخفك أبيض، وحق الخف أن يخالف لونه لون الثياب، وتكثر مس لحيتك. فغيّر الطيب والخف، ولم يدع مس لحيته، وقال: ما رأيت عاقلا يلم به أمر إلّا كان معوله على لحيته.

قال المنصور يوما لعبد الله بن عياش المنتوف: قد نغصب

إلي صورتك ونفرت، لئن نتفت شعرة من لحيتك لأقطعن يدك، فأعفاها حتى عفت، فكان عنده يوما يحدثه بأحاديث استحسنها، فقال: سلني حاجتك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، تقطعني لحيتي أعمل بها ما أريد.

فضحك وقال: قد فعلت.

أنس: عرض رسول الله ﷺ على رجل من أصحابه التزويج، وكان في وجهه دمامة، فقال: إذن تجدني كاسدا، فقال: إنك عند الله لست بكاسد.

عون بن عبد الله: من كان في صورة حسنة، ومنصب لا يشينه، ووسع عليه في الرزق، كان من خالصة الله.

ابن عباس رفعه: من آتاه الله وجها حسنا، واسما حسنا، وجعله في موضع غير شائن له من الحسب فهو من صفوة خلقه.

وعنه ﵊: ما حسن الله خلق عبد وخلقه إلّا استحيا أن يطعم لحمه النار.

يقال للجميل المليح: هو مما عمل في طراز الله.

حدق رجل النظر إلى وجه الأمين، فهم به بعض الخدم، فقال بعض الحضور: لا تلمه على النظر إلى زينة الله في عباده.

وكان محمد وأبو عيسى من ولد الرشيد يوسفي زمانهما، وكان الرشيد يقول للمأمون: با عبد الله أحب المحاسن كلها لك، حتى أنه لو أمكنني أن أجعل وجه أبي عيسى لك لفعلت.

وقال يوما لأبي عيسى، وهو صبي، ليت جمالك لعبد الله، قال:

على أن حظه منك لي، فعجب من جوابه وضمه إليه.

[شاعر]:

ولو أنه في عهد يوسف قطعتقلوب رجال لا أكف نساء

كثير:

ولو أن عزة خاصمت شمس الضحىفي الحسن عند موفق لقضى لها

آخر:

للحسن في وجناته بدعما أن يمل الدرس قارئها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «متتايه بجماله صلف»

قيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ قال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ورحب الأشداق، وبعد الصوت.

كان مصعب بن الزبير، وكان من أجمل الرجال، جالسا بفنائه بالبصرة، فوقفت امرأة تنظر إليه، فقال: ما وقوفك عافاك الله؟ قالت:

طفىء مصباحنا فجئنا نقتبس من وجهك مصباحا.

أراد كاتب أن يكتب جوازا لرجل وحش الصورة، فلم يقدر على تحليته لفرط دمامته، فكتب: يأتيك بهذا الجواز آية من آيات الله وندره، فدعه يذهب إلى نار الله وسقره.

قال بعض الخلفاء: عرفت أن في وجه بختيشوع قردية، فقال نديم له: الغلط من غيرك يا أمير المؤمنين، بل في وجه القرد بختيشوعية.

قال رجل لمنصور بن الحسين الحلاج: إن كنت صادقا فيما تدعيه فامسخني قردا، فقال: لو هممت بذلك لكان نصف العمل مفروغا منه.

ابن الرومي في أبي الصقر:

له محيا جميل يستدل بهعلى جميل وللبطنان ظهران
وقل من ضمنت خيرا طويتهإلّا وفي وجهه للخير عنوان
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أجنت لك الوجد أغصان وكثبان»

مر أبو الأسود الدؤلي بمجلس لبني قشير»

فقال بعض فتيانهم:

كأن وجهه وجه عجوز قد راحت إلى أهلها بطلاقها.

الجاحظ: ما خجلتني إلّا امرأة، حملتني إلى صانع فقالت: مثل هذا، فبقيت مبهوتا، فسألت الصائغ فقال: هي امرأة استعملتني صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوره، قأتت بك فقالت مثله.

وقرع قوم عليه الباب، فخرج غلامه، فسألوه ما يصنع، فقال: هو ذا يكذب على الله، قيل كيف؟ قال: نظر في المرآة فقال: الحمد لله الذي خلقني فأحسن صورتي.

كان يقال في الطويل البهاء، وفي القصير الكيس، وفي الربعة الخير كله.

حج مخنث فرأى رجلا قبيح الوجه يستغفر، فقال: يا حبيبي ما أرى لك أن تبخل بهذا الوجه على جهنم.

قال رجل للجماز: خرج بي دمل في أقبح موضع، قال:

كذبت، هوذا أرى وجهك ليس فيه شيء.

قالت امرأة بشار له: لو رأيت وجهك لائتزرت عليه كما تأتزر على عورتك.

خرج رجل قبيح الوجه إلى اليمن فقال:

لم أر وجها حسنامنذ دخلت اليمنا
فيا شقاء بلدةأحسن من فيها أنا

محمد بن ياقوت:

كتاب إلى الحسن توقيعهمن الله في خده قد نزل

آخر:

وكأن بهجته اكتستحسن الإقالة للذنوب

العتبي: سرح المهدي لحيته وقبض عليها، فكأنه استصغرها، فأحس به أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين، إن لحيتك لجميلة أصيلة، لم تطل فتستسمج، ولم تصغر فتستقبح، بل خرجت بمقدار من صانع أحكم صنعتها، وأحسن نباتها، فمن رأى صاحبها أفلح. ومن طلب إلى حاملها أنجح، ثم قال:

لا تعجبن بلحيةكث منابتها طويلة
يهوى بها عصف الرياح كأنها ذنب الحسيلة
قد يرزق الشرف الفتىيوما ولحيته قليلة

فأعجب بكلامه ووصله.

قال المنصور لا بن عياش المنتوف: لو تركت لحيتك، أما

ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه!! قال: يا أمير المؤمنين، والله لأنا أحسن منه، قال: يا سبحان الله وتحلف أيضا!! قال: إن لم تصدقني فاحلق لحيته، وأقمه إلى جانبي فانظر أينا أحسن.

باع ولد للحسن اسمه عبد الله، وكان طويل اللحية، فرسا فاستغلاه المشتري، فوضع عنه الحسن مائة درهم، فقال عبد الله: هو يسألني أن أضع عنه خمسة أو عشرة، وأنت تضع عنه مائة!! فقال: يا بني إن كان الناس يعطون أجورهم على قدر لحاهم، فقد أعطيت منها حظا.

أراد استحماقة في رده عليه، واستكثاره المائة.

عبيد الله بن إسحاق بن سلام المكاري:

وتكيد ربك في مغارس لحيةالله يزرعها وكفك تحصد
تأبى السجود لمن يراك تمرداوترى العبيد الأرذلين فتسجد

كان يقال: من تزوج امرأة، واتخذ جارية، فليستحسن شعرها، فإن الشعر الحسن أحد الوجهين.

وكان ابن شبرمة يقول: ما رأيت على رجل لباسا أحسن من فصاحة، ولا رأيت على امرأة لباسا أحسن من شعر.

وعن عمر ﵁: إذا تمّ بياض المرأة مع حسن شعرها فقد تمّ حسنها، والعجيزة الوجه الثاني.

سأل المتوكل امرأته ريطة بنت العباس أن تطم شعرها وتتشبه بالمماليك، فأبت، فخيرها بين ذلك وبين الفراق، فاختارت الفراق، فطلقها. كان طم الشعر عندها أكبر الطامتين.

طخيم بن عبد الله الأسدي ...، حلق شعره شرطي الكوفة

فقال:

وبالحيرة البيضاء شيخ مسلطإذا أكّد الإيمان بالله برت
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
لقد حلقوا منها غدافا كأنهعناقيد كرم اينعت فاسبكرت
تظل العذارى حيث تحلق لمتيعلى عجل يلقطنها حيث خرت

كان يزيد بن الطثرية غزلا، ذا جمة فينانة، وكان ثور أخوه كثير المال، فكان يأتي العطار فيقول: ادهني دهنة من إبل ثور، فأهلك مال أخيه، فاستعدى عليه السلطان، فأمره بحلق رأسه، فقال:

أقول لثور وهو يحلق لمتيبعقفاء مردود عليّ نصابها
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «أقول لثور وهو يحلق لمتي»
ألا ربما يا ثور فرّق بينهاأنامل رخصات حديث خضابها
فجاء بها ثور ترف كأنهاسلاسل درع لينها وانسكابها
ورحت برأس كالصخيرة أشرفتعليها عقاب ثم طارت عقابها

رأى فيلسوف سمينا فقال: ما أكثر عنايتك برفع سور حبستك.

رأى عمر ﵁ رجلا يأنح ببطنه من السمن، فقال: ما هذا؟ قال: بركة من الله، قال: بل هو عذاب يعذبك الله به.

الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي ﵀ يقول: ما رأيت سمينا عاقلا إلّا محمد بن الحسن.

الحسن: ترى أحدهم أبيض بضا، يملخ في الباطل ملخا، ينفض مذرويه، ويضرب أسدريه، يقول: ها أنذا فاعرفوني، قد عرّفناك، فمقتك الله ومقتك الصالحون.

[شاعر]:

لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمنلكنني أعشق السمر المهازيلا
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
إني امرؤ أركب المهر المضمر فييوم الرهان فدعني واركب الفيلا
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة

الشعبي في وفادته على عبد الملك: لما دخلت عليه صعّد فيّ البصر ثم صوبه، وقال: يا شعبي إني لأراك ضئيلا. قلت أصلح الله أمير المؤمنين، إني زوحمت في الرحم، وكان الشعبي توأما، فقال: لئن لطف المنظر فقد عظم المخبر.

دخل الحسن في يوم صائف على الحجاج، وهو في بيت فيه

الثلج والخلاف، فقال له: اخلع قميصك، فجعل يعالج زره فأبطأ، فطأطأ رأسه يريد أن يتعاطاه بيده، ثم قال: يا أبا سعيد ما لي أراك منهوك الجسم، لعل ذلك من سوء ولاية، وقلّة نفقة، ألا نأمر لك بخادم لطيف، ونفقة توسع بها على نفسك! قال: إني من الله في سعة، وإني منه لفي عافية، ولكن الكبر والحر، فقال: لا والله، ولكن العلم بالله، والزهد فيما نحن فيه.

قيل لأعرابي: أتعرف الجمال؟ قال: أي لعمري، قالوا: وما هو؟ قال: عظم الأنف، وسعة الشدق، وضخم القدمين والكفين.

خطب رجل عظيم الأنف امرأة، فقال لها: قد علمت شرفي، وأنا كريم المعاشرة محتمل للمكاره، فقالت: ما أشك في احتمالك المكروه، مع حملك هذا الأنف منذ أربعين سنة.

ابن الرقيات:

زعم ابن قيس وهو غير مكذبأن القباح بقوتهن عوال
إن القباح على الرجال رزيةلا تنكحن قبيحة بقبال
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

سأل ابن قريعة القاضي رجل عن حد القفا، يريد تخجيله، فقال: ما اشتمل عليه جربانك، ومازحك فيه إخوانك، وأدبك عليه سلطانك، وباسطك فيه غلمانك، هذه حدود أربعة.

كان واصل بن عطاء طويل العنق، فنظر إليه رجل يوما فقال:

لا يفلح هذا ما دامت عليه هذه العنق؛ وفيه يقول بشار:

عنق الزرافة ما بالي وبالكمتكفرون رجالا كفروا رجلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا منيت بغزال له عنق»

قيل لعراقية ظريفة: ما بال شفتيك متشققة؟ فقالت: التين إذا حلا تشقق.

تهمة مشاطة أم البنين: جلوت أم البنين بنت موسى بن عقال على زوجها عمرو بن الشريد وكيل المهدي، وكانت النساء يتحدثن بجمالها، فعقربت صدغيها، فوقع أحد الصدغين على خال في مؤخر خدها، فمدّت يدها إلى وجهها كأنها تميط عنه شيئا، فنحت صدغها، فبرز الخال كأنه هلال، تجلت عنه غمامة في ليلة مظلمة، فوثب عمرو إليها، فقبل موضع الخال، ثم دعا بكيس فيه دنانير، فوهب لي منه قبضة، ثم نثر الباقي على رأسها، وقال: يا تهمة، كتمتني أحسن شيء في وجهها، والله ما يسرني أن لي بدلا من هذا الخال وزارة أمير المؤمنين.

يقال: طول الأذن دليل على طول العمر، قال:

بأغضف الأذن طويل العمروأرنب الخلة تلو الدهر

زعموا أن شيخا من الزنادقة قدم للقتل، فعدا إليه غلام فقال:

يا سيدي، زعمت أن من طالت أذنه طال عمره، فهوذا يقتلونك؛ فقال:

إنما قتل لو تركوه.

كانت في زمن الحسن فتاة عابدة اسمها بريرة، وكانت بكاءة، فقيل له: عظها فإنّا نخشى على عينيها، فقال لها: إن لعينيك عليك حقا فاتقي الله، فقالت: إن أكن من أهل النار فأبعد الله بصري، وإن أكن من

أهل الجنة ليبدلني الله بهما خيرا. فبكى الحسن.

إسحاق بن خلف في قصير طويل اللحية:

ما شيت داود فاستضحكت من عجبكأنني والد يمشي بمولود
ما طول داود إلّا طول لحيتهيظل داود فيها غير موجود
للشاعر إسحاق بن خلف البهراني، اقرأ القصيدة
تكنه خصلة منها إذا نفختريح الشمال وجف الماء في العود
للشاعر إسحاق بن خلف البهراني، اقرأ القصيدة

الجاحظ: ما أكثر من يظن أن الصورة التي ترونها في الحدقة عند المقابلة ثابتة هناك، ويسمونها إنسان العين، وإنما هي صورتك عند نظرك فيها، كما تراها في المرأة.

قالت امرأة من تغلب:

أنا إذا ما افتخرت تغلبمنها لأناسى التي في الحداق

أبو الحسن المغربي:

قلبي أسير في يدي مقلةضيقة ضاق لها صبري
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
كأنها في ضيقها عروةليس لها زر سوى السحر
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

كان يقال: إذا رأيت طويلا عاقلا فاسجد له.

في التوراة: إذا لم يكن القصير خبيثا فهو مسخ.

نظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة فقال: يا هذا إني لأرى

عليك قطيفة من نسج أضراسك.

عمر بن أبي ربيعة:

حسروا الأكمة عن سواعد فضةفكأنما انتضيت متون صوارم
للشاعر ابن المكور البغدادي، اقرأ القصيدة

قال للقمان الحكيم سيده: اذبح لي شاة وائتني بأطيب مضغتين فيها؛ فأتاه بالقلب واللسان، فسكت عنه ما سكت، ثم أمره بذبح شاة وقال: ألق أخبث مضغتين، فرمى بالقلب واللسان، وقال: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

أبو سليمان الواسطي: إنما القلب بمنزلة المرآة، إذا جليت لم يمر بها شيء إلّا مثل فيها، وإذا صدئت لم يمثل فيها شيء.

أبو اليمان كان عندنا شيخ يزعمون أنه يعرف اسم الله الأعظم، فسألته، فقال: يا ابن أخي تعرف قلبك؟ قلت: نعم، قال: إذا رأيته قد رقّ وأقبل، فأسأل الله حاجتك، فذاك اسم الله الأعظم.

رفع رجل من لحية مدني شيئا، فلم يدع له، فغضب وقال:

أما فيك ما تدعو لي بخير وقد أمطت عنك الأذى؟ قال: يا أخي لا تغضب، ما منعني أن أقول: صرف الله عنك السوء إلّا مخافة أن يصرف الله وجهك، فتبقى بلا وجه، وكان دميما.

أسر سلمة بن مرّة الناموس امرأ القيس بن النعمان اللخمي، وكان الناموس قصيرا مقتحما، واللخمي طويلا جسيما، فأبصرته بنت له، فقالت: أهذا القصير أسر أبي؟ فقال:

ألا زعمت بنت أمرىء القيس أننيقصير وقد أعيا أباها قصيرها
ورب طويل قد نزعت سلاحهوعانقته والخيل تدمى نحورها
ولو شهدتني يوم ألقيت كلكليعلى شيخها ما اشتد مني نكيرها

لم يزل شقة بن ضمرة الأسدي يغير على النعمان بن المنذر ينقص أطرافه، حتى عيل صبره، فبعث إليه أن لك ألف ناقة على أن تدخل في طاعتي، فوفد عليه، وكان صغير الجثة، فاقتحمته عينه فقال:

تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: مهلا أيها الملك، إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا نطق نطق بلسان، وإن صال صال بجنان، وأنشأ يقول:

كم من قصير شديد القلب محتنكعلى العشيرد بالأفضال مشتهر
تنبو الحماليق عنه حين تبصرهما إن له في دهاس الأرض من أثر
فإن وكلّت إليه لم يكن وكلامن الصلادمة المصقولة البتر
يا أيها الملك المرجوّ نائلهإني لمن معشر شمّ الذرى زهر
فلا تغرنّك الأجساد أن لناأحلام عاد وإن كنا إلى القصر
فكم طويل إذا أبصرت جثتهتقول هذا غداة الروع ذو ظفر
فإن ألمّ به أمر فأفظعهرأيته خاذلا للأهل والزمر

فقال: صدقت، فهل لك علم بالأمور؟ فقال: إني لأنقض منها المفتول، وأبرم منها المسحول، وأحيلها حتى تحول، ثم أنظر فيها إلى ما تؤول، وليس للأمور بصاحب، من لا ينظر في العواقب، قال:

فأخبرني ما السوأة السوآء، وما الداء العياء؟ قال: أما السوأة السوآء فالمرأة

الصخابة الوثابة، البذية السبابة، التي تصخب من غير صخب، وتضحك من غير عجب، الكثير عيبها، المخوف غيبها، فأهلها منها في عناء، وزوجها منها في بلاء، إن كان مقلا عيرته، وإن كان ذا مال غيرته، فأراح الله منها بعلها، ولا متع بها أهلها.

وأما الداء العياء فجار السوء إذا قاولته شتمك، وإن شاتمته بهتك، وإن غبت عنه سبعك، فإذا كان كذلك فخل له قرارك، وعجل منه فرارك وإن ضننت بالدار، فكن فيها كالكلب الهرار، وقر بالذل والصغار.

قال: فما العجز الظاهر والفقر الحاضر؟ قال: فأما العجز الظاهر فالرجل القليل الحيلة، اللزم للحليلة، الذي يطيع قولها، ويحوم حولها، فإن غضبت ترضاها، وإن رضيت تفداها.

وأما الفقر الحاضر فالرجل الذي لا يشبع نفسه، وإن كان من ذهب حلسه.

قال: فانعت لي المرأة الصالحة، قال: لا ضرع صغيرة، ولا عجوز كبيرة، عاشت في نعيم فأدركتها الفاقة، فخلائق كرم النعيم معها، وبؤس الفاقة فيها، خليعة مع زوجها، حصان من جارها، إذا اجتمعا كانا أهل دنيا، وإذا افترقا كانا أهل آخرة.

فتعجب من فصاحته وعقله، وقال: أنت ضمرة بن ضمرة فاقبض مالك، وأعلمنا شأنك، فإن أقمت آسيناك، وإن شخصت وصلناك، قال:

قرب الملك سناء ورفعة، فأكرمه وأعطاه الإبل، وجعله من ندمائه.

قالوا: عظم الجبين يدل على البله، وعرضه على قلّة

العقل، وصغره على لطف الحركة، واستدارته على الغضب. والحاجبان إذا اتصلا على استقامة دلا على تخيث واسترخاء، وإذا تزججا منحدرين إلى طرف الأنف دلا على لطف وذكاء، وإذا تزججا نحو الصدغين دلا على طنز واستهزاء.

والعين إذا كانت صغيرة الموق دلت على سوء دخلة، وخبث شمائل، وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد، والعين المتوسطة دليل فطنة وحسن خلق ومروءة، والناتئة، على اختلاط عقل، والغائرة على حدة؛ والتي يطول تحديقها على قحة وحمق، والتي يطول طرفها على خفة وطيش.

والشعر على الأذن يدل على جودة السمع، والأذن الكبيرة المنتصبة تدلّ على حمق وهذيان.

مسلم بن الوليد:

فغطّت بأيديها ثمار نحورهاكأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أعاود ما قدمته من رجائها»

كشاجم:

غذتها نعمة ولذيذة عيشفأنبت صدرها ثمر الشباب

الصابي:

فقال شفاؤه الرمان ممّاتضمنه حشاه من السعير
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فقلت لهم أصاب بغير قصدولكن ذاك رمان الصدور
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

السري الموصلي:

مقدودة خرطت أيدي الشباب لهاحقين دون مناط العقد من عاج
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «لو سالمته سجايا طرفك الساجي»

رأت عجوز طلحة يوم الجمل فقالت: من هذا الذي وجهه كأنه الدينار الهرقلي، ثم رأت الزبير فقالت: من هذا الذي كأنه أرقم يتلمظ، ثم رأت عليا فقالت: من هذا الذي كأنه كسر ثم جبر.

بكر بن عبد الله: رحم الله امرأ كان قويا فأعمل قوته في طاعة الله، وكان ضعيفا فكف لضعفه عن معصية الله.

وقال بزرجمهر: من يقو فليقو على طاعة الله، ومن ضعف فليضعف عن محارم الله. قال ابن المقفع: ليجهد البلغاء أن يزيدوا في هذا حرفا.

[شاعر]:

تأملت أسواق العراق فلم أجددكاكينها إلّا عليها المواليا
جلوسا عليها ينفضون لحاهمكما نفضت عجف البغال المخاليا

علي بن الجهم:

كنت أشتاق فما يحجزنيعنك إلّا حاجز يحجبني
ناهد في الصدر غضبان علىقبب البطن وطي العكن
شاخصا ينظر إعجابا إلىغيد الجيد وحسن الذقن
يملأ الكف ولا يفضلهاوإذا ثنّيته لا ينثني
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

أبو جهمة الكوذي:

أنا أبو جهمة في جلد الأسدعليّ منه لبد بعد لبد

ململم الهامة مضبور الكتد

أجارت أم هانىء بنت أبي طالب الحارث بن هشام يوم الفتح، فدخل عليها عليّ، فأخذ السيف ليقتله، فوثبت فقبضت على يده، فلم يقدر أن يرفع قدميه من الأرض، وجعل يتفلت منها، ولا يقدر.

فدخل رسول الله ﷺ، فنظر إليها فتبسم، وقال: قد أجرنا من أجرت؛ ولا تغضبي عليا فإن الله يغضب لغضبه، وقال: يا علي أغلبتك امرأة؟

فقال: يا رسول الله، ما قدرت أن أرفع قدميّ من الأرض، فضحك النبي ﵊، وقال: لو أن أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعانا.

أبو طلق عدي بن حنظلة التيمي قال لامرأته ورآها تحتف بخيط كتان:

استعيني بقطرة من جمالهي خير من كل ما تصنعينا
ذاك أدنى للحسن من أن تحفيبخيوط الكتان منك الجبينا

أبو مطر البصري النضري: خرجت من باب المسجد، وعليّ إزار طويل، ربما عثرت به، وإذا بمن يناديني من خلفي: أي بني ارفع ذيلك فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، وخذ من شاربك إن كنت مسلما.

فنظرت فإذا هو عليّ ﵁.

افتقد صالح بن كيسان عمر بن عبد العزيز في صلاة، فقال:

ما حبسك عن الصلاة؟ قال: كانت مرجّلتي تسكن شعري، فقال وبلغ من حبك تسكين شعرك ما تتخلف له عن الصلاة فبلغ ذلك أباه، فأنفذ إليه من لم يكلمه حتى حلق شعره.

كعب الأحبار: قسم الله الحسن عشرة أعشار، فأعطى آدم تسعة أعشار، ونصف العشر الباقي يوسف ﵇، والنصف الآخر سائر الناس.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.