تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الثاني والتسعون الخيل، والبغال، والحمير، وذكر الفروسية، وما اتصل بذلك

النبي ﷺ: عليكم بإناث الخيل، فإن ظهورها حرز، وبطونها كنز.

قيل للنبي ﷺ: أي المال خير؟ قال: سكة مأبورة، ومهرة مأمورة.

- وعنه ﵊: لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها، فإن معارفها أدفاؤها، وأذنابها مذابها، والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة.

جرير بن عبد الله البجلي: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة.

- وعنه: الخيل ثلاثة أجر وستر ووزر، فأمّا الذي له الأجر فرجل حبس خيلا في سبيل الله فما سنت له شرفا إلا كان له أجر. ورجل استعف بها وركبها ولم ينس حق الله فيها فذلك الذي له ستر. ورجل حبس خيلا فخرا ونواء على أهل الإسلام فذلك الذي عليه الوزر.

- وعنه في صفة البراق: يضع حافره منتهى طرفه.

أعرابي في وصف فرسه: ما طلبت عليها إلا لحقت، وما طلبت إلا فت.

أرسل بعض الأمراء ابن عم له، وكان صاحب قنص، إلى الشام يشتري له خيلا، فقال: لا علم لي بها. فقال: كل شيء تستحسنه في الكلب فاشترطه في الفرس. فقدم بخيل لم يكن في العرب مثلها.

إذا بلغ الفارس المنزل لم يكن له هم إلا التمدد، وقود الفرس، والاستراحة من اللغوب. وترى التركي إذا عاين في ذلك الوقت بعض الصيد ابتدأ الركض بمثل نشاطه الأول قبل السير.

ورث سليمان ﵇ عن أبيه ألف فرس، فاستعرض تسعمائة منها فشغلته عن ذكر الله تعالى، فمسح بالسوق والأعناق، وبقيت مائة. ثم أن وفدا من أهل مصر قدموا عليه، فلمّا رجعوا طلبوا زادا يبلغهم بلادهم، فأعطاهم فرسا، وقال هذا زادكم، وهو مصيب لكم من الصيد في كل منزل ما يكفيكم، فكانوا لا ينزلون منزلا إلا حملوا عليه واحدا، فيصيد لهم كل صيد أرادوه، فسموه زاد الركب. ومنه أصل كل فرس عربي.

لم يكن فرس مثل شبذير كسرى أبرويز في زمانه عظم خلق، وكرم خلق، وجمعا لشرائط العنق. ولما نفق لم يركب إلّا الفيل، وكان هذا الفرس من خصائص أبرويز. وما قدروا أن ينعوه إليه، فسألوا فلهبذ المغني أن يعرض به، فغنى بشيء معناه: شبذير لا يسعى ولا يرعى ولا ينام، فقال: قد مات إذن. فقال فلهبذ: من الملك سمعت.

وكان أشقر مروان يشبه به، واشتراه مروان بثلاثمائة ألف درهم، وصار

إلى السفاح بعده. وهرم وتحطّم، فكان لكرامته عليهم يحمل في محفّة عاج وينقل من مرج إلى مرج.

ساير عبد الحميد مروان، فقال له: طالت صحبة هذه الدابة لك. فقال: من بركة الدابة طول صحبتها وقلة علتها، قال: كيف سيرها؟ قال: همها أمامها، وسوطها عنانها، وما ضربت قط إلا ظلما.

أراد علي بن هشام مسايرة شبيب بن شيبة، فقال: كيف لي بها وأنا على برذون إن تركته وقف، وإن ضربته قطف، وأنت على فرس إن تركته سار وإن ضربته طار؟ فحمله على فرس عتيق.

أسامة بن سفيان البجلي:

أمست بأكناف ذي قار مخيمةوأنت في جحفل يهدى إلى الشام
يخرجن من مستطير النقع داميةكأنّ آذانها أطراف أقلام
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

كتب الأخفش سعيد بن مسعدة النحوي إلى المعذل بن غيلان:

أردت الركوب إلى حاجةفمر لي بفاعلة من دببت
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

فأجابه:

بريذننا يا أخي غامزفأنعم وكن فاعلا من عذرت
للشاعر المعذل بن غيلان، من قصيدة «بريذننا يا أخي غامز»

لما غلب المختار بن عبيد الله على الكوفة وقع بينه وبين عدي ابن حاتم، فهمّ عدي بالخروج عليه، ثم عجز لكبر سنه، وقد بلغ مائة وعشرين سنة، فقال:

أصبحت لا أنفع الصديق ولاأملك ضرا للشانىء الشرس
للشاعر عدي بن حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
وإن جرى بي الجواد منطلقالم تلمك الكف رجعة الفرس
للشاعر عدي بن حاتم الطائي، اقرأ القصيدة

عمرو بن الأسلع:

أتتك كأنها عقبان دجنتجاذب في جناجرها اليراع

عمرو بن معاوية بن المنتفق فارس مشهور من بني عامر قلده معاوية أرمينية وأذربيجان والأهواز:

إني امرؤ للخيل عندي مزيةعلى فارس البرذون أو فارس البغل
للشاعر عمرو بن المنتفق العامري، اقرأ القصيدة
وإني على هول الجنان لنازلمنازل لم ينزل بها نازل قبلي

عن بعض الراضة: إنما يجمح البرذون ليصرع راكبه فقط، ألا ترى أنه إذا رمى به وقف؟ إلا برذونا واحدا فإني رأيته شد عليه بعد أن ألقاه يكدمه ويرمحه. وكان الناس يشدون عليه فيتنحى عنه ويشد عليهم، فإذا جفلوا من بين يديه رجع إليه يكدمه ويرمحه.

شك عمر ﵁ في العتاق والهجن، فدعا سليمان ابن ربيعة الباهلي بطست فيه ماء، ثم قدمت الخيل فما ثنى سنبكه فشرب هجنه. وما شرب ولم يثن سنبكه عربه، وذلك أن العتاق قود دون الهجن.

النبي ﷺ: ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأعجازها، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار.

أبو هريرة رفعه: إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله سخرها لكم لتبلغكم بلدا لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنقس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم.

وقف الهيثم بن المطهر على باب الخيزران على دابته، فبعث إليه الكاتب في دارها: إنزل عن ظهر دابتك، فقد جاء في الأثر: لا تجعلوا ظهور دوابكم مجالس، فبعث إليه: إني رجل أعرج وإن خرج صاحبي خفت أن لا أدركه. فبعث إليه: إن لم تنزل أنزلناك. قال: هو حبيس أن أنزلتني عنه أقضمه شهرا، فانظر أيهما خير له تعب ساعة أو جوع شهر؟ قال: هذا شيطان فاتركوه.

نظر ابن سيابة إلى مبارك التركي على دابة، فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب، هذا حمار وله دابة، وأنا إنسان وليس لي حمار!.

وأنشد أبو محلم لنفسه:

ما يصنع الليل والنهارما للفتى منهما انتصار
من لم يؤدبه والداهأدبه الليل والنهار
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
كم من حمار له جوادوسيد ما له حمار

الفرس لا يحب الماء الصافي فلا يضرب بيديه كما يضرب بهما

عند الكدر فرحا به، لأنه يرى فيه شخصه فيفزعه ولا يراه في الكدر، كما أن الإبل لا يعجبها إلا الماء الغليظ. وأما الثور فيجب الماء الصافي.

كان يقال لعبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب روّاض البغال، لأنه كان ركابا لها. قال له صفوان بن عمرو بن الأهتم: مالك ولهذا المركب الذي لا يدرك عليه الثأر، ولا ينجيك يوم الفرار؟ فقال: إنه نزل عن خيلاء الخيل، وارتفع عن ذلة العير، وخير الأمور أوساطها. فقال صفوان: إنا نعلمكم فإذا علمتم تعلمنا منكم.

بعضهم: إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة العنق ثجدة في نجابها، مشرفة الهادي تجده في طاعتها، مجفرة الجوف تجده في صبرها.

رأيتك على عير لئيم، ثم رأيتك قد أدمت ركوب هذه البغلة.

فقال: البغال أعدل، وسيرها أقصد.

كانت لابن سيرين بغلتان، بغلة لخاصة نفسه وبغلة للعارية.

الهدايا النفسية والطرف العجيبة التي أهدتها بلقيس إلى سليمان ﵇ إنما كانت على البغال الشهب.

نظر أعرابي إلى بغل قد تفاج ليبول فاستحثه صاحبه، فقال:

إنها إحدى الغوائل قطع الله منك الوتين.

ابن خازم الباهلي:

مالي رأيتك لا تدوم على المودة للرجال
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
خلق جديد كل يوم مثل أخلاق البغال
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

- وله:

ومتى اختبرت أبا العلاء وجدتهمتلوّنا كتلون البغل
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

كان خالد بن عثمان بن عفان بالسقيا، فقال: هذا يوم الجمعة، لم لا أجمع مع أمير المؤمنين؟ إنها للسوءة السوآء. فركب بغلة له لا تساير فسار تسعين ميلا، فأتى المدينة وقت الصلاة فخر ميتا، ونفقت البغلة.

حمل زيد الضبي البردخت الشاعر على بغل فصرعه فقال:

أقول للبغل لما كاد يقتلنيلا بارك الله في زيد وما وهبا
أعطاني الحتف لما جئت أسألهوأمسك الفضة البيضاء والذهبا

الجاحظ: كان بعض الراضة يكوم بغلة، فأدغم عليها ذات يوم فتأخرت حتى أسندته إلى زواية وضغطته حتى مات.

وجه المأمون ثمامة ليتعرف على أخبار البريد فقال: رأيت بغلا على معلف وهو يقرأ. وما دابة في الأرض إلى على الله رزقها، وآخر قد عدا على رجل عليه طيلسان أخضر ظن أنه حزمه من علف فطرحه فوقف يشمه، وآخر يغني بقوله:

ولقد أبيت على الطوى وأظلهكيما أنال به كريم المأكل
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طال الثواء على رسوم المنزل»

بعض أهل العراق: كنت عند قاضي مصر فسمعته يقول لبعض جلسائه: أريد بغلة أصيب منها، فقلت: هو أمجن الناس! يتكلم بنحو هذا وهو قاضي المسلمين! فقيل لي: عافاك الله! ما منّا أحد إلا وعنده بغلات يصيب منهن. فزدت إنكارا حتى فسر لي أن البغلات جوار من رقيق

مصر، نتاج ما بين الصقالبة وجنس آخر، لهن أبدان ودثارة وجدارة.

كان لعكرمة بن ربعي الفياض بغل يؤثره على كل مركوب، وله فيه:

لم أر شيئا بين شيئين مثلهأشد انتزاعا للتشابه في الأصل
تقسمه أطرافه فاستوى لهبقسمة عدل من يدي حكم عدل

قال أهل التجربة: ليس في جميع الحيوان الذي يعايش الناس أطول عمرا من البغل، ولا أقصر عمرا من العصفور، لكثرة سفاد العصفور وقلة ذلك من البغل.

قالوا: ولذلك وجدنا طول الأعمار في الرهبان وأصحاب الصوامع وفي الخصيان.

ابن عباس: نهى رسول الله أن ننزي حمارا على فرس، ونهانا أن نأكل الصدقة، وأمرنا أن نسبغ الوضوء.

أبو هريرة: إن رسول الله كان يسمي الأنثى من الخيل فرسا.

قيل لوهرز الفارسي حين أراد رمي مسروق بن أبرهة الأشرم:

وقد نزل عن الفيل وركب الفرس، فقال: دعوه فإنه على مركب من مراكب الفرسان، فأطال الوقوف حتى ملّ ظهر دابته فأتوه ببغل فركبه، فقيل لوهرز:

نزل عن الفرس وركب البغل، فقال: نزل عن مراكب الملوك ومعاقل الفرسان ثم ركب البغل ابن الحمار.

شاعر:

وإني إذا ما المرء آثر بغلهعلى نفسه آثرت نفسي على بغلي
وأبذله للمستعيرين ظهرهبلا علة ما دام ينقاد في الحبل

الفرس يشم رائحة الحجر من مسافة ميل فيقلق في مكانه ويحمحم، ويقف عن القضم وقد خبط بيده آنفا وحمحم إلى ناسفه.

بغلة أبي دلامة مثل في كثرة العيوب، وفيها يقول:

وتفزع من صقاع الديك شهراوتنفر للصفير وللخيال
إذا استعجلتها عثرت وبالتوقامت ساعة عند المبال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
شفّار تقدم كل سرجتصيّر دفتيه على القذال
وتضرط أربعين إذا وقفناعلى أهل المجالس للسؤال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
فتقطع منطقي وتحول بينيوبين حديثهم مما توالي
وألف عصا وسوط أصبحيألذّ لها من الماء الزلال
وكانت قارحا أيام كسرىوتذكر تبعا عند الفصال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
وتذكر إذ نشا بهرام جوروذو الأكتاف في الحقب الأوالي

أبو قموص كنية البغل. وقدّم بغل إلى أعرابية لتركبه فقالت:

أبو قموص لعله شحدود أو حبوص، أو كما يكنى به قموص.

الشحدود: السيء الخلق بالدال غير المعجمة، والحبوص الشديد العدو.

تساير مروان بن أبي حفصة وعباد بن شبل الصنعاني على بغليتهما وكانت بينهما صداقة، فقال ابن شبل في بغلة مروان:

أرى الشهباء تخبز إذ غدونابرجليها وتعجن باليدين

فقال مروان:

أرى خلق القطاة فازدريهاويملأ منظر الشهباء عيني

وقال أيضا:

لعمر أبيك لو غير ابن شبلهجا الشهباء قطّعه الهجاء
ولكن عرضه عندي وعرضيإذا ميلّت بينهما سواء

في رسالة عبيد الله بن سليمان بن وهب: رأى رسول الله ﷺ أبا سفيان مقبلا على حمار ومعه ابنه (معاوية) يقوده ويزيد يسوقه: لعن الله الراكب والقائد والسائق.

عبد الحميد الكاتب: لا تركب الحمار، فإنه إن كان فارها أتعب يدك، وإن كان بليدا أتعب رجلك.

فضل الرقاشي: نظر يوما إلى حمار فاره تحت ابن قتيبة، فقال: قعدة نبي وبذلة جبار.

كان عيسى ﵇ يسيح في الأرض، فقيل له: لو اتخذت حمارا. فقال: أنا أكرم على الله من أن يبتليني بحمار.

العير عار لا يركبه إلا عيار.

ما ينبغي لمركب الدجال أن يكون مركب الرجال. يقولون إن الحمار مطية الدجال.

المصنّف:

فإن الحمار ومن فوقهحماران شرّهما الراكب

حمار عثرة نخرة، تبوع للحجرة، أي كثير العثار والتحير.

قال ابن مكرم لنخاس: أريد أن تبتاع لي عيرا ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر. إن خلا الطريق تدفق، وإن كثر الزحام

ترفق، يصر إذا ركبته بأذنيه، ويلعب بيديه، ويمرح برجليه إن استنهضته هام، وإن استوقفته قام، وإن أقللت علفه صبر وإن أكثرته شكر. فقال اصبر قليلا فإن مسخ القاضي حمارا اشتريته.

قال موسى للخضر: أي الدواب أحب إليك؟ قال الفرس والحمار والبعير، لأن الفرس مركب أولي العزم من الرسل، والبعير مركب هود وصالح وشعيب ومحمد، والحمار مركب عيسى وعزير. وكيف لا أحب شيئا أحياه الله بعد موته قبل الحشر.

تمنّع الحمار لعسره ونكده أن يدخل السفينة، وإبليس لعنه الله آخذ بذنبه، فقال نوح ﵇: أدخل يا ملعون، فدخل ودخل معه إبليس، فقال نوح: ما أدخلك؟ قال أمرتني، قال: ومتى أمرتك؟ قال: حين قلت أدخل يا ملعون، ولم يكن ثم ملعون غيري.

عير أبي سيارة مثل في القوة والصحة، وهو حمار أسود أجاز عليه الناس من منى إلى المزدلفة أربعين سنة.

وكان خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي يختاران ركوب الحمار، ويجعلان أبا سيارة قدوة لهما وحجة.

وقيل للفضل: لم تركبه؟ فقال: لأنه أقل الدواب مؤونة، وأكثرها معونة، وأسلمها جماحا، وأخفضها مهوى، وأقربها مرتقى، يزهى راكبه وقد تواضع، ويدعى مقتصدا وقد أسرف في ثمنه، ولو شاء أبو سيار لركب جملا مهريا، أو فرسا عربيا، ولكنه امتطى عيرا أربعين سنة.

وقال خالد: عير من نسل الكداد، أصحر السربال، محملج القوائم، مفتول الأجلاد، يحمل الرجلة، ويبلغ العقبة، يقل داؤه،

ويمنعني أن أكون جبارا، ولولا ما في الحمار من المنافع لما امتطاه أبو سيارة أربعين سنة.

فعارضهما أعرابي فقال: الحمار إن أوقفته أدلى، وإن تركته ولّى، كثير الروث، قليل الغوث، سريع إلى الفرارة، بطيء في الغارة، لا ترقأ به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب في الأناء.

وحمار طيّاب مثل في الضعف والهزال، وكان طياب سقاء، قد استقى عليه زمانا طويلا، وكان في جوار أبي علالة المخزومي، فتولّع به في شعره، وله فيه:

يا سائلي عن حمار طيّابذاك حمار حليف أوصاب
كأنه والذباب تأخذهمن وجه تيغار دوشاب

وحمار القصار مثل في سوء الحال، يقال: كان يوم فلان كيوم حمار القصار، إن جاع شرب وإن عطش شرب.

حمير مصر لا تخرج البلاد أمثالها، وكان الخلفاء لا يركبون غيرها في دورهم وبساتينهم. وكان المتوكل يصعد في منارة سرّ من رأى على حمار مريسي، ومريس قرية من قرى مصر، وطول المنارة تسع وتسعون ذراعا.

حكيم: خذ من الحمار شكره وصبره، ومن الكلب نصحه لأهله، ومن الغراب كتمانه للسفاد.

رأى عبادة تحت مخارق برذونا يقرمط، فقال: برذونك هذا يمشي على استحياء.

الأقيشر في حماره:

إذا ما انتحي في لجة الماء لم ترمقوائمه حتى يؤخر بالحمل
وإن بلغ الضحضاح فحّج بائلاصبورا على ضرب الهراوة والركل

وآخر:

أيا منزلي مالي عليك كرامةإذا أنت لم تكرم عليّ جوادي

أبو المهوش الأسدي:

نجى إيادا ولخما كل سلهبةواستلحم الموت أصحاب البراذين

عداوة الحمار للغراب مثل، قال:

عاديتنا لا زلت في قبابعداوة الحمار للغراب

يزيد بن مسلمة بن عبد الملك:

عودته فيما أزور حبائبيإهماله وكذاك كل مخاطر
فإذا احتبى قربوسه بعنانهعلك الشكيم إلى انصراف الزائر

شاعر:

جرى والجياد فلما جرىحثا في وجوه الجياد الثرى

روث الحمار إذا عصر وهو حار وشرب ماؤه نفع من الحصاة، وهو دواء للضرس المأكول.

وقيل لميسرة الفراس وهو أحد الأكلة: كيف تصنع إذا جهدتك الكظة والعرب تقول: إذا كنت بطنا فعدك زمنا؟ قال: آخذ روثا حارا وأعصره وأشرب ماؤه، فأختلف عليه مرارا، فلا ألبث أن يلصق بطني بصلبي، وأشتهي الطعام.

زياد بن وهب في صفة الفرس:

شديد الفقار طويل العذارأمين الشظا لا يخاف العثارا
بعيد مداه كما أمرّت قواهإذا السوط أفزعه قلت طارا
مبين له السبق عند الرهانفي الحرب ترزق منه الوقارا

كان لغني فرس مشهور يعرف بالضاري. قال أبو عبيدة: هو الضاري بن الأوج بن الدينار بن هجنس بن زاد الراكب. فلما نفق نعته عجوز من بني عامر إلى نسائهم، وقالت: أربعن يا نساء بني عامر فقد رزئتنّ غرة من غرر المجد، ألا إن الضاري قد نفق. فما بقيت امرأة من نساء بني عامر إلا كسرت رباعتها عليه. وفيه قيل:

غداة صبّحنا بطرف أعوجيمن نسب الضاريّ ضاريّ غني

كان لعمر بن عبد العزيز برذون يحتطب عليه ويستقي، وكان يركبه.

جاءت فرس لهشام سابقة فسأل الشعراء أن يقولوا فيها

فاستمهلوا، فقال أبو النجم: هل لك فيمن ينقذك إذ استنسؤوك، قال:

هات، فقال:

أشاع للطراد فيه ذكرهاقوائم عوج أطعن أمرها
مليونة شد المليك أسرهاأسفلها وبطنها وظهرها
يكاد هاديهايكون شطرها

فأمر له بجائزة سنية.

كان يزيد بن عبد الملك وهو يزيد الناقص مغرما بالخيل، فبلغه عن فرس لرجل من عبد القيس فراهة واستيلاء في الحلب على القصب، فوجه إليه من يشتريه له، فقال: لا أبيعه إلا بحكمي، فبذلوا له عشرة آلاف دينار. فقال: لو أعطيتموني بوزن الفرس مائة مرة دنانير ما بعته إلا بحكمي. قالوا: فما حكمك؟ قال: ترك لعن علي بن أبي طالب.

فكتب يزيد إلى الآفاق بذلك وأخذ الفرس. فترك لعنه إلى اليوم.

عبد الله بن عمران بن أبي فروة: كنت أسير مع الغمر بن يزيد، فاستنشدني فأنشدته لعمر ابن أبي ربيعة: ودع لبابة قبل أن تترحّلا. فأمر غلامه فحملني على بغلة فلما أراد غلامه أن يأخذها قلت: هو

أشرف من أن يحملني على بغلة ثم يأخذها. فقال له: دعها، ذهبت لبابة والله ببغلة مولاك.

سوبق بين الخيل فجاء فرس من بني جعدة متقدّما، فارتجز الجعدي يقول:

غاية مجد رفعت فمن لهانحن حويناها فكنا أهلها
لو ترسل الطيرلجئنا قبلها

فلم ينشب أن سبقه فرس ابن طلحة فقال عمر بن عبد العزيز للجعدي: سبقك والله ابن السباق إلى الخيرات.

عثر بالعباس بن محمد بن علي فرسه فمات، فقيل: قتل الجواد الجواد.

قال محمد بن سليمان بن علي لبشار: ما حسبك عنا؟ قال:

ركبت حماري فسقط ميّتا في الطريق، فلم أعرف سبب موته حتى رأيته البارحة في المنام فسألته، فقال لي:

سيدي خذ بي أتاناعند باب الأصبهاني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي خذ بي أتانا»
سحرتني برقاهاوثناياها الحسان
وبخدين أسيلين وجيد الشيفران
ولها إذن ذراعبذراع الشاهمان
فبها مت ولو عشت بها طال هواني

فضحك محمد وقال: وما الشيفران يا أبا معاذ؟ قال: ومن يدري غريب الحمار؟ فأمر له بحمار فاره.

أنس: ركب عمر ﵁ برذونا فهزه، فنزل عنه وقال:

ما يصلح هذا إلا أن يذهب عليه صاحبه إلى الغائط.

شاعر:

.........إيجاف كلّ منير الوجه بسام
يخرجن من مستطير النقع داميةكأن آذانها أطراف أقلام
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.