من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب التسعون الهدية، والرشوة، وما جاء في الاهداء والاستهداء، وذكر من ارتشى في الحكم وغيره
أهدى رسول الله ﷺ إلى عمر هدية فردها، فقال: يا عمر، لم رددت هديتي؟ قال: لأني سمعتك تقول: خيركم من لم يقبل شيئا من الناس. فقال: يا عمر، إنما ذاك ما كان عن ظهر مسألة، فأما ما أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك.
قالت أم حكيم الخزاعية: قلت للنبي ﷺ: أتكره رد اللطف؟
قال: ما أقبحه؟ لو أهدي إلى ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت.
قالت: وسمعته يقول: تهادوا فإنه يورث الحب، ويذهب بغوائل الصدر.
ابن عباس رفعه: ما أهدى المسلم لأخيه أفضل من كلمة حكمة، يزيده الله بها هدى، ويرده بها عن الردى.
- وعنه رفعه: نعمت العطية، ونعمت الهدية كلمة حكيمة تسمعها فتنطوي عليها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلمه إياها.
الحسن: تهاديتم الأطباق ولم تتهادوا النصائح.
الجاحظ: ما استعطف السلطان، ولا استرضى الغضبان، ولا
استلّت السخائم، ولا استدفعت المغارم بمثل هذه الهدايا.
في نشر المهاداة طي المعاداة.
التهادي سنة متقبلة، ومكرمة متقيلة.
عائشة: اللّطفة عطفة تزرع في القلوب المحبة.
- وعنها: كان رسول الله يقبل الهدية، ويثيب عليها ما هو خير منها.
وعنه ﵇: الهدية رزق من الله، فمن أهدي إليه شيء فليقبله.
- وعنه: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة.
- وعنه: تهادوا تحابوا.
قدم غلام لعلي ﵁، فأهدى للحسن والحسين دون ابن الحنفية. فتمثل علي بقول عمرو بن كلثوم:
وما شر الثلاثة أم عمروبصاحبك الذي لا تصحبينا
فأهدى إليه.
الجاحظ:
لو كنت لا أهدي إلى أن أرىشيئا على قدرك أو قدري
لكنت أهدي سدرة المنتهىترفل في أنوابها الخضر
كتب المؤيد إلى المتوكل مع قارورة دهن: إن الهدية متى كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لصقت ودقت كانت أبهى وأحسن. وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أوقع وأنفع.
كتب إبراهيم بن إسماعيل إلى المأمون يوم النيروز: وجهت إلى أمير المؤمنين جام فضة مذهبة، فيها سبع تفاحات من مسك وعنبر ومسك وصندل وكافور وزعفران وعود، وتفاءلت لأمير المؤمنين باجتماعها وفيوح رائحتها أن يملك الأقاليم السبعة، وإن يفوح عدله وحسن سيرته مع رعيته كفيوحها إن شاء الله.
أهدى مرة أبو الهذيل إلى مويس بن عمران دجاجة وصفها له بصفات، ثم لم يزل يذكرها كلما ذكر شيء ما بجمال أو سمن قال أحسن وأسمن من الدجاجة التي أهديتها لكم، وإن ذكروا حادثا قال: كان ذلك قبل أن أهدي لكم الدجاجة بشهر، وما كان بين هذا وبين إهداء الدجاجة إلا أيام قلائل. فسارت مثلا لمن يستعظم شيئا يهديه أو يذكره.
لبعضهم:
وإن امرأ أسدى إلي صنيعةوذكّر فيها مرة للئيم
أهدى رجل إلى امرأة الحارث بن يحامر الأشعري قاضي دمشق هدية، فكلمته حتى قضى له، فقال عبد الملك بن مروان:
إذا رشوة من باب بيت تقحّمتلتسكن فيه والأمانة فيه
سعت هربا منها وولّت كأنهاحليم تنحّى عن جوار سفيه
سفيان الثوري: إذا أردت أن تتزوّج فأهد للأم.
ميمون بن مهران: إذا كانت حاجتك إلى كاتب فليكن رسولك إليه الطمع.
النبي ﷺ: الهدية تجلب السمع والبصر والقلب.
أبو العالية: إذا دخلت الهدية صر الباب وضحكت الأسكفة.
كان ابن عباس يروي: من أهديت إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها. فأهدى إليه صديق ثيابا من ثياب مصر، وعنده قوم، فذكر الخبر فقال: إنما ذلك فيما يؤكل ويشرب، أما في ثياب مصر فلا.
كعب الأحبار: قرأت فيما أنزل الله على أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكيم.
وفي نوابغ الكلم: إن البراطيل تنصر الأباطيل.
شفع مسروق لرجل شفاعة، فأهدى له جارية، فغضب وقال:
لو علمت أن في نفسك هذا ما تكلمت فيها، ولا أتكلم فيما بقي منها أبدا، سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليرد بها حقا، أو يدفع بها ظلما فأهدي له فقبل بذلك السحت، قالوا: ما كنا نرضى السحت إلا الأخذ على الحكم. قال: الأخذ على الحكم كفر.
كان شقيق يقول لجاريته: يا بركة، إن جاءك أصحابي بشيء فخذيه وإن جاءك يحيى بشيء فردّيه. وكان يحيى ابنه قاضيا على الكناسة.
كتب الحمدوني إلى جارية اسمها برهان وقد حج مواليها.
حجوا مواليك يا برهان واعتمرواوقد أتتك الهدايا من مواليك
فأطرفيني مما أطرفوك بهولا تكن طرفتي غير المساويك
ولست أقبل إلا ما جلوت بهثنيّتيك وما ردّدت في فيك
كان إبراهيم بن أدهم إذا أهدي إليه شيء لم يرده، وكأفأ بمثليه، فإذا لم يجد إلا ثوبه خلعه.
شربت الزريقاء جارية ابن رامين الدواء، فأهدى لها ابن المقفع ألف دراجة على جمل قراسية.
عمر ﵁: لا تولوا اليهود والنصارى، فإنهم يقبلون الرشى، ولا تحل في دين الله الرشى، قال الرشيدي: فأصحابنا اليوم أقبل للرشى منهم.
أبو إدريس الخولاني: قال موسى ﵇: يا رب، من يسكن حضيرة القدس؟ قال: الذين لا ينظرون بأعينهم في الزنا، ولا يضعون أموالهم في الربا، ولا يأخذون في حكم الله الرشى.
شاعر:
إذا أتت الهدية دار قومتطايرت الأمانة من كواها
الهدية أجلها أقلها، وأشفها أخفها.
لقلة الهدية معنيان يوحيان القبول، وإن كان لك عند المهدي يد فلا تستنقصها لمزيد، وإن كان مبتدئا فالتفضل لا يستقل.
شاعر:
تفضل بالقبول علي إنّيبعثت بما يقل لعبد عبدك
كاتب: هذا يوم جرت فيه العادة بإلطاف العبيد السادة، وقدر الأمير يجل عما تحيط به المقدرة، وفي سؤدده ما يوجب التفضل ببسط المعذرة، وقد وجهت ما حضر علما بأنه لا يستكثر ما جلّ، ولا يستقل لعبده ما قلّ، فإن رأى أن يتطول بقبول القليل تطوله بإهداء الجزيل فعل.
شاعر:
رأيت كثير ما يهدي قليلالعبدك فاقتصرت على الدعاء
بعث إبراهيم بن المهدي بجراب ملح وجراب أشنان إلى المأمون وكتب: قصرت البضاعة عن بلوغ الهمة، وكرهت أن تطوى صحيفة البر خالية من الذكر، فبعثت بالمبدوء لبركته، وبالمختوم به لنظافته.
كان كل واحد من أبي صالح كاتب الرشيد، وسعدان بن يحيى كاتب زبيدة صاحب مصانعات. فدخل الرشيد يوما عليها فقال: أما سمعت ما قيل في كاتبك:
صب في قنديل سعدان مع التسليم زيتا
وقناديل بنيهقبل أن يخفي الكميتا
إن سعدان بن يحيىقد بنى للقمط بيتا
قالت: ما قيل في كاتبك أشنع، فأنشدته:
قنديل سعدان على ضوئهفرخ لقنديل أبي صالح
تراه في مجلسه أحولامن لمحه للدرهم اللائح
فاستحي الرشيد: ومن ثم قيل: صب في قنديله زيتا إذا رشاه.
وسمّوا المصانعة قندلة، كما تسمى البرطلة. قال:
إذا ما صب في القنديل زيتتحولت القضية للمقندل
فبرطل إن أردت الأمر يمشيفما يمشي إذا ما تبرطل
وقال ابن لنكك:
أراكم تقلبون الحكم قلباإذا ما صب زيت في القنادل
متابعة الأرطال تبطل سورة الأبطال، مثل فيمن ارتشى فسكن.
في بعض الحديث: استدروا الهدايا برد الظروف، إن حبس الظرف ليس من الظرف.
كتب إبراهيم بن المهدي إلى أخ له: لو كانت التحفة على حسب ما يوجبه حقك لأجحف بنا أداء حق من حقوقك، ولكنها على حسب من يخرج من الوحشة، ويوجب الأنس. والسلام.
قدم علي بن عيسى بن ماهان على الرشيد من خراسان، فسأله أن يركب مع خواصه إلى الميدان لينظر إلى هداياه. وقد أمر علي بكنس الميدان وفرشه بالآس والرياحين، وأقام في أحد جانبيه أربعة آلاف غلام تركي، وعليهم اللباس المرتفع والمناطق المعرقة بالفضة، وبيد كل واحد شهري من فره الدواب، كلها مجللة مبرقعة بالديباج، وعلى رأس كل
غلام عمامة من جنس لباسه. وفي الجانب الآخر أربعة آلاف وصيفة تركية، عليهن الديباج والمناطق المعرقة بالذهب، مسبلات الشعور، على كل واحدة تخت ثياب من الملحم الفاخر وغيره. وقد بسط في صدر الميدان بسط عليها الأنطاع صبت عليها الأموال حتى صارت جبلا عظيما، وبحذائها نوافج المسك مثلها.
فلما رجع (الرشيد) فنزل قال: يا جعفر أين كنا عن هذه الأموال قال: يا أمير المؤمنين، أسرك أن أخذ علي بن عيسى أموال الفقراء والأرامل وجاءك بها نارا يتقرب بها إليك؟ والله لتعلمن إذا وضحت الأمور أنك تستوخم فائدتها، ولتنفقن بدل كل درهم دينارا. ثم لا تنجو.
فقال موسى الهادي: عادلت الرشيد حين خرج إلى خراسان، فتنفس تنفسة كادت نفسه تخرج، ثم قال: لله جعفر بن يحيى! وذكر كلمته، وقال: كانت أقوى الأسباب في تغيري للبرامكة. وقد والله أنفقت بدل كل درهم دينارا، وأراني لا أنجو.
أهدى معاوية إلى الدؤلي هدية فيها حلوى، فقالت ابنته:
ممن هذا يا أبه؟ فقال: هذا من معاوية، بعث بها يخدعنا عن ديننا.
فقالت:
أبا لشهد المزعفر يا ابن حربنبيع عليك أحسابا ودينا
معاذ الله كيف يكون هذاومولانا أمير المؤمنينا
بلغ الحسن بن عمارة أن الأعشى يقع فيه ويقول: ظالم ولي
الظالم. فأهدى إليه. فمدحه الأعشى بعد ذلك وقال: الحمد لله الذي ولى علينا من يعرف حقوقنا. فقيل له: كنت تذمه ثم مدحته. فقال: إن خيثمة حدثني عن عبد الله أن رسول الله قال: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
أهديت لقتادة نعل رقيقة، فقال: تعرف عقل الرجل بسخف هديته.
عبد الملك بن مروان: ثلاثة أشياء تدل على مقدار عقول أربابها: الكتاب يدل على مقدار عقل كاتبه، والرسول يدل على مقدار عقل مرسله، والهدية تدل على مقدار عقل مهديها.
كان يقول: أهدوا إلى الولاة فأنهم إن يقبلوا أحبوا.
لم يرتش حكم في الجاهلية غير ضمرة بن ضمرة النهشلي، تنافر إليه عبادة بن أنف الكلب الصيداوي ومعبد بن نضلة الفقعسي، فرشاه عبادة مائة بعير، فنفره على معبد.
الأصمعي: وقفت في البدو على شيخ محتب بعقل يقضي بين أهل الحلة بالحق، فقلت: يا أعرابي، هل نظرت في الفقه؟ فقال:
وما الفقه؟ قلت: فما هذه الإصابة؟ قال: تنوي الخير وتقول ويوفق الله.
فقلت: فهل تميل مع أحد الخصمين لجعل؟ فضحك وقال: إذا لا ينزل التوفيق.
الحسن: كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه الخصمان رفه أحدهما الرشوة في كمه فأراها إياه، فلا يسمع إلا قوله:
فأنزل الله قوله: سماعون للكذب أكالون للسحت.
أهدى عمر بن جوي وكان على الري إلى إسحاق بن سعيد بن عمارة الكلاعي وهو على مصر فقال:
وإن امرأ أهدى إليّ ودونهلكل بريد مسرع ألف فرسخ
لمستوجب نصحي ومحض مودتيوإنزاله في القلب منزلة الأخ
أهدى عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون فرسا. وكتب إليه:
يا إماما لا يدانيه إذا عدّ إمام
فضل الناس كما يفضل نقصانا تمام
قد بعثنا بجوادمثله ليس يرام
فرس يزهى به للحسن سرج ولجام
دونه الخيل كما دونك في الفضل الأنام
وجهه صبح ولكنسائر الخلق ظلام
والذي يصلح للمولى على العبد حرام
عبد الوهاب بن رؤبة بن العجاج تعذرت عليه حاجة فرشا دراهم فقضيت له، فقال:
لما رأيت الشفعاء بلدواوسألوا أميرهم فأنكدوا
نافستهم برشوة فأقردواوسهل الله بها ما شددوا
أنشد المبرد:
وكنت إذا خاصمت خصما كببتهعلى الوجه حتى خاصمتني الدراهم
فلما تنازعنا الخصومة غلبتعليّ وقالت قم فإنك ظالم
غيره:
إذا توسلت إلى حاجةفبالرشى فهي رشاء النجاح
ولا تؤمل غيرها شافعافكل ما دون الرشى كالرياح
قدم سليمان بن عبد الملك المدينة، فأهدى له خارجة بن زيد
بن ثابت ألف عذق موز، وألف قرعة عسل أبيض، وألف شاة، وألف دجاجة، ومائة أوزة، ومائة جزور. فقال سليمان: أجحفت بنفسك يا خارجة، قال: يا أمير المؤمنين قدمت بلد رسول الله ﷺ ونزلت في أهل بيتي مالك بن النجار، وأنت ضيف، وإنما هو قرى. فقال: هذا وأبيكم السؤدد. ثم سأل عن دينه فقيل خمسة وعشرون ألف دينار، فقضاها عنه وأعطاه عشرة آلاف دينار.
لما خرج الأحنف مع مصعب أرسل إليه مائة ألف درهم، فجلست زبراء جاريته بين يديه وأرسلت عينها. فقال: ما يبكيك؟ قالت:
مالي لا أبكي عليك إذا لم تبك على نفسك؟ أبعد نهاوند ومرو الروذ صرت تجمع بين غارين من المسلمين؟ قال: نصحتني والله في ديني إذ لم أنتبه لذلك، وأمر بفساطيطه أن تقوّض.
فبلغ ذلك مصعبا فقال: من دهاني في الأخنف؟ قيل: زبراء.
فبعث إليها بثلاثين ألفا، فجلست بين يديه وأرخت عينها. قال: مالك يا زبراء؟ قالت: جئت باخوانك من البصرة تزفهم زفّ العروس، حتى إذا صيرتهم في نحور أعدائهم أردت أن تفت في أعضادهم وتشمت بهم! قال: صدقت. يا غلام رد المضارب مكانها.
أهدى عثمان لعائشة هدية، فقال رسول الله ﷺ: ابعثي منها إلى النسوة. قالت: ما من واحدة إلا وقد أتاها مثلها، فقال: اللهم لا تنساها لعثمان.
أهدى معاوية إلى سعيد بن العاص يوم النيروز كسى كثيرة،
وآنية ذهب وفضة. فقال للرسول: ما قدرت لنفسك في طريقك فخذه، ثم فرّق سائرها على أصحابه، ولم يأخذ إلا ثوبا واحدا.
عن نافع عن ابن عمر كانت تأتيه جوائز المختار فيأخذها.
أهدى ملك الروم إلى المأمون، فقال: اهدوا له ما يكون مائة ضعف، ليعلم عز الإسلام ونعمة الله علينا به. ثم قال: ما أعز الأشياء عندهم؟ قالوا: المسك والسمور. قال: وكم في الهدية منهما؟ قالوا:
مائتا رطل، ومائتا جلد، قال زيدوهم مثل ذلك.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع