من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب السابع والتسعون البعوض، والهمج، والذبان، والفراش والزنابير، والجراد، والجنادب، وما أشبه ذلك
النبي ﷺ: خلق الله ألف أمة، منها ستمائة في البرّ، وأربعمائة في البحر. فأول ما يهلك الجراد، فإذا هلك تتابعت الأمم.
في الجراد نفع للعباد، لأنه يؤكل ويعاش به، ولأنه إذا أصاب زرعا كان لصحابه الثواب إذا صبر والعوض.
علي ﵇: وإن شئت قلت في الجرادة، إذا خلق لها عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض، يرهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم، حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي شهواتها، وخلقها لا تكون إصبعا مستدقة.
أبو زهير الكلبي:
قل لأبي الجودي عند الفجرأتاك حصاد بغير أجر
مسربلين في ملاء صفرلا يتشكين انقلاب الدهر
لعاب الجراد سمّ لا يقع على شيء إلا أحرقه.
المأمون: قالوا أن الذباب إذا دلّك على موضع لسعة الزنبور سكن. فلسعني زنبور فحككت على موضع لسعة عشرين ذبابة فما سكن، فقالوا: هذا الزنبور كان حتفا قاضيا، ولولا هذا العلاج لقتلك.
زعموا أن رجلا من ولد حليمة ظئر رسول الله كان أصيد خلق الله كلهم، وأحذقهم بالتدريب، وبلغ من حذقه أنه ضرى ذئبا يصطاد به الظباء والثعالب، وسرق منه فرجع إليه من ثلاثين فرسخا.
وضرى أسدا حتى صار أهليا واصطاد به الحمر والبقر وعظام الوحش.
وضرى الزنابير حتى اصطاد بها الذبان.
قالوا: إن الزنبور يأخذ الشيء الذي يتخذ منه بيته من زبد المدود، ولا يدري أمن نفس الزبد أم شيء يكون في الزبد. فسبحان من علمه ذلك البناء العجيب، ودلّه على ذلك الجوهر الغريب.
عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
بخصور تحكي خصور الزنابير رقاق هممن بالانقصاف
النحل لا يقع على شيء منتن ولا ينزل على العطر.
خطب المأمون فوقع ذباب على عينه فطرده، ثم عاد مرارا حتى قطع عليه الخطبة، فلما صلى أحضر أبا الهذيل فقال له: لم خلق الله الذباب؟ قال: ليذل به الجبابرة. قال: صدقت، وأجازه بمال.
قالوا منّ الله على الناس بالذباب، لأنها تأتي على البخارات التي في الهواء بأجنحتها، ولولاها لتكدر عيشهم من الروائح العفنة التي تتحلل في الحر، وأما في الشتاء فالبرد مانع من تحلّل الروائح.
الجاحظ: من منافع الذبان أنها تحرق وتخلط بالكحل، فإذا اكتحلت بها المرأة كانت عينها أحسن. ونرى المواشط يستعلمنه ويأمرن به العرائس.
من لم يرض بالكفاف وطمحت عيناه إلى ما فوقه، ولم ينظر إلى ما يتخوف أمامه كان مثل الذباب الذي لم يرض بالشجر والرياحين حتى طلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل المغتلم، فيضربه بأذنه فيهلك.
ذبان الأسد لا يقوم له شيء، أشد من الزنابير وأضرب من العقارب الطيارة، وهي تعض الأسد كما يعض الكلب ذباب الكلب. ومتى رأت بالأسد أدنى خدش اجتمعن عليه، فلا يقلعن حتى يقتلنه.
تأذى الصاحب بالذباب فقال: هذا ذباب السيف لا ذباب الصيف.
عنترة:
وخلا الذباب به فليس ببارحهزجا كفعل الشارب المترنم
غردا يحك ذراعه بذراعهقدح المكب على الزناد الأجذم
النحل تجتمع فتقسم الأعمال بينها، فبعضها يعمل العسل، وبعضها يعمل الشمع، وبعضها يبني البيوت، وبعضها يستقي الماء.
الجاحظ: من علم البعوضة أن وراء جلد الجاموس دما، وأن ذلك الدم غذاء لها، وأنها متى طعنت في ذلك الجلد الغليظ المتين الصلب نفذ فيه خرطومها مع ضعفه على غير معاناة. ولو أنك طعنت فيه بسلاءة شديدة المتن، رهيفة الحد لانكسرت.
الجاحظ: غضب صاحب المسلحة على ملاح في أجمة البصرة، فجرده للبعوض مقموطا، فصاح: اقتلني أي قتلة شئت وأرحني، فأبى، فصاح ساعة، ثم عاد صياحه إلى الأنين ثم خفت. فنظرت فإذا هو ميت، وهو أشد سوادا من الزنجي، وأشد انتفاخا من الزق المنفوخ وذلك كله بين العشاءين.
وحكيت أنا الحكاية لعربي، فذكر أن البعوض يقتل البرذون في ساعة.
شاعر:
لنعم البيت بيت أبي دثارإذا ما خاف بعض القوم بعضا
البعض عض البعوض، أو دثار كنية البيت الرقيق الذي يقال له الكلّة.
بق البطاح مثل، كجرارات الأهواز، وعقارب شهرزور، وربما ظفرت بالسكران النائم فلا يبقى منه إلا عظام عارية.
أبو إسحاق الصابي:
وليلة لم أذق من حرها وسناكأن في جوها النيران تشتعل
أحاط بي عسكر للبق ذو لجبما فيه إلا شجاع قاتل بطل
من كل شائلة الخرطوم طاعنةلا تمنع الحجب مسراها ولا الكلل
طافوا علينا وحرّ الصيف يطبخناحتى إذا نضجت أجسادنا أكلوا
يقال للبعوض الأحدب الطنان، والمغنى المعنى.
راجز:
إذا تغنين غناء الزطوهن مني بمكان القرط
فثق بوقع مثل وقع الشرط.
آخر:
يلدغ جلدي شرر النيرانمن طائر يزمر في الآذان
في ديوان المنظوم:
أقول لنازل البستان طوبىلعيشك ثم يسكتني البعوض
يململه فليس به قرارويثخنه فليس به نهوض
عماه قرصه وطنينه أنّىيبيت وعينه فيها غموض
كأنك حين يهذي بالأغانيتكرر في مسامعك العروض
حدث شيخ من أهل اليمامة قال: رأيت بعيرا قد نهشته أفعى فقتلته، وكل شيء حواليه من الطير والسباع التي أكلت منه ميت، وإذا عليه بعوض كثير. فقلت في نفسي:
ما الذي مجته في هذا الجسم العظيم وما هي إلّا في وزن عرق من عروقه حتى قتلته وفسخته؟ وحتى ذاقت هذه السباع منه فهلكت. وأعجب من ذلك أن هذا الخلق الضعيف المهين يأكل منه فلا يضره. فطارت واحدة فوقعت على وجهي، فتورم رأسي، وحملت إلى منزلي في محمل، وتناثر شعر وجهي ورأسي، وعولجت بأنواع العلاج فبقيت أقرع أمرط.
لرجل من بني حمان وقع في جند الثغور.
أأنصر جند الشام ممن يكيدهموأهلي بنجد ذلك حرص على النصر
براغيث تؤذيني إذا الناس نومواوبق أقاسيه على ساحل البحر
فإن يك فرض بعدها لا أعدّلهوإن بذلوا حمر الدنانير كالجمر
ضرب من الفراش إذا طار بالليل حسبت أن شرارا يطير.
إذا نهق الحمار صعق الذباب. قال ابن مقبل:
ترى النعرات الحمر حني لبانهأحاد ومثنى أصعقتها صواهله
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع