تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الخامس والتسعون دواب البحر من السمك وسائر الحيوان المختلف فيه وما وضع الله فيها العجائب

جابر بن عبد الله: بعثنا رسول الله ﷺ، وأمر علينا أبا عبيدة نتلقّى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فيكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصيّنا الخبط ثم نبلله بالماء فنأكله. فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدرة كالثور. ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رجل أعظم بعير منا فمر من تحتها. وتزودنا من لحمه وسائق. فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: هذا رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله منه فأكله.

القرش دابة عظيمة من دواب البحر تمنع السفن من السير، وتدع

السفينة فتقلبها، وتضربها فتكسرها.

وسمعت أنا من بعض البحارين بمكة: ونحن قعود عند باب بني شيبة، يصف لي القرش فيقول: هو مدور الخلقة، وعظمه كما بين مقامنا هذا إلى الكعبة، ومن شأنه أن يتعرض للجلاب، وهي السفن الكبار، فلا يرده شيء إلا أن يأخذ أهلها المشاعل، فثم الحذر والمرور على وجهه كالبرق، كل شيء عنده جلل إلا النار.

وقال: رأيت ملاحا يصعد في المردي فلما نصفه خرّ مقطوعا نصفين فنظرنا فإذا القرش قد ضربه بذنبه.

وبه سميت قريش، قال المشمرج بن عمرو الحميري:

وقريش هي التي تسكن البحربها سميت قريش قريشا
للشاعر أبو أمية الجمحي، اقرأ القصيدة
تأكل ألغث والسمين ولا تترك فيه لذي جناحين ريشا

وللشريف الرضي ذي المناقب في قطعة له مليحة:

يبرهن العدلي والمجبر في وعاوعه
والقرش لا يروعه النقيق من ضفادعه

حكي أن تمساحا وأسدا اعتلجا على شريعة، فضربه التسماح بذنبه، وضغم الأسد رأسه، فماتا جميعا.

ذل التمساح على وجه الأرض شبيه بذل الأسد في الماء الغمر، يذل حتى يركب الصبي ظهره، ويقبض على أذنيه كيف شاء، ويفعل ذلك غلمان السواد بشاطىء الفرات إذا احتملت الأسود المدود.

ويكون في النيل وخلجانه خيل في صور خيل البر، وهي تأكل التماسيح، وربما خرجت فرعت الزروع، وإذا رأى أهل مصر حوافراها علموا أن ماء النيل ينتهي في طلوعه إلى ذلك المكان. وإذا أصابوا منها

صغيرا ربوه في البيوت.

وفي سن من أسنان فرس الماء شفاء من وجع المعدة، وأعفاجه تبرىء من الجنون والصرع كما تبرىء لحوم بنات عرس.

كل ماضغ يحرك فكه الأسفل إلا التمساح فإنه يحرك فكه الأعلى.

سمك البحر كله ليس له لسان ولا دماغ.

الكوسج سمكة غليظة الجلد تشبه الجرّي، إن اصطادوها ليلا وجدوا في جوفها شحمة طيبة، وإن اصطادوها نهارا لم يجدوها.

الشبوطة تنتهي في النهر إلى الشبكة فلا تستطيع النفوذ، فتتأخر قاب رمح ثم تجمع جراميزها حتى تطفر الشبكة، وربما كان ارتفاع وثبتها أكثر من عشرة أذرع.

أكثر البياضة بيضا السمك، ثم الجراد، ثم العقارب، ثم الضباب، لأن السمكة لا تزن ولا تلقم ولا تحضن ولا ترضع فكثر الله ذرها. وما زق وحضن- والزق ضرب من القيء وفيه عليه وهن وشدة- قلّل الله نسله، كالحمامة لا تبيض إلا بيضتين. والدجاجة تحضن ولا تزق فزاد الله في بيضها وفراخها. والحية تضع ثلاثين بيضة، ولها ثلاثون ضلعا ولذلك قويت أصلابها. فسبحان من دبر هذا التدبير اللطيف، وأحكم هذه الحكمة البالغة.

من السمك قواطع كما في الطير، منها الأسبور والنرسوج يقطع

من بحر الزنج إلى دجلة البصرة تستعذب الماء، تتملح بعذوبة الماء كما تتحمض الإبل. تقطع في السنة مرتين. فتقيم في دجلة شهرين، وهي في إحدى المرّتين أسمن منها في الثانية. ويزعمون أن بين بحر الزنج والبصرة أبعد مما بين الصين ومنها.

الدخس دابة في البحر تنجي الغريق، تدنو منه حتى يضع يده على ظهرها، يستعين بالإتكاء عليها والتعلق بها وهي تسبح.

قالوا إنّ ببحر طبرستان سرطانا على جلده من الوشي والنقوش الدقيقة العجيبة ما يتحير فيها الناظر.

زعموا أن السمك يتجه نحو الغناء والصوت الحسن ويقرّ قرار المستمع، فإذا قطع نفر، وإذا أعيد عاد. وإذا سمع الدلفين وأنواع السمك صوت الرعد هرب إلى القعر وسدر.

والضفدع لا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل في الماء، فإذا صار في حنكه الأسفل بعض الماء صاح، ولذلك لا تسمع له نقيقا خارج الماء. وهو يعيش في الماء، ويبيض في الشط كالسلحفاة والرق.

الميخ بخراسان يكبس في الأزاج. ويحال بينه وبين الريح والهواء بأحكم ما يقدر عليه ومتى انخرق من تلك الخزانة في مقدار منخر الثور حتى يدخله استحال الميخ كله ضفادع.

ويرى في غب المطر ما لا يحصى من الضفادع، إذا كان المطر ديمة في مواضع لا يقربها بحر ولا نهر ولا شيء من معادن الماء، تجدها في الضحاضح وعلى ظهور المساجد، وتذهب العامة إلى أنها كانت في السحاب، وإنما تخلق عقب المطر في الأرض بعد وقوعه.

وزعم بعضهم أن أهل إيذج مطروا مرة أكبر شبابيط في الأرض وأسمنها وأعذبها.

والضفادع من الخلق المائي الذي يصبر عن الماء أياما صالحة، وتعظم ولا تسمن كالدراج والأرنب، فإن سمنهما أن يحملا اللحم.

وفي سواحل فارس ناس يأكلونها، وهي أجحظ الخلق عينا.

والأسد ينتابها في مظانها فيأكلها أكلا شديدا. والحية تطلبها في الشرائع. قال الأخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدل عليها صوتها حية البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

عبد الرحمن بن عثمان الليثي: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع.

ابن عمر: لا تسبوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح.

في خرافات مسيلمة: يا ضفدع نقي ما تنقين، نصفك في

الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، وكان يدعيها تنزيلا من لدن حكيم عليم، فسمع بها أبو بكر فقال: ما خرجت من إله.

شاعر:

قالت الضفدع قولافهمته الحكماء
في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء

الماء الراكد إذا صار رقراقا وضحضاحا استحال دعاميص، وانسلخت الدعاميص فصارت فراشا وبعوضا.

من شأن الدلفين أن يقتل السمكة الكبيرة، فإذا طفت استجن بها مندسا تحتها، فعل الصائد بالذريعة، فيقع عليها الطير يأكلها، فيثب عليها من تحت فيأخذها. وفي المحرضات:

لعمرك ما عبد العزيز بكافلتقيّ ولا عبد العزيز رضا كافي
وإنك واستكفاء مثلك مثلهكما استظهر الدلفين بالسمك الطافي

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.