تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الحادي والتسعون اليأس، والقناعة، والرضا بما رزق الله، والتوكل على الله، والتفويض إليه، والنزاهة عن المطمع

قال رسول الله ﷺ لحبّة وسواء ابني خالد: لا تيأسا من روح الله ما تهزهزت رؤوسكما، فإن أحدكم يولد أحمر لا قشر عليه ثم يكسوه الله ويرزقه.

وعنه ﵊: القناعة مال لا ينفذ.

حدث الأعمش عن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان الفارسي، فجلسنا عنده فقال: لولا أن رسول الله نهانا عن التكلف لتكلفت لكم، ثم جاء بخبز وملح ساذج لا أبزار عليه، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر، فبعث سلمان بمطرته فرهنها على الصعتر، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت بما رزقك الله لم تكن مطهرتي مرهونة.

لقمان الحيكم: كفى بالقناعة عزا، وبطيب النفس نعيما.

عيسى ﵇: اتخذوا البيوت منازل، والمساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح، واخرجوا من الدنيا بسلام.

عباد بن منصور: كان بالبصرة من هو أفقه من عمرو بن عبيد وأفصح، ولكنه أصبر عن الدرهم والدينار، فساد أهل البصرة.

قال له خالد بن صفوان: لم تأخذ مني؟ قال: لا يأخذ أحد من أحد إلا ذلّ له، وأنا أكره أن أذل لغير الله. وكان معاشه من دار غلتها كل شهر دينار.

كان الناس يكسبون الرغائب بعلم الخليل، وهو فيما بين أخصاص البصرة لا يلتفت إلى الدنيا ولا يطلبها.

سأل ابن سيرين عن أرخص ما يباع في السوق، فقيل: السمك الصغار. فقال: اجعلوا أدمي منه.

وهب: أرملت مرة حتى كدت أقنط، فأتاني آت في المنام ومعه شبه لوزة، فقال: افضض، ففضضتها فإذا حريرة فيها ثلاثة أسطر:

لا ينبغي لمن عقل عن الله أمره، وعرف لله عدله، أن يستبطىء الله في رزقه.

ثم أعطاني فأكثر.

قيل للحسن: إن أبا ذر كان يقول: الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة. فقال الحسن: رحم الله أباذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن الاختيار من الله لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له.

العمري: انقطعتم إلى غير الله فما ضيعكم، فإن انقطعتم إلى الله خفتم الضيعة.

في بعض الكتب: يقول الله: يا ابن آدم، أتخاف أن أقتلك بطاعتي هزلا وأنت تتفتق بمعصيتي سمنا؟.

قيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما

الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس. وروى شيئان لا عيلة عليّ معهما: الرضا عن الله والغنى عن الناس.

العمري: يا ابن آدم: الطير لا يأكل رغدا، ولا يخبىء لغد، وأنت تأكل رغدا، وتخبىء لغد، فأحسنت الطير الظن بالله، وأسأت ظنك بالله.

حبس عمر بن عبد العزيز الغداء على مسلمة حتى برح به الجوع ثم دعا بشربة سويق فسقاه، حتى إذا انتفخ بطنه دعا بالغداء، فلم يقدر على الأكل. فقال: يا مسلمة، أما يكفيك من الدنيا ما ترى؟ قال:

بلى، قال: فعلام التهافت في النار؟ وروي: التقحم.

أنشد المبرد:

إن ضن يحيى بما في بطن راحتهفالأرض واسعة والرزق مبسوط
إن الذي قدّر الأرزاق حكمتهلم ينسني قاعدا والرحل محطوط

عبد الواحد بن زيد: ما أحسب شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة.

قال ابن شبرمة في محمد بن طارق: لو أن أحدا اكتفى بالتراب لاكتفى به.

أوحى الله ﷿ إلى موسى ﵇: قل لعبادي المستخطين لرزقي: إياكم أن أغضب فأبسط عليكم الدنيا.

قالت رابعة لسفيان: أترى الله عليك غضبان؟ قال: لا أدري، قالت: ومن أعلم بذلك منك؟ أنظر إن كنت عنه راضيا فهو عنك راض.

قيل: متى يكون العبد راضيا عن ربه؟ قالت: إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة.

كان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلوات فجاءت جارية بجمرة فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا، فقالت: له: لم تصبر على نار الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة؟ فقام فصلى الصلوات، وتصدق بما معه، وذهب يبيع البقل.

ثم دخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء، فقالا: إنه لم يدع أحد شيئا إلا عوضه الله منه بدلا، فما عوضك مما تركت له؟ قال: الرضا بما أنا فيه.

إبراهيم التيمي: اشترى أبي عبيدا بأربعة آلاف درهم من البصرة فبنوا له داره، ثم باعهم بربح أربعة آلاف درهم. فقلت له: لو عدت إلى البصرة فاشتريت مثل هؤلاء فربحت. فقال يا بني، ما فرحت بذلك حين أصبته، ولا حدثتني نفسي بإصابة مثله.

أصابت داود الطائي ضيقة شديدة، فجاءه حماد بن أبي حنيفة بأربعمائة درهم من تركه أبيه، فقال: هي من مال رجل ما أقدم عليه أحدا في زهده وورعه وطيب كسبه، ولو كنت قابلا من أحد شيئا لقبلتها إعظاما للميت وإيجابا للحي، ولكن أحب أن أعيش في عز القناعة.

الثوري: ما وضع أحد يده في قصعة غيره إلا ذلّ له.

- وعنه: لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة.

مسعر بن كدام: من صر على الخل والبقل لم يستعبد.

فضيل: أصل الزهد الرضا عن الله، ألا تراه كيف يصنع بعبده كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها؟ تطعمه مرة صبرا، ومرة خبيصا، تريد بذلك ما هو أصلح له.

- وعنه: من رضي بما قسم الله له بارك الله له فيه ووسعه، ومن لم يرض لم يبارك له فيه ولم يوسعه.

في التوراة: يا ابن آدم، أطعني فيما أمرتك، ولا تعلمني ما يصلحك.

إبراهيم بن أدهم كان من أهل النعم بخراسان، وأصله من بني عجل، فبينما هو مشرف من أعلى قصره إذ نظر إلى رجل في فيء قصره، أكل رغيفا وشرب عليه ماء ثم نام. فقال: ما أصنع بالدنيا والنفس تقنع بما رأيت؟ فخرج سائحا إلى الله تعالى.

أقبل عليه رجل أثر السفر فقال: أنا غلامك بعثني أخوتك ومعي عشرة آلاف دينار وفرش وبغلة، فقال له: إن كنت صادقا فأنت حر، وما معك لك، اذهب ولا تخبر به أحدا.

من باع الحرص بالقناعة فقد ظفر بالغنى.

رويم البغدادي: الصبر ترك الشكوى، والرضا استلذاذ البلوى.

المحاسبي: من استغنى بشيء دون الله فقد جهل قدر الله تعالى.

عيسى ﵇: الشمس في الشتاء صلائي، ونور القمر سراجي، وبقل البرية فاكهتي، وشعر الغنم لباسي، أبيت حيث يدركني الليل، ليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب، أنا الذي كببت الدنيا على وجهها.

شاعر:

إن القناعة من يحلل بساحتهالم يلق في ظلها هما يؤرقه

علي ﵇: أكل من تمر دقل، ثم شرب عليه الماء وضرب على بطنه فقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله، ثم تمثل:

وإنك مهما تعط بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وإني لأستحيي صحابي أن يرو»

الحسن: الحريص الراغب والقانع الزاهد كلاهما مستوف أكله، غير مزداد ولا منتقص مما قدر له، فعلام التهافت في النار.

جابر رفعه: لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له، فاجملوا في الطلب، أخذ الحلال وترك الحرام.

ابن عمر رفعه: أجملوا في الطلب، فو الذي بعثني بالحق إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه الموت.

ابن مسعود رفعه: ليس أحد بأكيس من أحد، فقد كتب له النصيب والأجل، وقسم المعيشة والعمل، فالناس يجرون فيهما إلى منتهى.

عيسى ﵇: أنظروا إلى طير السماء، تغدو وتروح، وليس معها شيء من أرزاقها، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن زعمتم أنكم أكبر بطونا من الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمر لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها.

سويد بن غفلة كان إذا قيل: قد ولي فلان، قال: حسبي كسرتي وملحي.

وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك. فقال: ألست القائل:

لقد علمت وما الإسراف من خلقيأن الذي هو رزقي سوف يأتيني
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «لقد علمت وما الإسراف من خلقي»
أسعى إليه فيعييني تطلّبهولو قعدت أتاني لا يعنّيني
كأن حظ أمرىء غيري سأبلغهلا بد لا بد أن يجتازه دوني

وقد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق؟ يا أمير المؤمنين وعظت فأبلغت، فخرج فركب ناقته ونصها إلى الحجاز راجعا.

فلما كان من الليل تعار هشام على فراشه، فذكر عروة فقال: رجل من قريش قال حكمة ووفد علي فجبهته ورددته. ووجه إليه ألفين؟ فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة وأعطاه المال. فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيت فأكديت، فرجعت فأتاني رزقي في منزلي.

عمر ﵁: تعلموا أن الطمع فقر، وأن اليأس غنى، وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه.

أنس: أهدي إلى رسول الله ﷺ ثلاثة طيور فأطعم خادمه طائرا فلما كان من الغد أتته به، فقال لها: ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد؟ فإن الله تعالى يأتي برزق كل غد.

عبد الله بن عمر رفعه: لقد أفلح من أسلم، ورزقه الله كفافا، وقنعه الله تعالى بما آتاه.

مالك بن دينار: لما بعث الله عيسى بن مريم كب الدنيا على وجهها، ثم رفعها الناس حتى بعث الله تعالى محمدا فكب الدنيا على وجهها، ثم رفعناها بعد، فما لقينا منها؟.

سليمان ﵇: كل العيش قد جربنا لينه وشدته، فوجدنا يكفي منه أدناه.

اشترى عمر بن عبد العزيز عنبا بدانقين فأكله هو وامرأته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، فقال: يا فاطمة، كان يأتي أهلك منه أوقار»

البغال، فلم يكن ينالنا إلا بقدر ما أكلنا من هذين الدانقين.

لقمان: يا بني، اجعل همك فيما خلقت له، ولا تجعل همك فيما كفيته.

في وصية علي ﵇: وألجىء أمورك كلها إلى إلهك، فإنك تلجئها إلى جهف حريز ومانع عزيز.

- وفيها: وأعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدوا أجلك، فإنك في سبيل من كان قبلك. فأحسن في الطلب، وأجمل في المكتسب، فإنه ربّ طلب جرّ إلى حرب، وليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم.

- وفيها: وقد يكون اليأس إدراكا، إذا كان الطمع هلاكا.

ولي عبد الله بن عامر العراق، فقصده صديقان له أنصاري وثقفي، فلما سارا تخلف الأنصاري وقال: الذي أعطى ابن عامر العراق قادر أن يعطيني. ووفد الثقفي وقال: أحرز الحظين. فلما دخل قال له:

ما فعل زميلك الأنصاري؟ ووصله بأربعة آلاف دينار، ووصل الأنصاري بضعفها. فخرج الثقفي وهو يقول:

أمامة ما حرص الحريص بنافعفعفتي ولا زهد القنوع بضائر
خرجنا جميعا من مساقط روسناعلى ثقة منا بجود ابن عامر
فلما أنخنا الناعجات ببابهتخلف عنا اليثربي ابن جابر
وقال ستكفيني عطية قادرعلى ما يشاء اليوم للخلق قاهر
فإن الذي أعطى العراق ابن عامرلربي الذي أرجو لسد مفاقري
فقلت خلا لي وجهه ولعلهسيجعل لي حفظ الفتى المتزاور
فلما رآني سال عنه صبابةإليه كما حنّت ظؤور الأباعر
فأبت وقد أيقنت أن ليس نافعاولا ظائرا شيء خلاف المقادر

حين حج الرشيد ماشيا أعياه المشي يوما، فاستلقى على قفاه في ظل ميل، فوقف عليه من قال له:

وما تصنع بالدنياوظل الميل يجزيك

عائشة: قال رسول الله ﷺ: إن أردت اللحوق بي فيكفيك من الدنيا كزاد الراكب. ولا تستخلعي ثوبا حتى ترقعيه. وإياك ومجالسة الأغنياء.

الحسن: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين، وكان يخطب في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها، فإذا خرج عطاؤه تصدق به، وأكل من سفيف يده.

جاء جبرائيل إلى رسول الله ﷺ بخزائن الدنيا كلها على بغلة شهباء، فقال له: هذه الدنيا خذها، ولا ينقصك حظك عند الله بها شيئا، فقال: يا جبرائيل، لا حاجة لي فيها، يا جبرائيل، جوعتين وشبعة.

وجد مكتوبا على حائط: يا ابن آدم، ما أنت ببالغ أملك، ولا بسابق أجلك، ولا بمغلوب على رزقك، ولا بمرزوق ما ليس لك، فعلام تقتل نفسك؟.

قال زاهد لصبيانه يرزقكم الله الذي يرزق العصافير في الدوّ.

صالح المري: تغدو الطير خماصا، وتروح بطانا، واثقة بأن لها في كل غدوة رزقا لا يفوتها والذي نفسي بيده إنكم لو غدوتم إلى أسواقكم على مثل إخلاصها رجعتم وأنتم أبطن من بطون الحوامل.

أنشد الجاحظ للحسين بن الضحاك:

يا روح من حسمت قناعتهسبب المطامع في غد وغد
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
من لم يكن لله متهمالم يمس محتاجا إلى أحد
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

أوحي إلى موسى ﵇: أتدري لم رزقت الأحمق؟ قال: لا يا رب، قال ليعلم أن الرزق ليس بالاحتيال.

وهب بن منّبه في قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً

، قال: القناعة. أنشد حماد لبعض العرب:

ولا تجزع إذا أعسرت يومافقد أيسرت في زمن طويل
ولا تظنن بربك سوء ظنفإن الله أولى بالجميل
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «فلا تجزع وإن أعسرت يوما»
وإن العسر يتبعه يساروقول الله أصدق كل قيل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ألا فاصبر على الحدث الجليل»
فلو أن العقول تسوق رزقالكان المال عند ذوي العقول

قال الله تعالى ليوسف ﵇: أنظر إلى الأرض، فانفرجت فرأى ذرة على ضخرة معها الطعام، فقال: أتراني لم أغفل عنها وأغفل عنك وأنت نبي بن نبي بن نبي.

قال عيسى ﵇ للحواريين: أنتم أغنى من الملوك. قالوا:

كيف؟ قال: لأنكم لا تطلبون وهم في الطلب.

دخل علي ﵇ المسجد، وقال لرجل: أمسك على بغلتي.

فخلع لجامعها وذهب به. وخرج علي وفي يده درهمان ليكافئه فوجدها

عطلا، فركبها ومضى، فأعطى غلامه الدرهمين ليشتري بها لجاما، فوجد الغلام اللجام في السوق وقد باعه السارق بدرهمين. فأخذه بالدرهمين.

فقال علي: إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزداد على ما قدر له.

قيل لراهب: من أين تأكل؟ فأشار إلى فمه وقال: من خلق هذه الرحى أتاها بالطحين.

عاتب الفضل بن الربيع علي بن الهيثم كاتبه يوما على تأخره فقال:

أظن والظنون قد تعدىأني لا أصيب منه بدا

أعد منه ألف يد عدا

وانصرف ولم يعمل للسلطان بعد ذلك.

أبو شراعة القيسي:

إن الغنى عن لئام الناس مكرمةوعن كرامهم أدنى إلى الكرم

ذو الحرق الطهوي:

ولما أتاني تغلب قد نبت بهلقاح بني أرطاة قلت لتغلب
إذا حدثتك النفس أنك قادرعلى ما حوت أيدي الرجال فجرب

سليمان بن المهاجر البجلي:

كسوت جميل الصبر وجهي فصانهبه الله عن غشيان كل بخيل
فلم يبتذل وجهي بخيل ولم أقمعلى بابه يوما مقام ذليل
وإن قليلا يستر الوجه أن يرىإلى الناس مبذولا لغير قليل
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «تقنعت بالقوت القليل تعففا»

عميرة بن طارق التميمي:

ولا تعدليني إن رأيت معاشرالهم نعم دثر وأن كنت مصرما
متى ما نكن في الناس نحن وهم معانكن منهم أكسى جنوبا وأطعما

قال العلاء بن زياد لعلي ﵇: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصما، لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، قال عليّ به، فقال له: يا عدوّ نفسه، لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك.

قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة مأكلك! قال: ويحك! إنّي لست كأنت؟ إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يبيع بالفقير فقره.

- وعنه: إن إستطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله أكرم وأعظم من الكثير من غيره. ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس.

- وعنه: يا ابن آدم، لا تحمل يومك الذي لم يأتك على يومك الذي قد أتاك، فإنه إن يكن من عمرك يأت الله فيه برزقك.

قال رجل لإبراهيم بن أدهم: بقيت في عظم المؤونة، احتاج في غدائي إلى شاة، وفي عشائي إلى شاة، تلبس امرأتي في حيضها القوهي، وفي طهرها الشطوي. فقال إبراهيم: ما أتي أهلك إلا من قبلك، لو اقتصرت لاقتصروا فأصبح الرجل صائما وأفطر على فول بدانق. فأخبر إبراهيم أن امرأته تلبس في طهرها الزطي.

ورث داود الطائي من أبيه دارا ودنانير، فكان كلما خرب في الدار بيت انتقل إلى غيره ولم يعمره، ولم يزل يتقوت بالدنانير حتى كفن في آخرها.

وقف الملك على سقراط وهو في المشرقة قد أسند ظهره إلى حب كان يأوي إليه، فقال: سل حاجتك. قال: حاجتي أن تزيل عني ظلك فقد منعني المرفق في الشمس. فدعا له بذهب وبكسى فاخرة من الديباج والقصب، فقال: ليس بسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبت ولعاب الدود. إن حاجته إلى شيء يكون معه أنّي توجه.

إبراهيم بن متمم بن نويرة:

ولا تهلكنّ النفس لوما وحسرةعلى الشيء سدّاه لغيرك قادره
ولا تيأسن من صالح أن تنالهوإن كان شيئا بين أيد تبادره
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
وأنك لا تعطي أمرأ حظّ غيرهولا تمنع الشق الذي الغيث ناصره

صلى معروف خلف إمام، فلما انفتل قال له: من أين تأكل؟

قال: أصبر حتى أعيد ما صليت خلفك، قال: ولم؟ قال: لأن من شكّ في رزقه شك في خالقه.

أبو حازم: ما لم يكتب لي لو ركبت ذنب الريح ما أدركته.

التقى عبد الرحمن بن عوف وأبو ذر الغفاري، فقبل عبد الرحمن ما بين عيني أبي ذر لكثرة سجوده، وقبل أبو ذر يمين عبد الرحمن لكثرة صدقته. فلما افترقا بعث عبد الرحمن إليه ببدرة، وقال لغلامه:

إن قبلها منك فأنت حر. فأبى أن يقبلها، فقال الغلام: إقبل رحمك الله فإن في قبولها عتقي، فقال أبوذر: إن كان عتقك فيه ففيه رقي، ورده.

وجد مكتوبا على حائط مدني:

نعم الصديق صديق لا يكلفناذبح الفراخ ولا شيّ الفراريج
يرضى بلونين من كشك ومن عدسفإن تشهى فزيتون بطسوج
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

قال علي لعمر ﵄: إن سرك أن تلحق بصاحبك فأقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، وارفع القميص، واخصف النعل، تلحق بهما.

أبو صالح: حدثت أبا زيد النحوي بقول ابن عباس: ما رضي الله الناس بشيء من أقسامهم كما رضّاهم بأوطانهم. فقال: بلى والله، وبأحسابهم، قلت: كيف؟ قال: تراه من عكل أو سلول أو محارب وهو يفاخر، وهو قوله تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ

. وقد افتخر الحائك بحياكته فقال:

وما أنا خياط أخرق إصبعيويشغلني التغضين عبد الطبائب
ولكنني ضرّاب حقة حائكورام لسهم أسود الرأس صائب

وقال الأول:

كل امرىء في نفسهأعلى وأشرف من قرينه
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال الجاحظ: إن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفّق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة أو التجارة والفلاحة، وفي ذلك ذهاب المعاش وبطلان المصلحة. فكل صنف من الناس مزين لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خرقا قال: يا حجام، والحجام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: يا حائك:

فأراد الله تعالى أن يجعل الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبّر.

وترى البدوي في بيت من قطعة كساء معمد بعظام الجيف مع كلبه،

لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بول الإبل، وطيبه القطران وبعر الظبي، وحلي امرأته الودع، وثماره المقل، وصيده اليربوع، في مفازة لا يسمع فيها إلا تنئيم بومة وزقاء هامة وعواء ذئب، وهو راض بذلك مفتخر به.

عمر بن أبي عمر النوفاني:

غلا السعر في بغداد من بعد رخصهوإني في الحالين بالله واثق
فلست أخاف الضيق والله واسعغناه ولا الحرمان والله رازق

التهستاني:

غني بلا دنيا عن الناس كلهموإ الغنى إلا عن الشيء لا به

العمركي:

نظرت فلما لم أر الناس كالناسأمتّ رجائي واسترحت إلى الياس

الحارث النجراني:

صبرت النفس لا أهلع من حادثة الدهر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
رأيت الرزق لا يكسب بالعرف ولا النكر
ولا بالعقل والدينولا بالجاه والقدر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
ولا بالسلف الأمثل أهل الفضل والذكر
ولا بالسمر اللون ولا بالقضب البشر
ولا يدرك بالطيشولا الجهل ولا الهذر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
ولكن قسم تجريبما ندري ولا ندري

قيل لعلي ﵇: لو سدّ على رجل باب بيت وترك فيه من أين يأتيه رزقه؟ قال: من حيث يأتيه أجله.

- وعنه ﵇: ولقد كان في رسول الله كاف لك في الأسوة، ودليل على ذم الدنيا وكثرة مساوئها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها.

وإن شئت ثنّيت بموسى كليم الله إذ يقول: إني لما أنزلت إليّ من خير فقير. والله ما سأله إلا خبزا يأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه.

وإن شئت ثلّثت بداود صاحب المزامير وقارىء أهل الجنة، فقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه: أيكم يكفيني بيعها؟ ويأكل قرص الشعير من ثمنها.

وإن شئت قلت في عيسى بن مريم، فلقد كان يتوسد الحجر، ويلبس الخشن، وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم. ولم تكن له زوج تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله، دابته رجلاه، وخادمه يداه.

فتأسّ بنبيك، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره. ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله، وتعظيمنا ما صغر الله لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمره.

ولقد كان ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العري، ويردف خلفه.

ويكون الستر على باب بيته فيه التصاوير، فيقول: يا فلانة غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها. فأعرض عن الدنيا بقلبه،

وأمات ذكرها عن نفسه، وأحب أن يغيب زينتها عن عينه. ولقد كان لك في رسول الله ما يدلك على مساوئها وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه مع عظيم زلفته، فلينظر ناظر بعقله أأكرم الله محمدا بذلك أم أهانه؟ فإن قال أهانه، فقد كذب والعظيم، وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس إليه. خرج من الدنيا خميصا، وورد الآخرة سليما. ثم يضع حجرا على حجر، فما أعظم منّة الله عندنا حين أنعم به علينا سلفا نتبعه، وقائدا نطأ عقبه! والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل:

ألا تنبذها؟ فقلت: أغرب عنّي، فعند الصباح يحمد القوم السّرى.

جاء فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة فلم يجد عندهم شيئا للعشاء وهم بغير سراج، فجلس ليله يبكي من الفرح، يقول: بأي يد كانت مني؟ بأي شيء يترك مثلي على هذه الحال؟.

لما لقى هرم أويسا قال: السلام عليك يا أويس بن عامر، قال: وعليك السلام يا هرم بن حيان. قال هرم: أما أني عرفتك بالصفة، فكيف عرفتني؟ قال: أرواح المؤمنين تشامّ كما تشامّ الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. قال: أوصني، قال: عليك بالأسياف، يعني السواحل، قال: فمن أين المعاش؟ قال: أف، خالط الشك الموعظة، أتفرّ إلى الله بدينك وتتهمه في رزقك؟.

اليأس واقع والرجاء بلاقع.

منصور الفقيه:

الموت أسهل عنديبين القنا والأسنّة
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
والخيل تجري سراعامقطعات الأعنّة
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
من أن يكون لنذلعليّ فضل ومنّه
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

طلبت الرزق في مظانه فأعياني رزقي إلا يوما بيوم.

عمر بن عبد العزيز في خطبته: أيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل أو بخضيض أرض يأته، فاجملوا في الطلب.

وقّع ذو الرياستين: أجمل في الطلب تكفك المقادير، ما هو كائن لك أتاك على ضعفك وما هو عليك لم تدفعه بقوتك.

أنشد ابن الأعرابي:

أبا مالك لا تسأل الناس والتمسبكفّيك رزق الله فالله أوسع
فلو تسأل الناس التراب لأوشكواإذا قيل هاتوا أن يملّوا ويمنعوا

أعرابي:

أتيأس أن يقارنك النجاحفأين الله والقدر المتاح

قال رجل لرسول الله صلوات الله عليه وسلامه: أوصني، فقال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر.

إذا وجدت الشيء في السوق فلا تطلبه من صديق.

عبد الأعلى القاص: المؤمن ثوبه علقة، ومرقته سلقة، وسمكته شلقة، وخبزته فلقة.

قيل لأعرابية: من أين معاشكم؟ فقالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش.

أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك، ولا يحقرك بها من فوقك.

المعري:

إذا كنت تبغي العيش فابغ توسطافعند التناهي يقصر المتطاول
توفى البدور النقص وهي أهلةويدركها النقصان وهي كوامل

أعرابي: استظهر على الدهر بخفة الظهر.

أصيب أعرابي ببعير لم يكن له غيره، فقال: يا رب اصنع ما شئت فإن رزقي عليك.

قيل لرابعة: ألا نكلّم السلطان يصلح منزلك؟ فقالت: والله إني لأستحي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟.

حجت أعرابية على ناقة لها، فقيل لها: أين زادك؟ فقالت:

ما معي إلا ما في ضرعها.

قال رجل لابن سيرين: ما فعلت بغلتك؟ قال: بعتها، قال: ولم؟ قال: لمؤونتها، قال: أفتراها خلقت ورزقها عندك؟.

النبي ﷺ: لو أنكم توكلون على الله حق توكّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا.

خالد بن صفوان: كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مالا، فإن الكريم من كرمت عند الحاجة خلته، والليئم من لؤمت عند الفاقة طعمته.

دخل رجل على خالد بن عبد الله القسري، فقال: أيها الأمير، أكلمك بجرأة اليأس أم بهيبة الأمل؟ فقال: بل بهيبة الأمل، فأكرمه وقضى حاجته.

هشام بن إبراهيم البصري:

وكم ملك جانبته عن كراهةلإغلاق باب أو لتشديد حاجب
ولي في غنى نفسي مراد ومذهبإذا انصرفت عني وجوه المذاهب

ليس ينبغي للمرء أن يكون في دنياه إلا كالمدعو إلى وليمة، إن أتته صحفة تناولها، وإن فاتته لم يرصدها ولم يطلبها.

محمد بن وهيب:

أجارتنا إن القداح كواذبوأكثر أسباب النجاح مع اليأس
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

آخر:

رخي البال ليس له عيالخلي من حربت ومن دهيت
وأكبر همه مما عليهتذابح من ترى خلق وقوت

آخر:

قطعي يدي بيدي أخف عليّ منمدي إلى نكد لأخذ يد يدا
غضب الإله عليّ إن أك راضياليدي بأن تمتاح من يده يدا

عثمان بن عفان ﵁:

غنى النفس يغني النفس حتى يكفهاوإن مسها حتى يضر بها الفقر
وما عسرة فاصبر لها إن لقيتهابكائنة إلا سيتبعها يسر

قال أبو نيزر وهو من أبناء ملوك العجم، رغب في الإسلام وهو صغير، فأتى رسول الله فأسلم، وكان معه، فلما توفي رسول الله صار مع فاطمة وولدها: جاءني علي ﵇، وأنا أقوم بالضيعتين عين أبي نيزر والبغيبغة، فقال: هل عندك من طعام؟ قلت: طعام لا أرضاه لك،

قرع من قرع الضيعة صنعته بإهالة سنخة. فقال عليّ به. فقام إلى الربيع فغسل يده ثم أصاب منه شيئا، ثم رجع إلى الربيع فغسل يده بالرمل، ثم ضمّ يديه فشرب بهما حسى من الماء وقال: يا نيزر: إن الأكف أنظف من الآنية، ثم مسح ندى الماء على بطنه، ثم قال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله.

ثم أخذ المعول فجعل يضرب بالمعول في العين، فأبطأ عليه الماء، فخرج وجبينه ينضح عرقا وهو ينشفه بيده. ثم عاد فأقبل يضرب فيها وهو يهمهم، فانثالت كأنها عنق جزور. فخرج مسرعا وقال: أشهد أنها صدقة. علي بدواة وصحيفة، فكتب: هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة على أهل المدينة وابن السبيل، ليقي الله وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعان ولا ترهنان حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين. إلا أن يحتاج الحسن والحسين فهما طلق لهما، وليسا لأحد غيرهما.

فركب الحسن دين فحمل إليه معاوية بعين نيزر مائتي ألف دينار، فقال: إنما تصدق بها أبي ليقي الله بها وجهه حر النار، ولست بائعها بشيء.

قارف الزهري ذنبا فساح، فلقيه علي بن الحسين، فقال: يا زهري لقنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك، فقال الزهري: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.