تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الثامن والتسعون الحشرات والهوام ونحوها من دواب الأرض، وما اتصل بها وذكر منها

خالد بن الوليد سيف الله: دخلت مع رسول الله ﷺ على ميمونة زوج النبي فوجدت عندها ضبا محنوذا قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فقدمت الضب لرسول الله ﷺ، وكان قلما يقدم إليه الطعام حتى يحدث به أو يسمي له. فأهوى بيده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله بما قدمتن له، قلن: هو الضب يا رسول الله. فرفع يده، قلت: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، فاجتررته فأكلته ورسول الله ينظر فلم ينهني.

جابر: أتي رسول الله ﷺ بضب، فأبي أن يأكل منه، وقال: لا أدري لعله من القرود التي مسخت.

وروى الخدري أن أعرابيا قال له: إني في غائط مضبة وأنه عامة

طعام أهلي، فلم يجبه، فعادوه حتى قال في الثالثة: يا أعرابي، إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منها، فلا آكله ولا أنهى عنه.

وعن عمر ﵁: إن الله لينفع به غير واحد، وأنه لطعام عامة الرعاع، ولو كان عندي لطعمته، وإنما عافه رسول الله ﷺ.

وقال أبو الهندام ولد شبث بن ربعي:

أكلت الظباء فما عفتهاوإني لأشهى قديد الغنم
وركبت زبدا على تمرةفنعم الطعام ونعم الأدم
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فأما البسط وحياتكمفما زلت منها كثير السقم
وما نلت منها كما نسلتمفلم أر فيها كضب هرم
وما في البيوض كبيض الدجاج وبيض الجراد شفاء القرم
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
ومكن الضباب طعام العريبولا تشتهيه نفوس العجم
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

أطعم جران العود ضيفه ضبا، فهجاه ابن عم له فقال:

وتطعم ضيفك الجوعان ضباكأن الضب عندهم غريب

فأجابه:

ولولا أن أصلك فارسيلما عبت الضباب ومن قراها

آخر:

قربت للضيف من أضب كشاهاوأي لوية إلا كشاها

اللوية ما يرفع للشيخ أو الصبي من الطعم الطيب.

وأنشد الجاحظ:

إنك لو ذقت الكشي بالأكبادلما تركت الضب يمشي بالواد

حضر بدوي من بني هلال مائدة الفضل البرمكي، فذم الفضل أكله وأفرط، وتابعه القوم فأفرطوا، فغاظ ذلك الهلالي، فلم يلبث الفضل أن أتى بصحفة من فراخ الزنابير ليتخذ منها زماورد، وقد رأى ذلك بخراسان فاستظرفه. فخرج الهلالي وهو يقول:

وعلج يعاف الضب لؤما وخسةوبعض أدام العلج هام ذئاب
ولو أن ملكا كابر الحق معلنالقالوا لقد أوتيت فصل خطاب

آخر:

لعمري لضب بالعنيزة صائعةتضحى عرار فهو ينفخ كالقرم
أحب إلينا أن يجاور أرضنامن السمك النهري والسلجم الوخم

الأصمعي: يبلغ الحسل مائة سنة ثم تسقط سنة فحينئذ يسمى ضبا.

لا يحفر الضبّ إلا في كدية ويطيل الحفر حتى تفنى براثنه، ويتوخى الارتفاع عن مجاري الماء ومداق الحوافر. وقد علم أنه قليل الهداية فلا يحفر إلا عند أكمة أو صخرة أو شجرة، ويمعن في حجره، ويجعل عند ذنبه عقربا يتقي بها يد الحارض.

أنشد يحيى بن منصور الذهلي:

وبعض الناس أنقض رأي حزممن اليربوع والضب المكون
يرى مرداته من رأس ميلويأمن سيل بارقة هتون
ويحفر في الكدى خوف انهيارويحمل مكره رأس الوجين
ويخدع أن رأيت له احتيالارواغ الفهد من أسد كمين
ويدخل عقربا تحت الذنابيويعمل كيد ذي خدع ضنين

رأى بعض الفقهاء رجلا يأكل الضب، فقال: اعلم أنك أكلت شيخا من مشيخة بني إسرائيل.

أخذ لبدوية ضب تشق في حبالتها، فاسعدت الوالي، فعرض عليها عشرة أضب، فأبت أن ترضى، وقالت، إن ضبي ليس كالضباب، ضبي سبحل حائل أعور عنين، ضب بكلدة، لم ير ضبة ولم تره، فلم تزل حتى افتدوا منها ببكر من الإبل.

أعرابي:

فلو كان هذا الضب لا ذنب لهولا كشية ما مسه الدهر لامس
ولكنه من أجل طيب ذنيبهوكشيته دبت إليه الدهارس

الضبة ترمي بمكنها ثمانين وتدعه أربعين يوما، ثم تجيء بعد الأربعين فتبحث عن مكنها فإذا حسلة يتعادين، فتأكل منه ما قدرت عليه.

وذنب الضب أخشن من السفن، وهو سلاحه وقد أعطي فيه من

القوة نحو ما أعطيت العقاب في كفها، فربما ضرب الحية فقطعها أو قدها.

وخرء الضب صالح للكوكب في العين، وقد يتداوى به الأعراب من وجع الظهر.

أبو حية العكلي: كانت الضبة دجاجة، وكانت الأرنب دراجة، يعني أن الطعمين متشابهان.

شاعر:

شديد اصفرار الكشيّين كأنماتطلى بورس بطنه وشمائله
فذلك أشهى عندنا من نتاجكملحى الله شاريه وقبح آكله

إعرابي:

سقى الله أرضا يعلم الضب أنهابعيد من الآفات طيبة البقل
بنى بيته فيها على رأس كديةوكان أمرا في حرفة العيش ذا عقل

وأنشد الأصمعي:

ذكرتك ذكرة فاصطدت ضباوكنت إذا ذكرتك لا أحيب
منحتكم المودة من فؤاديومالي من مودتكم نصيب

ومن خصائص الضب طول الذماء بعد الذبح، وهشم الرأس، والطعن الجائف، وطول العمر. ومنه المثل: لا آتيك سن الحسل وإن له نزكين ولأنثاه قرنان. قال:

سبحل له نزكان كانا فضيلةعلى كل حاف في الأنام وناعل

ويشركه في هذا الحرذون والسنقور. ومن الضباب ما له لسانان، ويأكل أولاده كالهرة.

الورل يقتل الضب، وهو أشد منه سلاحا. وقد يزيف إلى الإنسان وينفخ ويتوعد.

وعن بعض العرب: نجعت ورلا بطرره فنظرت فإذا هو قد عض إبهامي حتى اختفت فيها أسنانه، فلم يخلها حتى عضضت على رأسه، وشققته فإذا في قانصته حيتان عظيمتان، يشدخ رأس الحية ثم يبتلعها، وليس في الحيوان أقوى على أكل الحيات منه، ولا أكثر سفادا حتى لقد طم على العصفور والخنزير والذباب في ذلك. ويغتصب الحية بيتها كما تغتصب الحية بيوت سائر الأحناش والطير.

كان رسول الله ﷺ يحب بلالا ويمازحه، فرآه يوما وقد خرج بطنه فقال: أم حبين، وهي عظاية لها بطن بارز، وذكرها الحرباء، ويقال لها أم عويف، ويقول لها صبيان العرب:

أم عويف شمّري برديكإن الأمير غاضب عليك

وضارب بالسوط صفحتيك

فتنشر برديتها وتقوم على رجليها.

وهذا كما تقول للطحن، وهو يشبه أم حبين: أطحن لنا جرابنا، فيطحن بنفسه الأرض حتى يغيب فيها.

خطب ابن الأشعث فقال: أيها الناس، أنه ما بقي من عدوكم إلا كما بقي من ذنب الوزغة تضرب بها يمينا وشمالا ثم لا تلبث حتى

تموت. فمر به رجل من بني قشير فقال: قبح الله هذا ورأيه، يأمر أصحابه بقلة الاحتراس وترك الاستعداد.

ابن عباس: الوزغ بريد الشيطان لأنه يرسله ليفسد على الناس ملحهم. ورأيت أهل مكة أحرص شيء على قتل الوزغ، وعلى تحصين الملح وحفظه منه. ويقولون: إذا تمرغ فيه تمرغ الدابة في التراب أفسده على صاحبه وحوله إلى مادة لتولد البرص.

دخل أعرابي البصرة فاشترى خبزا فأكله الفار، فقال:

عجل رب الناس بالعقابلعامرات البيت بالخراب
كحل العيون وقص الرقابمجررات أجبل الأذناب
كيف لنا بأنمر الإهابمنهرت الشدق حديد الناب
كأنما برثن بالحرابتفرسها كالأسد الوثاب

تزعم العامة أن الفأرة كانت طحانة، والأرضة كانت يهودية، ولذلك يلطخون الأجداع بمرقة لحم الجزور.

يجمع بين الفأرة والعقرب في زجاجة، فتقرض إبرتها أولا حتى تتعجل السلامة من لدغتها، ثم تأكلها بعد ذلك.

الجرذ إذا خصي أكل الجرذان أكلا لا يقوم له شيء منها. قالوا: الخصي من كل جنس أضعف من الفحل إلا الجرذ، فإن الخصاء يحدث فيه شجاعة وجرأة لا يدع الجرذان الكبار التي غلبت الهررة وبنات عرس إلا قتلها.

خرء الفأره نافع من داء الثعلب.

من الناس من يمشي إلى الأسد، ويقبض على الثعبان، ولا يقدر أن ينظر إلى الجرذ، ويعتريه عند رؤيته من النفضة والاصفرار ما لا يعتري الصبور على السيف وهو يلاحظ بريقه عند قفاه.

بينا عبد الله بن خازم السلمي عند عبيد الله بن زياد إذا هو بجرذ أبيض دخلوا به للتعجب فتجمع ابن خازم حتى كأنه فرخ، واصفرّ وجهه فقال عبيد الله: أبو صالح يعصى الرحمن، ويتهاون بالشيطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الأسد، ويلقى الرماح بوجهه، وقد اعتراه من جرذ ما ترون. أشهد أن الله على كل شيء قدير.

جرذان الأنابير تخرج أرسالا إلى الماء، والجريّ قد كمن لها وهو فاتح فاه، فإذا عب الجرذ في الماء التهمه.

ربما قطعت الفأرة أذن النائم، وفي الفأر ما إذا عضّ قتل. قال الجاحظ: وأنا رأيت عند ذلك من العظاظ والعفاس ما لا يكون بين شيئين. ويزعمون أنهم لم يروا بين سبعين أو بهيمتين أشد من قتال بين جرذين. ويأتي الجرذ إلى القارورة الضيقة الرأس فيها الدهن، فيضرب بذنبه، فكلما ابتل أخرجه فلطعه، حتى لا يبقى فيها شيئا.

الهرة إنما تحتاط في دفن رجيعها وإخفاء رائحته لئلا تشمها

الفأرة فتهرب. وأحسن من هذا أن يلهمها الله ذلك لأنها من الطوافين عليهم والطوافات، لينظروا إلى فعلها فيتعلموا منها إخفاء عذرتهم، ولا يتركوها بارزة مكشوفة، كما هي عادة أكثرهم الذين هم شر من البهائم.

ربما كان السنور في الأرض، والفأرة في السقف، فلا يومىء لها ثلاث مرات إلا دير بها فزعا وطاحت فأكلها.

أبو زيد الأنصاري: دخلت على رؤبة وإذا هو يمل جرذانا ويأكلها، وقال: إنها خير من اليرابيع والضباب إنها تأكل التمر والخبز.

سمع قاص يقول: اللهم أكثر جرذاننا وأقلل صبياننا.

الحيات تبتلع الجرذان، وزعموا أنها منتنة الجلود والجروم لذلك، بخلاف الأفاعي فإنها تأكل الفار. وربما كانت الحية في غلظ الإبهام وقد ابتلعت جرذا أغلظ من الذراع.

يسقى صاحب الأسر خرء الفار فيطلق، ويحتمله الصبي فيشفيه من الحصر.

اطلع رجل من أهل الشام على جرذ أخرج من جحره دنانير كثيرة فركمها وأخذ يلعب بها. ثم أخذ يدخلها في جحره فقام وأخذ الدنانير.

فأقبل الجرذ يثب ويضرب بنفسه الأرض حتى مات.

يزعم أهل القاطول أن الفأر يخلق من طينة، وأنهم ربما رأوا الفأرة لم يتم خلقها بعد، فلا يريمون حتى يتم وتتحرك.

قال عمرو بن كركرة لأعرابي: أتأكلون القرنبي ؟ قال: طال

والله ما سال ماؤه على شدقيه.

الخلد أعمى أصم، يخرج من جحره فيقف على بابه ويفتح فاه، فيجيء الذباب فيسقط على شدقيه أو يمر بين لحييه، فيستدخلها بجذبه النفس، يعلم أنه رزقه وقسمته. ويخرج من جحره ترابا فيضعه حوله، وهو صالح للنقرس يبل بالماء ويطلى به موضعه.

من اليربوع واحتياله بما يسوي من محافره التي إذا طلب من هذا خرج من هذا، ومن هذا أخذت الزباء عمل الأنفاق. ومن شأنه أن يمشي على زمعاته في السهولة لئلا يتقصى أثره، كما تؤبر الأرنب.

القنفذ إذا نزعت فروه فما هو إلا شحمة قاعدة، والأعراب تستطيبه، وهو صالح للرياح. يشّبه به كل دخاس ونمام وناموس لأنه لا يظهر إلا بالليل. قال عبدة بن الطبيب:

قوم إذا دمس الظلام عليهمخرجوا قنافذ بالنميمة تمزع
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

ومن القنافذ جنس أعظم من هذه القنافذ، له شوك كصياصي الحاكمة والمداري، وقد سخر له وذلل وهيئت له، لأنه متى شاء أن يعمل منها شيئا يرمي به الشخص الذي يخافه فعل، وخرج كالسهم الذي

يحفزه الوتر. ونحو شجر الخروع إذا جف حبه في أكمامه تصدّعت عنه بعض التصدع حذف به، فربما وقع على أكثر من قاب مح طويل.

والبرذون يسقط عليه الذباب فيحرك ذلك الموضع من جسده أي موضع كان، سخره الله له كما مكنه من تحريك ذنبه.

ومن الناس من يحرك أذنيه، وربما حرك إحديهما، ومنهم من يبكي بإحدى عينيه، وبالتي يقترحها عليه المعنت. ويحكى عن جوار باليمن أن إحداهن تشخص قرنا من قرون رأسها أي قرن شاءت حتى ينتصب.

شاعر:

حمحم بعد حلقه ونورتهكقنفذ القف اختبى في فروته

اعترض رجل عبد الله بن الزبير في خطبته بكلمة، ثم طأطأ رأسه، فقال: ما له قاتله الله ضبح ضبحة الثعلب وقبع قبعة القنفذ.

بعضهم: رأيت حية ابتلعت كبشا عظيم القرنين، فلم تقدر على ابتلاع القرنين، فجعلت تضرب به يمنة ويسرة حتى كسرت القرنين وابتلعتهما.

يقطع ذنب الحية فتعيش إن أفلت من الذر.

قيل إن بالحبشة حيات تطير بها. ويزعمون أن الكمأة تعفن فيخلق منها أفاعي. ومن العجب أن الأفعى لا ترد الماء، ولا تريده، وهي مع ذلك إذا وجدت الخمر شربت منها حتى تسكر.

الثعبان عجيب الشأن في إهلاك بني آدم، يلّوي على ساق

الإنسان فيكسرها. وليس له إلا النمس، وهي دويبة تدنو منه فينطوي عليها يريد أكلها، فتحتشي ريحا وتزفر زفرة، فينقد الثعبان قطعا. ولولا النمس لأكلت الثعابين أهل مصر.

أبو حيان وأبو يحيى كنية الأفعوان لأنه يعيش ألف سنة.

ابن الحجاج وقد وهبت له دابة:

فديت من صيرني راكباولم أزل أرجل من حية
فديته إن فدائي لهفي قلب من يحده كية

رجلة الحية مشيها على بطنها.

جلود الحيات لا تفارقها، وإنما الذي يسلخ قشر فوق الجلد، وغلاف يخلق كل عام، كما يسلخ الجنين المشيمة. والطير سلخها تحسيرها. والحوافر سلخها عقائقها. وسلخ الإبل طرحها أوبارها. وسلخ الأيائل نصول قرونها. وسلخ الأشجار إلقاء ورقها.

النابغة:

صلّ صفا لا ينطوي من القصرجارية قد صغرت من الكبر
مهروقة الشدقين حولاء النظريفتر عن عوج حداد كالأبر

الحرباء ربما رآه الإنسان فتوعّده ونفخ وتطاول له حتى يفزع منه من لا يعرفه. وما عنه خير ولا شر.

السنقور إنما ينفع أكله إذ صيد في أيام سفاده، لأن لحم الهائج أهيج لآكله.

مر ماجن بالمدينة على ملسوع، فقال: أتريد أن أصف لك دواؤك؟ قال: نعم، قال: عليك بالصياح إلى الصباح.

سمع عالم رجلا يقول: أنا مثل العقرب أضر ولا أنفع. فقال:

ما أقل علمك! بل لعمري إنها تنفع، إذا شقّ بطنها ثم شدّت على موضع اللسعة، وتجعل في جوف فخار ويشدّ رأسه وتطيّن جوانبه ثم توضع في التنور، فإذا صارت رمادا سقي منه من به الحصاة مقدار نصف دانق فتتت الحصاة. وقد تلسع أصحاب ضروب من الحيات فيشفون. وتلقى في الدهن فيجتذب الدهن قواها فيكون مفرقا للأورام الغلاظ. وتلسع الأفاعي فتموت.

بعضهم: رأيت بالبادية ناقة قد نهشت الأفعى مشفرها والفصيل يرضعها، فبقيت الناقة سادرة واقفة، وخرّ الفصيل ميتا قبلها، فتعجبت من سرعة ما سرى السم في لبن ضرعها حتى قتل الفصيل قبل أمه.

عقارب القاطول يموت بعضها عن لسع بعض، ولا يموت عن لسعها غير العقارب.

لسع أعرابي فخيف عليه، فقيل: ليس شيء خير له من أن تغسل خصية زنجي عرق ويسقى غسالتها، فلمّا سقوه قطب، فقيل له:

طعم ماذا تجد؟ فقال: طعم قربة جديدة.

أرض حمص لا تعيش فيها العقارب، يزعم أهلها أن ذلك لطلسم. وإن طرحت فيها عقرب ماتت من ساعتها.

النبي ﷺ: لعن الله العقرب ما أخبثها! تلسع المؤمن والمشرك، والنبي والذمي.

الصاحب: كتبت من قاشان وقد قاسيت من خوف عقاربها ما يقاسيه شيخنا أبو عبد الله من عقارب الأصداغ.

ذكروا أن أقتل العقارب عقارب عسكر مكرم، وأهله يرون أن أصلح ما يعالج به موضع اللسعة مص الحجام، وربما فصلت ثنايا الحجام من مصه.

لسعت عقرب مفلوجا فذهب عنه الفالج. وولد الحامل التي لسعت وربما ماتت ولم تضره. وأشدّ اللسع أن تلسع أول ما تخرج من جحرها بعد أن أقامت فيه فتوّتها.

مشايخ الأعراب لا يقتلون ورلا ولا قنفذا، ولا يدعون أحدا يصطادهما، لأنهما يقتلان الأفاعي ويريحان منها.

شتم رجل الأرضة. فقال له بكر بن عبد الله المزني: «مه، فهي التي أكلت الصحيفة التي تعاقد المشركون فيها على رسول الله ﷺ، وبها تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

الجاحظ: وإن الذي يعجز عن صنعة السرفة وعن تدبير

العنكبوت في قلتها ومهانتها وصغر جرمها، ما ينبغي أن يتكبر في الأرض، ويمشي الخيلاء، ويتهكم في القول، ويتعالى ولا يستثني. وليعلم أن عقله منحة من ربه. وأن استطاعته عارية عنده.

إذا قدم القوم ليلة القرب من يصلح لهم أدوات السقي، عرفوا بانتعاش القردان دنوهم، من غير أن يحسوا حسا، فائتزروا وتهيّأوا للعمل.

قال ذو الرمة:

إذا سمعت وقع المطي تنعشتغشاشها من غير لحم ولا دم

احفظ بالأعجام في الغين فقد قلّ في زماننا المحتفظون به وبأمثاله.

الحرقوص دويبة أكبر من البرغوث، وعضها أشد من عضّه، وهي متولعة بفروج النساء تولع النملة بالمذاكير. وينبت لها جناحان فتصير فراشة، كما ينبتان للنحلة والجعل.

وقيل الحرقوص البرغوث بعينه، واحتجّ يقول الطرماح:

ولو أن حرقوصا على ظهر قملةيكسر على صفي تميم لولّت

ويقال له النهيك، قال أعرابي وقد عض بهن امرأته:

وإني من الحرقوص أن عض عضةلما بين رجليها لجدّ غيور
تطيب نفسي عندما يستفزنيمقالتها إن النهيك صغير

أعرابية:

يا أيها الحرقوص مهلا مهلاأإبلا أعطيتني أم نخلا

أم أنت شيء لا- يبالي الجهلا

كان أبو هريرة يفلي ثوبه فيلتقط البراغيث ويدع القمل، فقال له أنس، فقال: أبدأ بالفرسان ثم أعكر على الرجالة.

الجاحظ: البرغوث أسود أحدب نزاء، قال بعضهم: دبيبها من تحتي أشد علي من عضها. وليس ذلك بدبيب، والكن البرغوث خبيث، يستلقي على ظهره ويرفع قوائمه فيدغدغ بها، فيظن من لا علم له أنه يمشي تحت جنبه.

أعرابي:

ليل البراغيث عناني وأنصبنيلا بارك الله في ليل البراغيث
كأنهن وجلدي إذ خلون لهأيتام سوء أغاروا في المواريث

محبوب بن أبي العشنط النهشلي:

الليل نصفان نصف للهموم فماأقضي الرقاد ونصف للبراغيث
أبيت حتى تساميني أوائلهاأنزو وأخلط تسبيحا بتغريث
سود مداليج في الظلماء مؤذيةقال المليك لها في جلده عيثي

أعرابي:

ألا يا عباد الله من لقبيلةإذا ظهرت في الأرض شد مغيرها
فلا الدين ينهاها ولا هي تنتهيولا ذي سلاح من معدّ يضيرها

لقي قوم الجهد من براغيث دمشق وأنطاكية، فما خلصهم منها إلا قمص الحرير الصيني، جعلوها طويلة الأردان والأبدان، فناموا مستريحين.

أبو الرماح الأسدي:

تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكنبحنو الغضا ليلي عليّ يطول
يؤرقني حدب قصار أذلةوإن الذي يؤذينه لذليل
إذا جلت بعض الليل منهن جولةتعلقن بي أو جلن حيث أجول
إذا ما قتلناهن أضعفن كثرةعلينا ولا ينعى لهن قتيل
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةوليس لبرغوث عليّ سبيل

آخر:

هنيئا لأهل الري طيب بلادهموأن أمير الري يحيى بن خالد
بلاد إذا جن الظلام تظافرتبراغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة سود الوجوه كأنهابغال بريد أرسلت من مذاود

القمل لا يحدث من الوسخ أو العرق إذا علاهما ثوب أو ريش أو شعر حتى يكون لذلك المكان عفن وخموم.

وعن يحيى بن خالد البرمكي: شيئان يورثان القمل، الإكثار من أكل التين اليابس، وبخار اللبان. وثياب أكثر الناس تقمل إلا ثياب المخدمين المترفين، وربما كان الإنسان قمل الطبع وإن تنظّف وتعطّر وبدّل الثياب.

كساء عرض لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام حتى استأذنا رسول الله ﷺ في لبس الحرير، فأذن لهما.

ويسرع القمل إلى الدجاج والحمام إذا لم يغسل ولم ينظف بيته. ويعرض للقرد، فإذا أصاب قملة رمى بها في فيه.

وخرج محمد بن زبيدة في أيام محاربته المأمون متنّزها، فرأى دعارا قد تطافروا من الحانات، فأراد أن يدخل عليهم في مساكنهم ويسمع من حديثهم، فقعد ساعة فدبت قملة على ثوبه فتناولها بعض خدمه، فقال: أي شيء تناولت؟ فأخبره، فقال: أرنيها فقد والله سمعت بها وما رأيتها. قال الخادم: فتعجبت من المقادير كيف ترفع رجلا في السماء وتحط آخر في الثرى.

وألوان القمل على حسب مقارّه، فهو في رأس الأسود أسود، وفي رأس الأبيض أبيض، وفي رأس المختضب أحمر، وفي رأس الأشمط

أبرق، وفي وقت فصول الخضاب يكون أشكل، فإذا أبيض عاد أبيض.

وهكذا تخضرّ دود البقل وجراده وذبابه.

وليس ذلك بأعجب من حرة بني سليم حيث اسودّ كل شيء فيها من إنسان وبهيمة وطائر وهامة. وبلاد الترك جميع حيواناتها على صور الترك.

علي ﵇: ألا تنظرون إلى صغير ما خلق الله كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه؟ وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر، أنظروا إلى النملة كيف في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا يستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرّها لبردها، وفي وردها لصدرها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديدان، ولو في الصفا اليابس، والحجر الجامس.

ولو فكرت في مجاري أكلها، وفي علوها وسفلها، وما في الجوف من شراشيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها. لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر.

إذا خافت الذرة على الحب أن يفعن أخرجته إلى ظهر الأرض ليجف.

وربما اختارت لذلك الليل، لأن الليل أخفى، وفي القمر لأنها فيه أبصر، وإذا خافت أن ينبت في مكان ند نقرت موضع القطمير من وسط الحبة، وهي تعلم أنها من ذلك الموضع تبتدىء في البنات.

وعن لقمان: يا بني لا تكونن الذرّة أكيس منك تجمع في صيفها لشتائها.

وعن عمر بن عبد العزيز: قاتل الله زيادا، جمع لهم كما تجمع الذرة وحاطهم كما تحوط الأم البرة.

الذرة تفلق الحب أنصافا لئلّا ينبت فيفسد، وأما الكزبرة فتفلقها أرباعا، لأنها من بين الحب ينبت نصفها. قال الجاحظ: وهذا علم غامض إذا عرفه الفلاح المجرب والأكار الحاذق فقد بلغ الغاية.

وتجد من بعيد رائحة شيء لو وضعته على أنفك لم تجد له رائحة، كرجل دجاجة يابسة، تجد رائتحها من جوف جحرها، فإذا تكلفت حملها وأعجزتها استدعت إليها سائر الذر واستعانت بها.

إذا نضح باب قرية النمل بماء فيه زرنيخ أو كبريت هجرتها وهربت منها. وتهرب من دخان الميعة ودخان قرن الأيل.

الظربان أنتن خلق الله فسوة، تصيب الثوب فلا تذهب حتى يبلى، ويفسو في الهجمة وهي باركة فتتفرق، فلا تجمع إلا بجهد.

ويقال: هما يتسمان ظربانا، إذا تهاجرا. ويدخل جحر الضب فيسد خصاصه وفروجه ببدنه، وهو مستدير لأسفل الجحر حيث أمعن فيه، فما يرسل ثلاثا إلا خرج الضب وأعطى بيده، وكان الموت أهون عليه.

ليث عفرين ضرب من العناكب له ست أعين، يصيد الذباب صيد الفهود. إذا رأى الذباب لطى بالأرض وسكن أطرافه، فمتى وثب لم يخطىء.

شحمة الأرض: دويبة منقطة بحمرة، كأنها سمكة بيضاء، أعرض من الغطاية، تشبه كف المرأة بها.

قملة النسر إذا سقطت استحالت منها دويبة خبيثة أكبر من القملة تكون بمهرجان تفسخ الإنسان بأوحى من الإشارة باليد.

إذا أقربت العقرب أكل أولادها جلد بطنها وخرقته حتى تخرج، وقد ماتت الأم وقيل في ذلك:

وحاملة لا تكمل الدهر حملهاتموت وينمى حملها حين تعطب

العقارب القتالة تكون بشهزور، وقرى الأهواز، وعقارب نصيبين من شهرزور، لأنهم حوصروا ورموا في المجانيق بكيزان محشوة من عقارب حتى توالدت هناك.

صيد العقرب أن تشك جرادة في طرف عود، وتدخل في جحرها، فتعلق بها. وتدخل فيه خوط كراث فلا تبقى فيه عقرب إلا تبعته.

وهذا آخر الكتاب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم تسليما كثيرا.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.