تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الرابع والتسعون الوحوش من السباع وغيرها، وذكر أحوالها، وما يصطاد منها ويتألف، وما أشبه ذلك

لما تلا رسول الله وَالنَّجْمِ إِذا هَوى

قال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم. فقال ﷺ: سلّط الله عليك كلبا من كلابه.

فخرج مع أصحابه في عير إلى الشام، حتى إذا كانوا بمكان يقال له الزرقاء زأر الأسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقالوا: من أي شيء ترعد فرائصك؟

فو الله ما نحن وأنت إلا سواء، فقال لهم: إن محمدا دعا علي، ولا والله ما أظلت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، ثم جاء النوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم ووسطوه بينهم وناموا. فجاء الأسد يهمس يستنشي رؤوسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة كانت إياها. فسمع وهو بآخر رمق يقول: ألم أقل لكم أن محمدا أصدق الناس.

دخل أبو زبيد الطائي على عثمان ﵁، فقال: من أين؟ فقال: خرجت في صبابة من أفناء قريش وقبائل العرب ذوي شارة حسنة، ترتمي بنا المهاري بأكسائها القيروانات، على فتو البغال عليها العبدان تقود جياد الخيل، نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام.

فاخروط بنا السير في حمّارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وسالت المياه، وأذكت الجوزاء العزاء، وذات الصيهد، وصر الجندب، وضاف العصفور الضب في وجاره، قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في صنوج هذا الوادي، فإذا واد قد بدا عن يميننا، كثير الدغل، دائم الغلل، أشجاره مغنة، وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا في أصول دوحات كنهيلات متهدلات، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها بالماء البارد. فإنّا لنصف حر يومنا ومصاولته ومطاولته إذ صر أقصى الخيل بأذنيه، وفحص الأرض بيديه، ثم ما لبث أن جال فال، وفعل فعله الذي يليه واحدا إثر واحد، فارتدّت الخيل وتقهقرت البغال، وتكعكعت الإبل، فمن نافض لشكاله، وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا، وأنه السبع، ففزع كل منا إلى سيفه فاستله من جربانه، ثم وقفنا له رزدقا، فأقبل يتطالع في مشيته كأنه مجنوب في هجار، لبلاعيمه غطيط، ولصدره نحيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنه يحبط هشيما، أو يطأ صريما. وإذا هامة كالمجن، وخذ كالمسن، وعينان سجروان، كأنهما سراجان يتّقدان، وكتد مغبط، وزور مفرط وقصرة ربلة، ولهزمة رهلة، وعضد مفتول، وساعد مجدول، وكف خشنة البراثن، إلى مخالب كأنها المحاجن. ثم كشر فأفرج، وزأر فأرهج، ونهم فبربر، ونحط

فجرجو، فاستقدم تخال البرق تتطاير من خلال جفونه، من عن شماله ويمينه، فلا وذي بيته في السماء، ما اتقيناه إلا بأخ لنا من فزارة، ضخم الجزارة، فوقصه وقصة مفظعة، فتفضفض متنه، وبقر بطنه، وجعل يلغ في دمه.

فذمرت أصحابي، فبعد لأي ما أجابوا، فهجهجنا به، فكر مقشعرا زئيره، كأن به شيهما حوليا، فاختلج من دوني رجلا أعجز ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت منها الأوصال، فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وانخزلت المتون، ولصقت البطون وساءت الظنون، هناك ابتلى المؤمنون، ثم قال:

عبوس شموس مصلخد مكابرجريء على الأقران للقرن قاهر
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
براثنه شثن وعيناه في الدجىكجمر الغضا في وجهه الشر ظاهر
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
يدل بأنياب حداد كأنهاإذا قلص الأشداق عنها خناجر
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

فقال عثمان: أسكت، أسكت الله نأمتك، فقد خشيت أن يثب عليّ.

عارض أسد رفقة، فخرج إليه رجل فاختطفه وبرك عليه، فهاجوه ثم قالوا للرجل: ما حالك؟ قال: لا بأس علي، ولكن سلح الأسد في سراويلي.

قد يجيء الأسد إلى قلس السفينة بالليل فيتشبث به، فيحسب الملاحون أنه التف على شجرة أو صخرة، فيذهب المداد ليخلّصه، فيتمدد الأسد ويلتصق بالأرض ويغمض عينيه ليخفي وميضهما. فإذا دنا وثب عليه

فحطمه، فلا يكون للملاحين هم إلا العبور والفرار.

بنو أسد حراص على أكل الكلاب، وقد أكل أسدي جرو كلب، فقيل له: أتأكل الكلب وقد قيل فيكم:

إذا أسدي جاع يوما ببلدةوكان سمينا كلبه فهو آكله

فقال:

رضينا بحظ الليث طعما وشهوةفسائل أخا الحلفاء إن كنت لا تدري

وذلك أن الأسد أحرص شيء على لحم الكلاب، وقيل لا يحرص على أكل الكلاب حبا للحمه، ولكنه يقصد القرية أو الصرم ليتطرف من النعم، فتنبح الكلاب فتهيج الناس، فيحرص عليها حنقا وغيظا.

الأسد لا يدنو من النار، ولا يأكل الحار ولا الحامض وكذلك أكثر السباع.

وتقول الروم: إن الأسد يذعر من صوت الذئب، ولا يدنو من المرأة الطامث، وهو قليل الشرب للماء. وثلاثة من الحيوان ترجع في فيئها، الأسد والكلب والسنور، وأربع أعين تضيء بالليل. عين الأسد والنمر والسنور والأفعى.

السباع العادية تصاد بالمغويات وهي آبار تحفر في أنشاز من الأرض، ولذلك يقال: قد بلغ السيل الزبى.

الأسد والنمر متعاديان، وأما الببر فلا يعادي واحدا منهما لسلامة ناحيته وقلة شره، وهما لا يعرضان له لما يعرفان من عجزهما عنه.

الهند أصحاب الببور والفيل، كما أن النوبة أصحاب الزرافات دون غيرهم من الأمم. وأهل غانة تكثر النمور في بلادهم، ولذلك كان

لباسهم جلود النمور.

أشراف السباع ثلاثة الببر والأسد والنمر، وأشراف البهائم ثلاثة الكركدن والفيل والجاموس.

الأسد يأكل الملح على سبيل التملّح والتحمض كالفرس. لا شيء أشد حضرا من الأسد يمشي ثلاثين فرسخا في ليلة لطلب الملح.

شاعر:

الليث ليث وإن جزّت براثنهوالكلب كلب وإن طوقته ذهبا

الذئب يأتي الجمل فيقبض بفقميه على حجامي عينه فيلحس عينه بلسانه حاسيا فكأنما قورت عينه تقويرا لما أعطي من قوة النفس، ولسانه أشد بريا للحم والعصب من لسان البقر للخلي. وليس في الأرض يعض على عظم إلا ولتكّسر العظم صوت بين لحييه إلا الذئب، فإن لسانه يبري العظم بري السيف ولا يسمع له صوت. كما قال الزبير بن عبد المطلب:

وينهي نخوة الجهال عنيغموض الحد ضربته صموت

وفي أمثالهم: ضربه ضربة كأنما أخطأه، يريدون سرعة المر.

إذا دمي الذئب وثب عليه صاحبه فأكله. وربما رأيت الذئبين متساندين على من يتعرضان له، فإذا أصاب أحدهما خدشة أنحى عليه صاحبه وترك التعرض له.

وإذا دمي الإنسان فشم الذئب منه رائحة الدم، لم ينج منه، وإن كان أشد الناس قلبا وأتمهم سلاحا.

والببر إذا دمي استكلب حتى خافه السباع.

والحية إذا خدشت طلبها الذر فلا تكاد تنجو منه.

وإذا عض الإنسان الكلب طلبه الفأر فبال عليه، وفيه هلكته، فيحتال له بكل حيلة وإذا أغد البعير طلبته القردان.

في صفة الذئب:

هو الخبيث عينه فزارهأطلس يخفي شره غباره
في رأسه شفرته ونارهبهما بنو محارب مزداره

حميد بن ثور:

ترى طرفيه يعملان كلاهماكما اهتز عود الساسم المتتابع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقيبأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

يزعمون أن النمرة لا تضع ولدها إلا وهو متطوق بأفعى، وأنها تعيش وتنهش إلا أنها لا تقتل.

خلا معاوية بجارية له خراسانية، فلما همّ بها نظر إلى وصيفة له مقبلة، فتركها وخلا بالوصيفة. ثم قال للخراسانية: ما اسم الأسد بالفارسية؟ قالت: كفتار. فخرج وهو يقول: أنا الكفتار. فقيل له: يا أمير المؤمنين، الكفتار الضبع، فقال: قاتلها الله! أدركت ثأرها. والفرس إذا استقبحت صورة قالت: روى كفتار.

كتب عمر بن يزيد بن عمير الأسدي إلى قتيبة بن مسلم حين

عزل وكيع بن أبي سود عن رئاسة بني تميم وولاها ضرار بن حصين الأسدي: عزلت السباع ووليت الضباع.

سئل أبو هريرة عن الضبع، فقال: الفرغل؟ تلك نعجة من الغنم. يعني أنها حلال الأكل، وهو مذهب الشافعي ﵀. وعند أبي حنيفة لا تحل لأنها سبع كالذئب.

زعموا أن الطبع تكون عاما ذكرا وعاما أنثى.

لا يعرف الإلتحام عند السفاد إلّا في الكلاب والذئاب. وإذا هجم الصائد على الذئب والذئبة متسافدين قتلهما كيف شاء.

وحدث الجاحظ عن أحمد بن المثنى قال: كنت في بعض صحاري جوخى إذ عرض لي ذئب فلم يزل يراوغني حتى ديرني وأيقنت بالهلكة، إذا ذئبة مستسفدة، فما تلعثم أن ركبها وتركني. فلما تلاحما مشيت إليهما بسيفي حتى قتلتهما، وكان ذلك من صنع الله تعالى وتأخر الأجل.

قال المنتجب محمد بن أرسلان في صفة أهل الزمان:

هم ما هم سباع ضارياتوتأبى أن تشاكلها السباع

فأجابه عبد الله الفقير إليه:

هم شرّ السباع فلا ذئابمكلحة الوجوه ولا ضباع
هم ضرر أناخ بغير نفععليك وربما نفع السباع
معلمها يحوش عليك صيداونفسك بينهم صيد شعاع
فيا نهشا بأنياب وفرساتحلّم عنده العبس الجياع

الأسد لا يثب على الإنسان للعداوة ولكن للطعم، ولو مر به وهو شبعان لم يعرض له.

الفهد أنوم الخلق، وأما الكلب فنومه نعاس، ونومة الفهد مصمت، قال حميد بن ثور.

ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظةأكلت طعاما دونه وهو جائع
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

ويقال إن السباع تشتهي ريحه تستدل بريحه على مكانه، وتعجب بصوته فتصغي إليه إصغاء شديدا. وقد علم شهوة الأسد والنمر السباع لريحه فلا يكون على علاوة الريح. وإذا اصطيد مسنا كان أنفع في الصيد لأهله من الجرو الذي يربونه. لأن الجرو يخرج خبا، ويخرج المسن على التأديب صيودا غير خب ولا مواكل.

وتعتقد العامة أن الفهود مسخ اليهود، والصبيان يصيحون بالفهد يا يهودي. والصائد يشد وراءه شدا حتى ينبهر ويحفى فيأخذه. فإذا أخذه غطى عينيه وأدخله في وعاء، ثم أدخله بيتا مظلما ووضع عنده مصباحا، ولازمه الليل والنهار، ولم يدعه يرى الدنيا، وهيأ شيئا كظهر الدابة وأخذه بركبوبه. وأطعمه بيده حتى يستأنس. وإناث الفهود أصيد، وكذلك إناث عامة الجوارح.

الثعلب يعلم أن تماوته يجوز على الصائد ولا يجوز على الكلاب فإذا أحس بصائد استلقى ونفخ خواصره حتى لا يشك أنه ميت فيجوزه، فإذا أحس بالكلب وثب كأنه البرق، لأن الكلب لا يخفى عليه الميت من المغشي عليه من المتماوت، ولذلك لا يحمل من مات من المجوس إلى الناووس حتى يدني منه كلب فيعمل ما يستدل به على حاله.

وقد يتماوت الكلب، قال بعضهم: رأيت جروا مهزولا ضربه الصبيان وعقروه، فتمدد لهم كالميت، فضربوه بأرجلهم فلم يتحرك حتى

أيقنوا بالموت فخلوه. فنظرت فإذا هو قد فتح عينيه وتأمل، ثم وثب وهرب.

وسلاح الثعلب سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى، فإذا تعرض للقنفذ، ولقيه شوكه واستدار كالكرة سلح عليه، فانسدخ مما يغشى عليه من نتن سلاحه، فعندها يقبض على مراق بطنه.

وإذا كثرت البراغيث في فروة الثعلب تناول بفيه صوفة، ثم يدخل في الماء قليلا قليلا. والبراغيث ترتفع إلى أن يغمس خطمه، فتجتمع في الصوفة، ثم يرميها في الماء ويثب إلى الشط.

ربما كانت الأرض ملبسة بالجليد، مغطّاة بالثلج، والكلّاب العاقل المجرب لا يدري أين مكان الوحش، فلا يزال يتبصر ويتشمم حتى يقف على أفواه الحجرة ويثير الذي فيها.

أبو عبيدة: خرج رجل إلى جبانة بلده مع أخيه وجار له ينتظر الرفاق وتبعه كلب له. فضربه ورماه بحجر فلم ينته، فلما قعد ربض بين يديه، وجاء عدو له يطلب بطائلة، فجرح جراحات، وطرح في بئر قريبة القعر، وحثي عليه التراب، وقد فر أخوه وجاره، والكلب ينبح حوله. ثم أتاه عند انصراف العدو وكشف التراب عن رأسه حتى تنفس، ومر ناس فاستشالوه وأدوه إلى أهله، وسمي الموضع ببئر الكلب، وقيل في ذلك:

يعود عنه جاره وشقيقهوينبش عنه كلبه وهو ضاربه

اقتنى رجل جروا ثم غاب عنه سنة ورجع وهو كلب شاغر، فعرفه وتبصبص حوله، وصاح صيحة السرور بقدومه، وكان يثب على كل أحد ويتوعده، وقد زجره صاحبه عن صديق له ثلاث مرات، فاستثناه بعد

ذلك عن الناس فلم يهر عليه.

الكلبة تحيض في كل سبعة أيام، وأكثر ما تضع اثنا عشر جروا وذلك في القرط، والغالب خمسة أو ستة، وربما وضعت واحدا.

ويعيش الكلب في الأكثر أربع عشرة سنة، وربما بلغ عشرين سنة. وللكلب ثلاثة أصناف من المرض: الكلب، والذبحة، والنقرس.

ويكنى أبا خالد، قال ابن الرومي:

أخالد لا تكذب فلست بخالدبزعمك بل أنت المكنى بخالد
وللكلب خير منك لؤمك شاهديعليه وما دهري بإبعاد شاهدي

آخر:

هو الكلب إلا أن فيه ملالةوسوء مراعاة وما ذاك في الكلب

كان يقال لمالك بن مسمع ابن قتيل الكلاب لأن أباه مسمع بن سنان لجأ في الردة إلى قوم من عبد القيس، فكان كلبهم ينبح، فخاف أن يدل على مكانه فقتله، فقتل به.

قال بعضهم:

تعدو الذئاب على من لا كلاب لهوتتّقي مربض المستأسد الحامي
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «تعدو الذئاب على من لا كلاب له»

وعن عمر بن أبي ربيعة أنه عرض لبعض الحواجّ، فلما أرادت الطواف استصحبت أخا لها فتمثلّت به.

يقال: عليه واقية كواقية الكلاب للّئيم تطول سلامته، قال دريد ابن الصمة حين ضرب امرأته بالسيف فسلمت:

وأبقاهن أن لهنّ لؤماووافية كواقية الكلاب

محمد بن الجهم: دعاني المأمون يوما فقال: قد نبغ لك أخ بقول الشعر فأنشدني له، فلم أذكر ألا قوله في الكلب:

أوصيك خيرا به فإن لهسجية لا أزال أحمدها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
يدل ضيفي علي في غسق الليل إذا النار نام موقدها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

فقال: أحسن الموصي بالكلب، وأمر لي بمال.

وكانت العرب تسمي الكلب داعي الضمير، وهادي الضمير، وداعي الكرم، ومتمم النعم، ومشيد الذكر، لما يجلب من الأضياف بنباحه. والضمير الضيف الغريب، من أضمرته البلاد إذا غيبته. وكانوا إذا اشتدّ البرد وهبت الرياح ولم تثبت النيران فرقوا الكلاب حوالي الحي، وجعلوا لها مظال وربطوها إلى العمد لستوحش فتنبح فتهدي الضلّال.

وصف للمتوكل كلب بأرمينية يفترس الأسد، فأرسل من جاء به. فقال له الطريحي. يا أمير المؤمنين، هنأك الله بما خصك به من نيل مباغيك، وإدراك محابيك، فما شيء يصغر مع طلب أمير المؤمنين عن أن يهنأ به، أو يرغب إلى الله في زيادته.

فقال المتوكل: هو لك جزاء عن هذه التهنئة، فبعه مني بحكمك.

فباعه منه بألفي دينار. فألقاه على أسد فتواثبا وتناهشا حتى وقعا ميتّين.

كلب القصاب يشبه به الفقير يجاور الغني، فيرى من نعيمه وبؤس نفسه ما يفت كبده، ويقال: كلاب القصابين أسرع عمى من غيرها بعشر سنين.

خرج المهدي يوما يتصيّد فصاد ظبيا، ورمى علي بن سليمان

فأصاب كلبا، فضحك المهدي، وقال لأبي دلامة: قل. فقال:

قد رمى المهدي ظبيارمية شك فؤاده
وعلي بن سليمان رمى كلبا فصاده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»
فهنيئا لهما كل امرىء يأكل زاده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»

فأمر له بعشرة آلاف.

شاعر:

تخيرت من الأخلاق ما ينفي عن الكلب
فإن الكلب مجبول على النصرة والذب
وفي يحفظ الدار وينجيك من الكرب
فلو أشبهته لم تك طاعونا على القلب

كان لأعرابي بنيان، أحدهما مستهتر بالكلاب والثاني بالحملان، فقال:

مالي أراك مع الكلاب جنيبةوأرى أخاك جنيبة الحملان

فأجابه:

لولا الكلاب وهرشها من دونناكان الوقير فريسة الذؤبان

قيل لرجل: ما با الكلب يشغر إذا بال؟ قال: يخاف تتلوث دراعته. قيل: أو للكلب دراعة؟ قال: هو يتوهم أنه بدراعة.

الخنزير يحتمل من السهم النافذ والطعن الجائف ما لا يحتمله غيره. والخنفساء في ذلك أعجب. وكذلك الضب.

رأى أحدهم أثر ست أرجل في مواضع كثيرة، فقال: ما أعرف

دابة لها ست أرجل، فسأل عن ذلك، فقيل له: إن الخنزير يركب الخنزيرة وهي ترتع، فربما قطعت أميالا ويداه على ظهرها ورجلاه خلف رجليها.

المهاجر بن حبيب يكره الضحك في موطنين: عند اطلاعك في القبر فإنه مدخل عظيم، وعند رؤية القردة لأنهم كانوا عبادا لله فمسخوا.

التفت ابن الرومي يوما إلى أبي الحسن الأخفش وهو يحكي مشيته، فقال:

هنيئا يا أبا حسن هنيئابلغت من الفضائل كل غاية
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «هنيئا يا أبا حسن هنيئا»
شركت القرد في قبح وسخفوما قصرت عنه في الحكاية

- وله:

ليتهم كانوا قرودا فحكواشيم الناس كما تحكي القرود
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «طرقت أسماء والركب هجود»

الدب يقيم أولاده تحت شجرة الجوز فيصعد ويرمي بالجوز إليها إلى أن تشبع، وربما قطع من الشجرة الغصن العبل الضخم الذي لا يقطع إلا بالفأس والجهد، ثم يشد به على الفارس فلا يصيب منه شيئا إلا هتكه.

الدبة تضع ولدها كندرة لحم غير متميزة الجوارح. فهي تخاف عليه الذر، فلا تزال رافعة له في الهواء أياما حتى يشتد وتفرج أعضاؤه.

الوعل يأكل الحيات والأفاعي أكلا ذريعا، وقد يجد القناص رؤوسها ناشبة الأسنان في عنقه وجلد وجهه، لأنه إذا هم بأكلها بدرته فعضته وهو يأكلها، فتبقى الرؤوس معلقة به. ويصيبه العطاش العظيم عند أكلها.

وعن داود ﵇: شوقي إلى المسيح مثل الأيّل الذي أكل الحيات فاعتراه العطش الشديد، تراه كيف يدور حول الماء.

وليس من الدواب شيء ينصل قرنه كل عام إلا الوعل، فإذا علم أنه غير ذي قرن عديم السلاح لم يظهر مخافة السباع. فإذا نجم قرنه لم يجد بدا من أن يمضغه ويعرضه للشمس والريح. فإذا اشتد ظهر.

ويبقى في مكان واحد إلى أن يشتد قرنه يركبه الشحم ويسمن فيكثر من الجولان والتردد حتى يذهب شحمه ويشتد لحمه، ويحتال في التحفظ من السباع عند ذلك. فإذا كان صدعا برز وأمن. قال عصام بن زفر:

ترجو الثواب من صبيح يا جملقد مصه الدهر فما فيه بلل
إن صبيحا ظاعن محتملفلائذ منك بشعب من جبل

كما يلوذ من أعاديه الوعل

أحضر جعفر بن سليمان على مائدته بالبصرة يوم زاره الرشيد ألبان الظباء وزبدها وسلاها ولبأها، فاستطاب الرشيد طعومها، فسأل عنها، فأمر جعفر غلمانه فأطلقوا عن سرب من الظباء ومعها الخشفان حتى مرت تجاه الرشيد، فاستخفه الفرح والتعجب، فقال جعفر: هي من حلب هذه الظباء. وكان جعفر قد أخذها وهي صغار فرباها حتى تناتجت عنده.

والظبي يخضم الحنظل خضما ويمضغه وماؤه يسيل من شدقيه، وأنت تتبين فيه الاستلذاذ والاستحلاء لطعمه، ويرد البحر فيشرب الماء الإجاج، كما تغمس الشاة لحيها في الماء العذب. فأي شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر ويستحلي مرارة الحنظل؟.

أنشد الجاحظ:

إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهمقياما بأيديهم مسوك الأرانب

أي لا كسب لهم إلا صيد الأرنب وبيع جلدها.

يقال للأرنب مفزعة الجن. أي أنها تحيض فلا يقربها. ومن شأنها إذا طلبت أن تقلب أكفها فتطأ على مآخيرها لئلا يقتص أثرها. وهو توبيرها، يقال: وبرت الأرنب، وهو من الوبر، لأنها تمشي على وبر أكفها.

يقال للسنور أبو سعد، وعطسة الأسد. لأنهم يزعمون أن أصحاب السفينة تأذوا بالفأرة، فأخرج الله من عطسة الأسد السنور فأفناه.

الهر يجمع العض بالناب والخمش بالمخالب، لأنه يجمع الأنياب والمخالب. وليس كل سبع كذلك. وهو يناسب الإنسان فيعطس، ويتمطى، ويغسل وجهه بلعابه، ويلطع وبر ولده حتى يصير كأن الدهن يجري في جلده.

السنانير يترددن صارخات في طلب السفاد، فكم من حرة خجلت، وذي غيرة هاجت حميته، وعزب حرك منه شبقه. والسنور يألف الدار. والكلب يألف أهل الدار. وهو ضعيف الهامة وهي من مقاتله، وفوه كفم الكلب، وهو طيب النكهة. والفتيات يقبلن السنانير ويخبرن عن طيب أفواهها.

قال السندي بن شاهك: ما أعياني أحد من التجار إلا باعة السنانير يأخذون السنور الأكال للفراخ، العباث في الطيور، الوثاب على الأقفاص، فيدخلونه في دن ويشدون رأسه، ثم يدحرجونه حتى يغلبه الدوار، ثم يدخلونه في قفص فيه الطير، فإذا رآه المشتري رأى شيئا عجبا، وظن أنه ظفر بحاجته. فإذا مضى به إلى البيت تبين أنه اشترى شيطانا يأكل طيره وطير جيرانه، ولا يبقى ولا يذر.

وزعموا أن كل من أكل هرا أسود لم يعمل فيه سحر. وزعموا أن السكينة التي في تابوت موسى رأس هرّ.

والهرة تحمل خمسين يوما.

سنور عبد الله مثل في مرجو في صغره فإذا شب تراجع. ومن أمثال العامة: السنور في صغره يباع بدرهم فإذا كبر بيع بثلث درهم.

قال بشّار:

كسنور عبد الله بيع بدرهمصغيرا فلما شبّ بيع بقيراط

أبو بكر العلاف في مرثية الهر:

يا من لذيذ الفراخ أوقعهويحك هلا قنعت بالغدد
أطعمك الغي لحمها فرأىقتلك أربابها من الرشد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
ولم تزل للحمام مرتصداحتّى سقيت الحمام بالرصد
ما كان أغناك عن تسوّركالبرج ولو كان جنة الخلد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
لم يرحموا صوتك الضعيفكما لم ترث منها لصوتها الغرد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
أذاقك الموت من أذاق كماأذقت أطياره يدا بيد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
لا بارك الله في الطعام إذاكان هلاك النفوس في المعد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
عاقبة البغي لا تنام وإنتأخرت مدة من المدد
كم أكلة أدخت حشا شرهفأخرجت روحه من الجسد
إن الزمان استفاد منك ومنيظلم بعين الزمان يستفد

قد جعل الله في طبع الفيل الهرب من السنور والوحشة منه.

وحكي عن هارون مولى الأزد، الذي كان يرد على الكميت ويخفر بقحطان وكان شاعر أهل المولتان، أنه خبأ معه هرا تحت حضنه،

ومشى بسيفه إلى الفيل والسيف في خرطومه، والفيالون يذمرونه، فلما دنا منه رمى بالهر في وجهه، ففر هربا وتساقط الذين على ظهره، وكبر المسلمون، وكان سبب الهزيمة.

الفيلة تضع لسبع سنين ولدا مستوي الأسنان، فيحتالون لأخذ ذلك الولد، فيعيش عندهم ثمانين سنة إلى المائة، وعمر الوحشية أطول.

وإذا احتمت المرأة من نجوها مع العسل لم تحبل أبدا، وإذا علق على شجرة لم تحمل في تلك السنة.

ويزعمون أن الغوغاء إذا صاحوا بها: يا حجام بابك! غضبت وركلت الصائح، ولا غرو أن تفهم ذلك كما يفهم كثير من الحيوان اسمه وما يخاطب به.

ويعملون من جلد الفيل ترسا، فيكون أصلب من كل ترس.

طرف لسان الفيل إلى داخل، وأصله إلى خارج، بخلاف جميع الحيوان. وتقول الهند لولا أن لسان الفيل مقلوب لتكلم إذا لقّن.

لا ثدي لحيوان في صدره إلا الإنسان والفيل.

والفيل أضخم الحيوان وأعظمه جرما، وما ظنّك بخلق ربما كان في نابيه أكثر من ثلاثمائة من وهو مع ذلك أملح وأظرف وأطرب من كل خفيف الجسم رشيق، حتى فضل في رشاقته على الببغاء، وهو من أعجب العجب. وربما مر الفيل مع عظم بدنه خلف القاعد فلا يشعر بوطئه، ولا يحس بممره، لخفة همسه، واحتمال بعض بدنه لبعض.

أركب أبو الجلال الهدادي الفيل أيام الحجاج، فصاح:

الأرض. وأراد أن يرمي بنفسه فرقا حتى أنزلوه، فقال:

وما كنت يوم الفيل فوق مطيةولكن على وطفاء جون ربابها
للشاعر أبو الحلال الهَدادي، اقرأ القصيدة

أنشد ابن الأعرابي:

هو البعوضة إن كلفته كرماوالفيل في كل أمر خالط اللوما

أنشد الجاحظ:

ولو أبصرت السترلوجيهه تهاويل
وفيه الفيل منقوشاوفي مشفره طول
لقالت ابعدوا السترفلا يأكلني الفيل

زعم هارون مولى الأزد أنه مشى إلى الفيل، فلما دنا منه وثب عليه وثبة فتعلق بنابيه، والهند يزعمون أنهما قرناه يخرجان مستبطنين حتى يخرقا الحنك ويخرجا أعقفين، فجال به جولة كاد يحطمه، وكان رجلا أيّدا رابط الجأش، فاعتمد على أصول النابين فانقلعا من أصلهما، وأدبر الفيل، وبقي القرنان في يده، وكانت الهزيمة. وأنشأ يقول:

ولما رأيت السيف في رأس هضبةكما لاح برق من خلال غمام
للشاعر هارون مولى الأزد، اقرأ القصيدة
تغامسته حتى لزقت بصدرهفلما هوت لازمت أي لزام
للشاعر هارون مولى الأزد، اقرأ القصيدة
وعذت بقرنيه أريد لبانةوذلك من عادات كل محامي
للشاعر هارون مولى الأزد، اقرأ القصيدة
فجال وهجيراه صوت مخضرموأبت بقرني يذبل وشمام
للشاعر هارون مولى الأزد، اقرأ القصيدة

خرطوم الفيل أنفه، وبه يوصل الطعام إلى جوفه، وبه يقاتل،

ومنه يصيح، وصياحه ليس في مقدار جرمه، ويضرب به الأرض، ويرفع به إلى السماء، وهو مقتل من مقاتله، وهو جيد السباحة، وإذا سبح رفعه صعدا، كما يغيب الجاموس جميع بدنه إلا منخريه. ويقوم خرطومه أيضا مقام عنقه. والخرق الذي فيه لا ينفذ، وإنما هو وعاء إذا ملأه من طعام أو ماء أو لجه فيه، لأنه قصير العنق لا ينال ماء ولا مرعى.

وللبعوضة خرطوم إلا أنه أجوف، فإذا طعنت به في جلد فاسقت الدم قذفت به إلى جوفها، فهو لها كالبلعوم.

أبو الشمقمق:

يا قوم أني رأيت الفيل بعدكمفبارك الله لي في رؤية الفيل
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «يا قوم اني رايت الفيل»
رأيت بيتا له شيء يحركهفكدت أصنع شيئا في السراويل
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «يا قوم اني رايت الفيل»

الزندبيل مختلف فيه، بعضهم يجعله نوعا فيقول: الفيلة نوعان، فيل وزندبيل، كالبختي والعربي، والجاموس والبقر، ويجعله بعضهم الذكر منها، ويعضهم الأنثى، وبعضهم العظيم منها.

إذا اغتلم الفيل لم يكن لسوّاسه هم إلا الهرب بأنفسهم، وربما رجع وحشيا. وقد اغتلم فيل لكسرى فلم يقم له شيء، حتى دنا من مجلس كسرى فأمتنع عنه كل من معه إلا رجل من خواصه شد عليه بطبرزين في يده، فضربه في جبهته ضربة غاب فيها، فصدف عنه. فقال له كسرى: ما أنا بما وهب الله لي من الحياة على يدك بأسر مني بالذي رأيت من الجلد والوفاء، وحين لم تخطىء فراستي فيك، ولم يزل رأيي فيك إذا اختصصتك.

الجاحظ: وقد رأيت أنا في عين الفيل صحة الفهم والتأمل، وما شبّهت نظره إلا بنظر ملك عظيم الكبر راجح الحلم.

وقال سهل بن هارون:

إذا ما رأيت الفيل ينظر قاصداظننت بأن الفيل يلزمه الفرض

الفيل ضئيل الصوت ليس صوته على قدر جرمه.

وعن جابر الجعفي: رأيت الشعبي خارجا، فقلت: إلى أين؟

قال: أنظر الفيل. فأتى الحيرة فنظر إليه.

كما يبصبص الكلب بذنبه إذا ألقيت إليه الكسرة كذلك الفيل إذا قدم إليه علفه تمسح وتملق.

ومن أعاجيب الفيل أن سوطه الذي يحث به ويضرب محجن حديد، أحدّ طرفيه في جبهته والآخر في يد راكبه، فإذا أراد منه شيئا غمزه في لحمه.

أول شيء يؤدبون به الفيل ويعلمونه السجود للملك. خرج كسرى أبرويز لبعض الأعياد، وقد صفوا له ألف فيل، وقد أحدقت به وبها ثلاثون ألف فراس، فلما بصرت به الفيلة سجدت له، فما رفعت رؤوسها حتى جذبت بالمحاجن وراطنها الفيالون.

الفيل يعرق عرقا غليظا غير سائل، أطيب رائحة من المسك، وربما وجد الناس في بيوتهم جرذا أسود يجدون منه ريح المسك. وقيل هو الذي يخبّىء الدراهم. ولا تعرض لعرق الفيل تلك الريح إلا في بلاد خاصة.

عظام الفيل كلها عاج، إلا أن جوهر نابه أكرم وأثمن. ولولا شرف العاج وقدره لما فخر الأحنف بن قيس على أهل الكوفة في قوله:

نحن أكثر منكم عاجا وساجا وديباجا وخراجا.

كنية الفيل أبو الحجاج، وكانت كنية محمود فيل الحبشة أبا العباس.

لسان الفيل صغير بالقياس إليه وقليلا ما يدلعه.

قال أبو علي بن سيناء: رأيت الفيل نزا على الفيل بجرجانية خوارزم، فألصق نابه بكفلها واستعان به حتى علاها فضربها.

ولا عادة للفيل في السفاد في غير بلاده. ومن غريب ما رأيت هناك أن الأسد المجلوبة إليها كانت تتسافد وتلد، وكذلك الفهود.

عنبسة الفيل النحوي سمي بذلك لأن معدان أباه كان يروض فيلا للحجاج. فلما أنشد عنبسة هجاء جرير للفرزدق قال الفرزدق:

لقد كان في معدان والفيل زاجرلعنبسة الراوي عليّ القصائدا

جرى عليه النّبز.

وقيل لغيلان الراجز راكب الفيل، ولسعدوية الطيوري عين الفيل لأن الحجاج كان يحسبهما عليه. فإذا سمي أهل البصرة إنسانا بفيل فصغروه قالوا: فيلويه، كما يجعلون عمرا عمروية وحمدا حمدوية.

الطرماح في صفة ثور وحش:

يبدو وتضمره البلاد كأنهسيف على شرف يسل ويغمد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

ابن عرس صعب وحشي لا يكاد يتدرب، وهو مع ذلك يصيد لصاحبه العصافير، يقابل به بيت العصفور فيلج عليه فيأخذه وفراخه ولا يقتله حتى يأخذه منه، ولا يزال كذلك ولو طاف به على ألف جحر.

القنفذ وابن عرس إذا ناهشا الأفاعي والحيات تعالجا بأكل السعتر البري.

الكركدنة تكون نزورا، وأيام حملها كأيام حمل الفيلة، ولذلك قل هذا الجنس. وما من حيوان إلا وهو ناقص عند غايته النقص الفاحش.

وتزعم الهند أنه إذا كان ببلاد لم يدع فيها شيئا من الحيوان حتى يكون بينه وبينه مائة فرسخ من جميع جهات الأرض هيبة له وهربا منه. ويسمى الحمار الهندي. وله قرن واحد في وسط جبهته. ويزعمون أنه يخرج رأسه من بطن أمه فيأكل من أطراف الشجر، فإذا شبع أدخل رأسه. ويزعمون أنه ربما نطح الفيل فرفعه بقرنه، فلا يشعر بمكانه حتى يتقطع على الأيام.

قالوا في قرن الكركدن إن غلظه يبلغ شبرين، وليس بطويل جدا، وهو محدد الرأس شديد الملاسة في مدمج صلب لا يمتنع عليه شيء. وإذا قطعوه ظهرت في مقاطعه صور عجيبة.

إذا اجتمع في الفيل أن يكون وحشيا ومغتلما لم يقم له شيء إلا الكركدن، وإنه ليهجم عليه فيحجم عنه حتى تذهب عنه سكرة الغلمة فلا يطور طواره ولا يحل بأداني أرضه.

في أعلى بلاد النوبة تجتمع السباع والوحوش والدواب

الكثيرة، وذلك في حمارة القيظ إلى شرائع المياه فيتسافدن، فمن ذلك الزرافة وفلفل وقيل هي ولد النمر من الجمل.

ابن عرس أشد عداوة للفأر من السنور، والشاة أشد فرقا من الذئب منها من الأسد والنمر والببر، مع كون هؤلاء أقوى عليها.

والحمام أفرق من الشاهين منه من الصقر والبازي.

وإذا نبح كلب على رجل بالليل وألح عليه، ولا حارس ولا سبيل إلى الفوت، فدواؤه أن يقعد بين يديه مستخذيا مستسلما، فإنه إذا رآه كذلك شغر عليه ولم يهجه، كأنه حين رآه تحت قدرته أراد أن يسمه بميسم ذل، كما يجز الآسر ناصية الأسير.

يرى الكلب العظم المدملج فيعلم أنه إن عضه رضه وإن ابتلعه استمرأه.

كان في بني ضبة كلب زبني يوضع السراج على رأسه، وهو منتصب على عجب ذنبه معلق يديه، فيدعى باسمه ويلقى له اللحم فلا يتحرك، فإذ أخذ عنه السراج وثب على اللحم، ويعلق في عنقه المكتل وتوضع فيه الرقعة فيمضي إلى البقال ويأتي بالحاجة. ويطحنون عليه، فإذا فرغ من طحنه مضى إلى المتمعك فتمعك فيه كحمار الطحان.

تلقح الكلبة من كلاب مختلفة الألوان، وتأتى بالجراء على شيات مختلفة، وتلقح أيضا من غير الكلب، وليس ذلك إلا لأرحام الكلاب.

أبو السري المحبي في دليل بن إسماعيل:

أيها المبتلي بحب كلابلا يحب الكلاب غير الكلاب
لو تعريت بينها كنت منهاإنما فقتها بلبس الثياب

رفع إلى الحسن بن سهل أن الدواب وبئت، فوقّع: تقتل الكلاب، فقال أبو العواذل.

له يومان من خير وشريسل السيف فيه من القراب
فأما الجود منه فللنصارىوأما شرّه فعلى الكلاب

وفرط الناس في قتلها فأكلت لحوم الدواب فكلبت على الناس، واضطروا إلى قتلها، وعلموا الصواب في توقيع الحسن.

تكون بالبادية دابة من جنس السباع، دقيقة الخطم، على قدر ابن عرس، تدنو من الناقة وهي باركة ثم تثب فتدخل حياءها فتندمس فيه حتى تصل إلى الرحم فتجذبها، وتسقط الناقة ميتة. ويزعمون أنه شيطان، وقلّ ما ترى، واسمها العنزة.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.