من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
حل الأبيات الشعرية
ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول منها وهو أدناها مرتبة:
أن يأخذ الناثر بيتًا من الشعر، فينثره بلفظه من غير زيادة, وهذا عيب فاحش.
ومثاله كمن أخذ عقدًا، قد أتقن نظمه، وأحسن تأليفه, فأوهاه وبدَّدَه، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدًا إلى صورة أخرى مثله, أو أحسن منه, وأيضًا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة، فيقال: هذا شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء.
وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين، فجاء مستهجنًا لا مستحسنًا؛ كقوله في بعض أبيات الحماسة:
وألدَّ ذي حنقٍ عليَّ كأنماتغلي عداوة صدره في مرجل
أرجيته عني فأبصر قصدهوكويته فوق النواظر من عل
فقال في نثر هذين البيتين: "فكم لقي ألدَّ ذي حنقٍ كأنه ينظر إلى الكواكب من علٍ، وتغلي صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبَّه لفمه ويديه", فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن، وطلاوة النظم لا غير.
ومن هذا القسم ضرب محمودٌ لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد
تضمَّن شيئًا لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ, ومثاله قول الشاعر في أول الحماسة:
لو كنت من مازنٍ لم تستبح إبليبنو اللقيطة من ذُهْل بن شيبانا
وقد نثرت ذلك فقلت: "لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا همَّ بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهَمَلَ وأقرِّب الأمل، وأقول: سبق السيف العذل": فذكر "بني اللقيطة" ههنا لا بُدَّ منه على حسب ما ذكره الشاعر، وكذلك الأمثال السائرة، فإنه لا بُدَّ من ذكرها على ما جاءت في الشعر.
وأما القسم الثاني وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة:
فهو أن ينثر المعنى المنظوم، ببعض ألفاظه، ويعزم عن البعض بألفاظ أخر، وهناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة, ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة، فإنه إذا أخذ لفظًا لشاعر مجيد قد نقَّحه وصحَّحه فقرنه بما لا يلائمه كان كمَن جمع بين لؤلؤة وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح، والاستهداف للطعن.
والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله. وسأورد ههنا مثالًا واحدًا ليكون قدوة للمتعلِّم، فأقول: قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له:
حَذَّاء تملأ كل أذنٍ حكمةًوبلاغةً وتدِرُّ كلّ وريد
فقوله: "تملأ كلَّ أذن حكمة" من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا أرَدْتَ أن تنثر هذا المعنى فلا بُدَّ من استعمال لفظه بعينه؛ لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله، وهذا عَسِرٌ جدًّا, وهو عندي أصعب منالًا من ناثر الشعر بغير لفظه؛ لأنه مسلك مضيق، لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة.
وأمَّا نثر الشعر بغير لفظه، فذلك يتصرَّف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا يكون فيه بمثالٍ يضطر إلى مؤاخاته.
وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها, وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: "وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عرف الكلام صارت المعرفة له علامة، وأُمِنَ من سرقته إذ لو سرق لدلَّت عليه الوسامة، ومن خصائص صفاته أنه يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت بفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة؟ ".
فانظر كيف فعلت في هذا الموضع? فإني لمَّا أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما تراه، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله.
وأما القسم الثالث وهو أعلى من القسمين الأولين:
فهو أن يؤخذ المعنى، فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه، وثَمَّ يتبين حِذْقُ الصائغ في صياغته، ويعلم مقدار تصرفه في صناعته، فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية، وإلّا أحسن التصرف، وأتقن التأليف، ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول.
واعلم أنَّ من أبيات الشعر ما يتَّسع المجال لناثره، فيورده بضروب من العبارات، وذلك عندي شبيه بالمسائل السَّيالة في الحساب, التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة ألَّا يخرج عن ذلك اللفظ، وإنما يكون هذا لعدم النظير.
فأمَّا ما يتَّسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي:
لا تعذُل المشتاق في أشواقهحتى يكون حشاك في أحشائه
وقد نثرت هذا المعنى، فمن ذلك قولي: "لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوي القلب على ما طواه"، ومن ذلك وجه آخر، وهو: "إذا اختلفت العينان في النظر, فالعذل ضرب من الهذر".
ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضًا:
إنَّ القتيل مضرَّجًا بدموعهمثل القتيل مضرَّجًا بدمائه
أخذت هذا المعنى فنثرته، فمن ذلك قولي: "القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون، غير أن ذلك لا يجرد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده"، فزدت على المعنى الذي تضمنه البيت، وغيرت اللفظ، ومن ذلك وجه آخر، وهو: "دمع المحب ودم القتيل متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونًا، إلّا أنهما يختلفان لونًا"، وهذا أحسن من الأول.
وأمَّا ما يضيق فيه المجال، فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه, فكقول أبي تمام:
تردَّى ثياب الموت حمرًا فما أتىلها الليل إلّا وهي من سندسٍ خضر
وقول أبي الطيب المتنبي:
وكان بها مثل الجنون فأصبحتومن جثث القتلى عليها تمائم
وأمثال هذا لا يأتي إلّا قليلًا، وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد حتى لا يكاد يأتي إلّا فذًّا، كهذين البيتين, ألَا تَرَى أن أبا تَمَّام قصد المؤاخاة في ذكر لوني
الثياب من الأحمر والأخضر, وجاء ذلك واقعًا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فكَّ نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك.
وبيت أبي الطيب جارٍ هذا المجرى؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع، وذاك أن حصنًا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه, فنهد سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدَّدَ بناءه, وهزم الروم، ونصب من جثث القتلى على السور، فنظم المتنبي في هذا قصيدًا أوله:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
فلمَّا انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات، فشرح صورة الحال في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه، وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه؛ لأنه يتصدَّى لنثره بألفاظه، فإن كان عنده قوة تصرُّف وبسطة عبارة, فإنه يأتي به حسنًا رائعًا.
وقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: "لم تكسه المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها، فبدَّل أحمر ثوبه بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره". وهذا من الحسن على غاية يكون كَمد حسودها من جملة شهودها.
وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: "سرى إلى حصن كذا مستعيدًا منه سبيةً نزعها العدو اختلاسًا, وأخذها مخادعة لا افتراسًا، فما نزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها, وكأنما كان بها جنون, فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلَّق عليها من رءوس القتلى تمائم". وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به، فمن شاء أن ينثر شعرًا فلينثر هكذا وإلّا فليترك.
وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى, وذاك أني أضفت إلى هذا البيت البيت الذي قبله وهو:
بناها فأعلى والقنا تقرع القناوموج المنايا حولها متلاطم
ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره وهو: "بناها والأسنَّة في بنائها متخاصمة, وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، وما أحلّت الحرب عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون, فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شكَّ أن الحرب تعرد عمَّن عزَّ جانبه، وتقول: ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه". وهذا أحسن من الأول وأتمَّ معنى.
وقد تصرَّفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا الأسلوب فقلت: "بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلّا بعد أن هدمت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم, أو شينت بعطلٍ فعلقت مكان الأطواق". وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله.
وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره, وذكر ما يسهل منه وما يعسر، فلنُتْبِعُ ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول:
من أحبَّ أن يكون كاتبًا، أو كان عنده طبع مجيب، فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه أن يبتدئ فيأخذ قصيدًا من القصائد، فينثره بيتًا بيتًا على التوالي، ولا يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه, أو بأكثرها، فإنه لا يستطيع إلّا ذلك، وإذا مرنت نفسه وتدرَّب خاطره، ارتفع عن هذه الدرجة, وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبًا من العبارات المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاحٌ, فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلًا ونهارًا، ولا يزال على ذلك مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابًا, أو خطب خطبة, تدفَّقت المعاني في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا
مغسولة، وكان عليها حدة حتى تكاد ترقص رقصًا، وهذا شيءٌ خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير.
فإن قيل: الكلام قسمان: منظوم ومنثور، فلم خصصت على حفظ المنظوم, وجعلته مادة للمنثور, وهلَّا كان الأمر بالعكس?
قلت في الجواب: إن الأشعار أكثر, والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب الذين هم أصل الفصاحة جُلُّ كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلّا يسيرًا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا أشعارهم كل المعاني, كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾, ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين, فلم يكن لهم إلّا الشعر، ثم استمرَّت الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، وحيث كانت بهذه الصورة، فكان حَثِّي على حفظها, واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب.
وقد نثرت في هذا الموضع أبياتًا تكون قدوة للمتعلم, فمن ذلك قولي في فصول الكلام يتضمَّن ذكر السيادة:
"وهو الشريف من شرف نفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه، فإنَّ تلك مكارم أتت فتجمَّل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولًا". وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر:
وما الفخر بالعظم الرميم وإنمافخار الذي يبغي الفخار بنفسه
ير أن الفصل الذي ذكرته يتضمَّن من المعنى زيادةً على ما تضمَّنه هذا البيت.
ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخٍ لإخوته, وتنصله إليهم، فقلت:
"جرحوا قلبي، وحبُّهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرًا، وأصبحت وهي منسيةً إذا تجددت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلّا من سيط دمي بدمه, ولحمي بلحمه، ولو أنَّ الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردًا على اسمه، وكيف أخشن عليهم وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانًا كهذه الأغصان، وقد أصيبت جرثومتها بالجداد، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذَّر الاعتياض عنهم, ولا يتعذر الاعتياض عن الأولاد". آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله:
تعزَّيت عمَّن أثمرتك حياتهووشك التعزِّي عن ثمارك أجدر
تعذَّر أن نعتاض عن أمهاتناوأبنائنا والنسل لا يتعذّر
غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرَّفت أنا في هذا المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبة أخٍ لإخوته.
ومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتابٍ يتضمَّن ذم المشيب، فقلت:
"والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلّا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيفٍ للذَّة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على حرصها، وصارت زيادته كزيادة التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، وأصبح بعد ذلك يدعى أبًا بعد أن كان يدعى ابنًا، وتقمَّص ثوبًا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء, ولا يزهى حسنًا، وإن قيل: إن أحسن الثياب شعار البياض, قيل: إلّا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاظة أن ينظر إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود بعده
لما استعير له لفظة الاشتعال، ومن الناس من يدلِّس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلّا حدادًا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب, ولا يخفى أنس الصادق من وحشة الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطَّلة, وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ثوب مرقَّع, وهي تراه بعين الثوب الجديد. وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله:
رأيت خضاب المرء بعد مشيبهحدادًا على شرخ الشبيبة يلبس
غير أنَّ في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر.
ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء, وهذا الفصل يشتمل على معانٍ متعددة، فمنها قولي في العطاء، وهو:
شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، واخضرَّت أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين الناس، وإذا غرسه عند إنسان رَبَّ ذلك الغراس، فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده، ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده". وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس:
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوالم يهدموا لبنائهم آساسا
ومن هذا المعنى أيضًا قولي:
"وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنفلها في الناس وفرضها، وتحلَّى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدًا لبعضها, فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله, وهذا مأخوذ من قول الفرزدق:
يداك بدٌ ربيع الناس فيهاوفي الأخرى الشهور من المحرم
وقد قال الشعراء في ذلك كثيرًا، إلّا أني أنا تصرَّفت في هذا المعنى تصرُّفًا لم يتصرَّف فيه أحد غيري.
ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو:
لقد سوَّى بين أعدائه في البغض وبين أمواله, فهذه معنية بوقع نصاله، وهذه معنية بصنائع نواله، ولو أحبَّ المال لكان أحبَّه إليه ما يبذله، كما أن أحبَّ الناس إليه منح يسأله، ومن أحسن ما سنَّه من الكرم أنه جاد حتى بدَّل رغب العافين زهدًا، ورأى الحمد عوضًا من الصنيعة, فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدًا. وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو:
ليت أعدائي كانوالأبي إسحاق مالا
ومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب, ووصف الشجاعة والأنجاد، وما يتعلق بذلك ويجري معه، وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة, فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر، وهو:
"فَسِرْنَا في غمامةٍ من الكتائب، تظلُّها غمامةٌ من الطيور الأشائب، فهذه يضمُّها بحرٌ من حديد، وهذه يضمها برُّ من صعيد, وما مرَّت ببلد إلّا أزالت أرضه من سمائه، وألبست نهاره ثوب ظلمائه، وبدلت أحراره بعبيده, وحرائره بإمائه، وكذلك فعلت بمدينة فلانة, وقد ضرب الأمن عليها سوارًا، وبَعُدَ عهدُها بالنوائب فلم تدخل لها ديارًا، فهي تخبر عن بلهنية الخفض, ولم ترع عنه بالانتقال، ولا رأت السيف, وقد ألقى لونه في ذوائب الأطفال، فما شعر أهلها إلّا وقد رجمها الجيش بكاهله، ورماها بوابله قبل طله, وطل السحاب قبل وابله، وبرزت خيل القوم ولها زي فرسانها، وهي مستبقة إلى طرادها كاستباقها إلى ميدانها، إلّا من تتأوّد القناة من يده بين لهذمين، وتستقل السرج منه ومن جواده بين مطهَّمين، فجرت المغاوير
إلى المغاوير، وتلاقت الرياح بالأعاصير، وكان الطعن بينهم عناقًا، واللبث وفاقًا، وسبق ألم الموت ألم الجراح، ونفذت غير مخضَّبةٍ لسرعتها أسنَّة الرماح، وحصل القوم في القبضة، وذمَّوا عقبى النهضة، وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد، موقنين أن رءوسهم عواري على تلك الأجساد، ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر عنقه لأنكره، ولا يود -وهو المعظم- أن يقال ما أعظمه, بل يقال ما أحقره، وتصرفت أيدي المسلمين في القتل والنهاب، وكان للسيف رقاب, وللسبي رقاب".
في هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة، ومنها ما أخذ من شعر المتنبي، كقوله:
سحابٌ من العقبان ترجف تحتهاسحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه
وكقوله:
واستعار الحديد لونًا وألقىلونه في ذوائب الأطفال
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمَّن البشرى بهزيمة الكفار، وهو:
"فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عارٍ وزيهم زي كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المُحْمَرَّ، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزرّ، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر الباقي على الدهر, وهو شعار نسجه السنان الخارق، لا الصنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلّا ريثما غابت البيض في الطلى والهام، وألف بين ألف الخط واللام".
وهذه معان حسنة رائقة، ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري، وهو:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرَّةً فكأنهم لم يلبسوا
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن فتحًا، وهو:
"أُصدر هذا الكتاب، والفتح غضٌ طريٌ لم تنصل حمرة يومه، ولا أغمدت سيوف قومه، فسطوره متَرَّبة بمثار عجاجه، ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه.
وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام:
كتبَّت أوجههم مشقًا ونمنمةًضربًا وطعنًا يقات الهام والصلفا
كتابةً ما تني مقروءةً أبدًاوما خططت بها لامًا ولا ألفا
إلَّا أنَّ أبا تمام مثَّل آثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة، وأنا مثَّلت الكتابة وإعجامه بالضرب والطعن، فكأنَّني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام:
وهذا مقصد في حلِّ الأبيات الشعرية حسن، فإن استخراج المعنى من عكسه أدق من استخراجه من نفسه، وقد نبَّهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل كتاب يتضمَّن فتحًا من فتوح الكفار، وهو:
"وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها، ورفعته على أعواد عالية كهيئة خطيبها، ولم تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة، وأنه ذو شعبٍ أربع, والتربيع نحسٌ في حكم النجامة، وكيف ترجو بكفرها ظهورًا ولها منه معنى الاختفاء, وللإسلام معنى السلامة، ولما التقى الجمعان اصطفت يمين وشمال، وزحفت جبال إلى جبال، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال، وأقدمت الخيل إقدام فرسانها، وأظلم النقع فلا تبصر إلّا بآذانها، ونالت النحور ثأرها من كعوب الرماح، واشتكت الأسنَّة فلا طريق بينها لمهبِّ الرياح، واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد، وحال حد السيف دون حديد الأصفاد، ونقلوا إلى
جهنم يصلونها وبئس المهاد، وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرًا، والصحائف أجرًا، والأيدي وقرًا، والقلوب جذلًا, والألسنة شكرًا، وكان ذلك اليوم في الأيام علمًا، وفي الأقسام قسمًا، ولم يره الزمان منسوبًا إليه, ولا راجع شبابًا بعد أن ناهز هرمًا".
في هذا الفصل شيء من معاني الشعر، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي:
أتاهم بأوسع من أرضهمطوال السبَّيب قصار العُسُبْ
تغيب الشَّواهق في جيشهوتبدو صغارًا إذا لم تغب
ولا تعبر الريح في جوهإذا لم تخطَّ القنا أو تثب
ومن قوله أيضًا:
في جحفلٍ ستر العيون غبارهفكأنما يُبْصِرْنَ بالآذان
ومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصريخ، وهو:
إذا استُصْرِخَ أَصْرَخَ بعزمٍ غذته صحبة الجيش عن لذة العيش، فهو يستعذب حر الثغور على برد الثُّغور، ويلهو بالبيض الذكور عن بيض الخدور، ولا طيب عنده إلّا ريح العجاج، ولا عناق إلّا أطراف الزجاج، ولا أرب له في الرقاد إلّا على صهوات الجياد، فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر، ونجدة بأسه تأبَى لقاء الأقران في درع أو مغفر. وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة، ومن شعر مسلم بن الوليد.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر، وهو:
"إذا سموتَ لأمر فكن واحدًا في مكانك، ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال: فلان من أقرانك، ألم تر إلى الحرباء الذي هو دويبة حقيرة الشأن، ضعيفة الأركان، فإنه ارتفع في هواه عن الأرض وأُنْسِهَا, إلى السماء وشمسها، وقال: لا أحب من تفسد الأيام من حسنه، ولا من أحد بسمة خلمه ولا خدنه، والهمم ليست منوطة بجهارة المناظر، والتعويل على الخبر المستتر في الأفئدة الباطنة لا على الظواهر، ومن ههنا قيل: إن وضاءة النفوس أنضر من وضاءة الأجساد، ورقم الشيم أحسن من رقم الأبراد", وآخر هذا فصل ينظر إلى قوم سحيم عبد بني الحسحاس:
إن كنت عبدًا فنفسي حرةٌ كرمًاأو أَسْوَدَ اللون إني أبيض الخلق
إلّا أن الفصل يتضمَّن معنًى غريبًا لم يسبقني إليه أحد.
ومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب، وهو:
"حاسد سيدنا ينظر إلى زهرة دنياه, ولا ينظر إلى استحقاقه، وهو كالناظر إلى الأطواق الموضوعة في الجيد, ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه، ولو قاس الدنيا بالاستحقاق لذهب الحسد من صدره، وقال: ما لي أحسد من لم ينته قدر دنياه إلى معشار قدره؟ ".
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن الأعذار عن تواتر المكاتبات، وهو:
"إذا اعتُذَِر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها، ولو كانت واردة على غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها, وقد عُدَّ احتمال تثقيلها من جملة الأيادي
التي أثقلته، وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتَهَنٌ بين قديم وجديد، وأصبح كخراشٍ إذ تكاثرت عليه الظباء فلم يدر لكثرتها ما يصيد، فإن أمسك سيدنا من أياديه وإلّا فليتفضل على الشكر بالإنظار، وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار".
هذا فصلٌ في هذا المعنى قلَّمَا يؤتَى بمثله، وفيه معنى واحد من قول الشاعر:
تكاثرت الظباء على خراشٍفما يدري خراشٌ ما يصيد
ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة، فقلت:
"كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ما أجنيه, فصرت أخاف ما لم أجنه، وكان لا يقبل علي شهادة عينه, فأصبح الآن يقبل على شهادة أذنه، لكن لم يجعل الله القلوب بين إصبعين من أصابعه, إلّا ليذهب بها كل وادٍ، ومن ههنا كانت تنتقل من وداد إلى قلىً, ومن قلىً إلى وداد، ولا شك أن لها بين الحالتين عمرًا تنتهي إليه كما تنتهي أعمار الأجساد، والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بُدَّ أن يعود إلى ذلك المكان".
وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي:
عهدتك لا تعتدّ بالعين شاهدًاعليَّ فلم أصبحت تعتد بالأذن
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الملوك على يد بعض العفاة، وهو:
"الشيم الكريمة للإنسان, بمنزلة المسك في سُرَرِ الغزلان، غير أن طيب هذه يعبق بالأنوف, وطيب هذه يعبق بالآذان، وقد جعل تفاوت المزية بين هذين الطيبين فرقًا، فأحدهما يبقى دائمًا ولا يذهب, والآخر يذهب ولا يبقى، ونصيب مولانا من الطيب الباقي نصيب زكت معادنه، وكثرت خزائنه، وسارت في الأرض محاسنه،
ورفعه الله به إلى محلٍّ يبعد شأوه على الطالب، ولا يرى إلّا في لسان شاعر أو لسان خاطب، وهو مما استُثْنِيَ من خلق الناس الذي هو من طين لازب، ومن أجل ذلك يرون أشباهًا ما عداه، وما منهم إلّا من يُقِرُّ بفضله ولو كان من حساده أو عداه, وقد أصبحوا وهم يقلُّون لديه حين يكثرون، ويقول كل منهم لصاحبه: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُون﴾.
هذا الفصل وإن تضمَّن شيئًا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن الكريم، بل منه شيء مأخوذ من الشعر، وهو قول المتنبي:
الناس ما لم يروك أشباهوالدهر لفظٌ وأنت معناه
ومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر، وهو:
"الخمر لا تفي لذة إسكارها [إلا] بتبغيض خمارها، فهي خرقاء البيان، بذية اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان، وقد عُرِفَ منها سُنَّة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرءوس بجناية أقدامها".
وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال:
ذكرت حقائدها القديمة إذ غدتوهنًا تداس بأرجل العَصَّار
لانت لهم حتى انتشوا فتحكَّمَتفيهم فنادت فيهم بالثَّار
وكذلك قلت في وصفها أيضًا، وهو:
"مدامة تبقي خواطر الهموم، وتسري مسرى الأرواح في الجسوم، وتشهد بأن الكرم مستمَدٌّ من ماء الكروم، ويتمثَّل حَبَبُها نجومًا إلّا أنها مضلة والهداية بالنجوم. وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس:
إذا هي حلَّت في اللهاة من الفتىدعا همَّهُ من صدره برحيل
وما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج، لكنَّ الذي ذكرته بعد هذا المعنى من محاسن المعاني في وصفها.
وكذلك ما ذكرته في وصفها، وهو:
"الخمر كالعذراء في نفورها، وملازمة خدورها، ولهذا تشمئز من نكاح المزاج، وتصخب لمس الماء صخب الأبكار لمس الأزواج، ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف إكليلًا على رأسها، وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها".
وهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري، وإنما وصفت بأنها بكر، كقول أبي نواس:
فقلت لشيخٍ منهم متكلمٍله دين قسيسٍ وفي نطقه كفر
أعندك بكرٌ مرَّة الطعم قرقفٌصنيعة دهقانٍ تراخى له العمر
فقال عروس كان كسرى ربيبهامعتَّقةٌ من دونها الباب والستر
ووصفت بالنكاح والزواج، كقوله أيضًا:
وقهوةٍ كالعقيق صافيةٌيطير من كأسها لها شرر
زوجتها الماء كي تذلَّ لهفامتعضت حين مسَّها الذَّكَرُ
ومن ذلك ما ذكرته في الحزم، وهو:
"لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن بمضيقه، وإن أفضى الصدر إلى رحيبه، فإن توقي الداء خير من التعرض له مع وجود طبيبه، ولندع قول من يقعد على تل السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب، ويقول: ليس للعزم إلا تمام الصدور وليس عليه تمام العواقب".
بعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرسواعلى مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمرٍ عليهم أن تتمَّ صدورهوليس عليهم أن تتمَّ عواقبه
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الرأي والكيد، وهو:
"أخفى على العدو كيده حتَّى لم يدع كائدًا، وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنَّه حائرًا، فسيوفه تسطو على بعدها، ولا تقطع إلّا وهي في غمدها".
وبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تَمَّام وهو:
سكن الكيد فيهم إن من أعظــظم كيدٍ أن لا تُسَمَّى أريبًا
وكذلك قولي في هذا المعنى وهو:
"أخذ بسمع العدو وبصره، وسدَّ مطلع وِرْدَه وصَدَرِه، فيداه مغلولة مع أنها مطلقة السراح، ومقاتله بادية على أنها شاكية السلاح".
وهذا المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله".
وكذلك قولي أيضًا، وهو:
"يبيت برأيه العدو قبل جيشه، وتلقاه يطيش قلمه, الذي كلُّ الحلمِ في طيشه, فإذا أطلَّت وجوه الآراء كان رأيه لها صباحًا، وإذا جهزت الجحافل لحرب كان قلمه لها سلاحًا".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري:
وهو المرء ما غزا بلدًا بالرَّأْي إلّا كفاه غزو الجنود
ومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها, فمنه ما يتعلق بالسير، وهو:
ركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه، ويستقرب بُعْدَ المدى في نيل مطلبه، غير أن تلك تفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السباسب".
وهذا مأخوذ من قول المتنبي:
يباري نجوم القذف في كل ليلةٍنجومٌ له منهنَّ وردٌ وَأَدْهَمُ
ومن هذا المعنى أيضًا قولي، وهو:
"اتَّخذ الليل ظهرًا، واستلان خشونة المسرى، فلم يزل يقذف صبغة سواده بصبغة جواده، حتى بدت أديم الليل شيات صباحه، وشابة الأدهم في غرته وأوضاحه، فعند ذلك أخذ أحدهما في رحيله, وأخذ الآخر في نزوله".
وهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله، وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به.
ومن ذلك ما ذكرته أيضًا في فصل من كتاب، وهو:
"سِرْتُ وتحتي بنت قفرةٍ لا يذهب السرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بأثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام, قيل: هذه واحدة من الآكام، ولم تُسَمَّ "جسرةً" إلّا لأنها تقطع عرض الفلاة كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت "حرفًا" إلّا لأنها جاءت لمعنًى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيبٌ من الخيل يقبل بجذعٍ ويدَبِّر بصخره، وينظر من عين جحظة, ويسمع بأذن حشرة، ويجري مع الريح الزعزع, فيذرها وقد ظهر أثر القترة، وما قيد خلفها إلّا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه فلم يبرح، والكواكب قد ركدت فيه فلم تسبح، وأنا أودّ لو زاد طوله، ولم تظهر غرَّة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى للبعد وأكتم للأسرار، ودل عليه القول النبوي بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار، وما زلت أسير بريدها تنوء به حتى كاد ينضو لَوْن السواد، وظهر لون السرحان, فأغار على سرح السماء كما يغير على السرحان على سرح النقاد، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة, وإنما كان على الظهر السائر".
في هذا الفصل كل مليحة من المعاني، ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان كافيًا، وبعضه مأخوذ من الشعر، كقول أبي تمام:
طموحٌ بأثناء الزِّمَام كأنَّمَايخال بها من عَدْوِها طيف جنة
وكقوله:
بالشذقميات العتاق كأنَّمَاأشباحها بين الإكام إكام
ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب، وهو:
"لهم نسبٌ لا تدخله لام التعريف، وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف، فإذا ذكر أوله وقفت من عرفانه على طلل، ووجدته مهملًا في جملة الهمل، وإن قيل: إنه من نجوم السماء قلت: لكنه لا يخرج عن الثور أو الحمل، فما أرهف لوصفه لسان إلّا نَبَا، ولا اقتدح له زناد خاطر إلّا كَبَا، وهم منه كآوى الذي يرى الناس له ابنًا, ولا يرون لابنه أبًا".
وهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب، وهو من باب توليد المعاني الذي يسمَّى الكيمياء، وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب:
وما خبزه إلا كآوى يرى ابنهولم ير آوى في حزونٍ ولا سهل
فأبو نواس ذمَّ خبز الخصيب في عدم رؤيته، وأنا نقلت ذلك إلى النسب، فجاء ألطف وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة، وإذا حُقِّقَ النظر فيما ذكره أبو نواس في هذا المعنى لم يوجد مناسبًا، فإن الخبز في عدم رؤيته لا يحمل على ابن آوى، وإنما المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب.
ومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ قوم، وهو فصل من كتاب فقلت:
"تركت قومًا لم ينقعوا صدًى، ولم يجروا إلى مدًى، فأعراضهم نكرة العارف، وأموالهم حنظلة الناقف، لا تمطر سحبهم على كثرة مائها، ولا تزكو الذريعة بأرضهم على نمائها".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي:
تركت أناسًا لم يهشُّوا لمنَّةٍولم ينقعوا غُلَّ الظماء الخوامس
على القرب فيهم إنَّني غير طامعٍومنك على بعد المدى غير آيس
ومن هذا الباب أيضًا قولي وهو:
"تركت قومًا يسلون الحبيب، ويملون القريب، ولا يرعون من يرعاهم، ولا يدر اللبن على مرعاهم، فنوالهُم تَحَايَا، وأعراضهم ضَحَايَا، ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة، ولا يرتاحون لمنَّة، فالذرائع لديهم مدفونة، والصنائع غير مسنونة".
وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي:
رأيتكم لا يصون العرض جاركمولا يَدِرُّ على مرعاكم اللبن
جزاء كل قريبٍ منكم مللٌوحظ كل محبٍّ منكم ضغن
ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب، وهو:
"لولا التغرب لما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق".
وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو:
"في الانتقال تنويهٌ لخامل الأقدار، ولولا ذلك لم يكس الهلال حُلَّةَ الأبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سُرَرِ غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج منبته لم يتحلَّ بعز السنان ولا شرف الذؤابة".
وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه، فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال، وهو يشهد لنفسه.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام، وهو:
"أيام تعدُّ بأعوام لقصر أعمارها، وشهور لا يشعر بأنصافها ولأسرارها، فالأوقات بها أصائل, والمحاسن فيها شمائل, والمآرب في ساعاتها رياض في خمائل، فما أدري أهي خيالات أحلام غرت، أم أحاديث أمان مرَّت؟ ".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة:
شهورٌ ينقضين وما شعرنابأنصافٍ لهنَّ ولا سرار
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الإخوان، وهو:
"ليس الصديق من عَدَّ سقطات قرينه، وجازاه بغَثِّه وسمينه، بل الصديق من ماشى أخاه على عرجه، واستقام له على عوجه، فذلك الذي إن رأى سيئة وطئها بالقدم، وإن رأى حسنة رفعها على علم".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة:
إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحًاعني، وما سمعوا من صالحٍ دفنوا
إلّا أنَّ الذي ذكرته ضدَّ هذا المعنى، وقد يستخرج المعنى من ضده، وهو أحسن مما يستخرج من نفسه.
ومن هذا قولي أيضًا، وهو:
"ليس الصديق من صرَّى أخلاف وده, وغش في صفقة عهده, بل الصديق من لا ترد سلعة وده بإقالةٍ ولا عيب، ولا تخص محافظة إخائه بشهادةٍ دون غيب, فلذلك أخي من غير نسب، وكنزي من غير نشب".
وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع، وذلك يوجب الرد.
ومما ينتظم بهذا السلك قولي، وهو:
"الانتقال عن خلَّة الوداد، كالانتقال عن نسب الميلاد، وكما يحرُم هذا في نص الحكم المشروع، فكذا يحرم هذا في خلق الكرم المطبوع، على أنَّ نسب الخلَّة الذي ينميه القلب إلى القلب، أوصل من نسب الرحم الذي ينميه الابن إلى الأب، ولهذا كانت مودة سلمان قربى، ونسب أبي لهبٍ سبًّا وتبًّا".
وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس وهو:
كانت مودَّة سلمان له نسبًاولم يكن بين نوحٍ وابنه رحم
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار، وهو:
"دارٌ كانت مقاصر جنَّة، فأصبحت وهي ملاعب جنة، ولقد عميت أخبار قطانها، وأنشاز أوطانها، حتى شابهت إحداهما في الخفاء، الأخرى في العفاء، وكنت أظنَّ أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم فجرت بها سوافح دموعه، والليل شقَّ عليهم ثوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه".
وهذه معانٍ لطيفة جدًّا، وبعضها مأخوذ من شعر الشريف الرضي -رحمه الله تعالى:
أمرابع الغزلان غيَّرك البلىحتى غدوت مراتع الغزلان
ومما يلتئم بهذا المعنى قولي أيضًا، وهو:
"دارٌ أصبحت مراتع أذواد، بعد أن كانت مناجع روَّاد، فلو تصوَّرت الآمال التي مثلت بفنائها، كما تصوَّرت الآثار المماثلة من بنائها، لرأيت رسومها مع رسوم القباب، وعلمت كم غار بها من بحرٍ ونضب من سحاب".
وهذا معنًى حسن, له من نفسه مُثْنٍ وحامد، ومن سامعه يمينٌ وشاهد، وهو من معانيَّ المستخرجة.
ومن ذلك قولي أيضًا، وهو:
"النقص موكَّلٌ بكمال النعماء، ولذلك كان الوخم مقترنًا بالمرعى والماء, وقلما ترى ثمرة إلّا ومعها زنبور، ولا لذَّة إلَّا وإلى جانبها شيء محذور".
وكذلك قولي أيضًا، وهو:
"لا يظفر الرجل بمطالبه شفعًا، ولا تؤتيه من كل جهة نفعًا، بل يرى مرعًى بلا ماء وماءً بلا مرعى، ولذلك كانت النحلة مع الشهدة، والشوكة مع الوردة".
وبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام:
أرضٌ بها عشبٌ زاكٍ وليس بهاماءٌ وأخرى بها ماءٌ ولا عشب
إلّا أنَّ في الكلام المنثور زيادة على ما تضمَّنه الشعر، وكأنَّه ينظر إليه نظرًا بعيدًا.
ومن سبيل المتصدِّي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر, فيجعله مثل الإكسير في صناعة الكيمياء، ثم يخرج منه ألوانًا مختلفة من جوهر وذهب وفضة، كما فعلت في هذا الموضع، فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر, فاستخرجت منه ما ليس منه، وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية. وقد بسطت القول في هذا الموضع، وكشفت عن دفائنه في الكتاب الذي وسمته بـ"الوشي المرقوم، في حل المنظوم"، وهو كتاب مفرد في هذا الفن خاصة.
ومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع فقلت:
"فصل الرَّبيع هو أحد ميزاني عامه، والمستقيد لسامه من حامه، وقد وصف بأنه ميعاد نطق الأطيار، وميلاد أجنة الأزهار، والذي تَسْتَوْفَى به حولها سلافة العقار،
فإذا سلت السحب فيه سيوفها, كان ذلك للرضا لا للغضب، وإذا خلعت على الأرض غلالتها الدكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب".
وهذا المعنى مستَوْلَد من قول أبي تمام في وصف السحاب:
سلبته الجنوب والدين والدنيــا وصافي الحياة في سلبه
إلّا أن في الذي ذكرته معنيين غريبين إذا أمعن الناظر نظره فهمهما.
ومن ذلك ما ذكرته في لين القول وإعادته، وما يجري مجراه، كقولي في فصل من كتاب، وهو:
لم أُعِدْ عليه القول لأنه لا يبلغ مدى ميدانه، إلّا بتحريك سوطه وعنانه، بل أخذًا بأدب الله في أذكار القرآن واتباعًا لسنة نبيه ﷺ في تثويب الأذان".
وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام:
لو رأينا التأكيد خطة عجزٍما شفعنا الأذان بالتثويب
وكذلك قولي أيضًا، وهو:
"وقد علم أن لين القول أنجع قبولًا، وهو من أدب كليم الله إذ بعثه إلى فرعون رسولًا، ألا ترى أن الحداء يبلغ من المطايا بلطفه، ما لا يبلغه السوط على عنفه".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي تمام:
وخذهم بالرُّقَى إن المهارىيُهَيِّجُهَا على السير الحُدَاءُ
ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا، وهو:
"أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي جبلت النفوس على حبها، وكل ما يستلذه الأبدان من مأكلها فإنه يضرها من جهة طبها، ولهذا يذَمَّمُ من منفعة الهليلج، ومضرَّة اللوزينج، وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذاتها إلّا ضره من جهة ثوابه، وهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه، وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل: إن كل ما ينفع الكبد مضرٌ بالطحال".
وهذا مأخوذ من الأمثال العربية والمولدة.
ومن ذلك ما ذكرته في الزهد، وهو:
الناس في الدنيا أبناء الساعة الراهنة، وكما أن النفوس ليست فيها بقاطنة، ولهذا كانت المآتم بها كالأعراس يتفرّق ندي جمعها، فهذه تَنْسَى ما مضى من لذة سرورها, وهذه تَنْسَى ما مضى من ألم فجعها، ولا شبيه لها على ذلك إلّا الأحلام التي يتلاشى خيالها عاجلًا، وتجعل اليقظة حقها باطلًا، وما ينبغي حينئذ أن يفرح بها مقبلة, ولا يُؤْسَى عليها مدبرة، وكل ما تراه العين منها ثمَّ يذهب فكأنها لم تره، وغاية مطلوب الإنسان منها أن يمد له في مدة عمره، ويُمْلَى له في امتداد كثره, أمَّا تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود, وهو أخو الموت في كل شيء إلّا في سكنى اللحود، فالجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول، فلا ليلى بليلى, ولا النوار بالنوار، ولا الأسماع أسماع, ولا الأبصار أبصار، وأمَّا ماله فإنه أمسكه فهو عرضة لوارث يأكله، أو لحادث يستأصله, وإن أنفقه كان عليه في الحلال حسابًا، وفي الحرام عقابًا، فهذه زهرة الدنيا الناضرة، وهذه عقباها الخاسرة".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدوس:
وإذا الجنازة والعروس تلاقياألفيت جمعًا كله يتفرق
ومن قول أبي العتاهية:
أنما أنت طول عمرك ما عُمِّرْتَ في الساعة التي أنت فيها
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن تعزية، وهو:
"كيف يُظْلِمُ ذلك اللحد وبه من أعمال ساكنه أنوار? أم كيف يجدب وبه من فيض يمينه سحاب مدرار? أم كيف توحش أقطاره والملائكة داخلة عليه من تلك الأقطار? أم كيف يخفيه طول العهد على زوراه وطيب ترابه هادٍ للزوّار؟ وما أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل، الذي دق فيه الحزن الجليل، وسمحت له النفوس بالفدية على حب الحياة, وذلك من الفداء القليل، وقد قيل: إنه لم يخلق الدمع إلّا إنذارًا بأنَّ نوائب الزمان ستنوب، وقد جعله الله ذخرًا للقائها, وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب، والذي ذخرته منه لم يغن عني في هذه النائبة، وأيّ جنةٍ تقوم في وجه سهامها الصائبة؟ لا جرم أني أصبحت بين يديها هدفًا للرِّمَاء، ولم يبق مني إلّا ذماء الحشاشة, ومن العجب بقاء الذماء".
وشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي:
لم يخلق الدمع لامرئٍ عبثًاالله أدرى بلوعة الحزن
وكذلك ذكرت فصلًا في كتاب آخر يتضمَّن تعزية، وهو:
"فياويح أيدٍ أسلمته إلى الثرى, وما كان يسلمها إلى الإعدام، وألبسته ظلمة اللحد وطالما, جلا عنها غيابة الظلم والإظلام، وغادرته بوحدته مستوحشًا, وقد كان يؤنسها بنوافل الإنعام، ومثله لا يواري القبر منه إلّا صورة يدركها النفاد، وتَبْلَى كما يَبْلَى غيرها
من الأجساد، ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة الحسَّاد، ويتمثَّل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد".
وبعض هذا مأخوذ من قول بعض شعراء الحماسة:
فإن تدفنوا البكريَّ لا تدفنوا اسمهولا تدفنوا معروفه في القبائل
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب، فقلت:
وله البيان الذي يغضُّ من نسق الفريد، ولا يخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فوق كلام المُجِيد ودون القرآن المَجيد، وإذا اختصروا صفته قيل: إنه يستميل سمع الطروب، ويستحق وقار القلوب، ويتمثل آيات بيضاء من غير ضمٍّ إلى الجيوب، ويرى في الأرض غير لاغبٍ إذا مسَّ غيره فترة اللغوب، ولا تزال الناس في عشق معانيه ضربًا واحدًا, والعاشقون ضروب, ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل، وخصَّه بنبوة البيان إلّا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سدَّ بابه لقيل: هذا كتاب منَّزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم يبتلوا فيه بداء الحسد الذي يصليهم بتوقُّد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقيةً بعدهم فلمَّا أتَى صارت كما صاروا إلى الألحاد".
وفي هذا الفصل شيء من المعاني الشعرية كقول البحتري:
مستميلٌ سمع الطروب المعنىعن أغاني مَعْبَدٍ وعقيد
وقول الشريف الرضي ﵀:
عشقت وما لي يعلم الله حاجةٌسوى نظري والعاشقون ضروب
وفيه أيضًا من معاني القرآن الكريم، إلّا أنها جاءت ضمنًا وتبعًا، وموضعها يأتي بعد الأبيات الشعرية.
وكذلك ذكرت فصلًا آخر من هذا الأسلوب وهو:
"إن للكلمة طعمًا يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفَّة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام، فلو لم نعرفه بطعمه، عرفناه بوسمه، والصباح لا يتمارى في إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على إشراق أنواره، وقد علم أن العرف يعرف بغصنه, وأن القول يعرف بلحنه، ونفائس هذه العقود لا يبرزها إلّا أنفاسه، فدررها لفظه, وسلوكها قرطاسه".
ومن هذا الباب قولي أيضًا، وهو:
"ألفاظ كخفق البنود، أو زأر الأسود، ومعانٍ تدل بإرهافها أنها هي السيوف, وأن قلوبًا نمتها هي العمود، فيخالها المتأمل حومة طعان، أو حَلْبَة رهان".
وبعض هذا مأخوذ من شعر البحتري:
يقظان ينتخب الكلام كأنهجيشٌ لديه يريد أن يُلْقَى به
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان اعتدى عليه شخص يدَّعي الكتابة وليس من أهلها، فقلت:
"وقد نيط بسيدنا قلَمَا الخطّ اللذان يُنْسَبُ أحدهما إلى المداد, ويُنْسَب الآخر إلى الصَّعَاد، فهو يدير هذا في معركة المقال, وهذا في معركة الطراد، ولربما صهل
أحد قلميه من فوق صفحات الدُّرُوج، كما تصهل الجياد من تحت أعواد السروج، فله احتفال المواطن والمجالس، وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس، لا كمن لا يجاوز همه طرفي ردائه، وإذا نودي لفضيلة قيل: إنما يسمع الحي بندائه، وكم في الناس من صور لا تجد لمعناها أثرًا، وإذا رأيتها قلت أرى خالًا ولا أرى مطرًا، وأي جمال عند من ليس له إلا جمال ثيابه، وهل ينفع السيف الكهام أن تجعل من الذهب حيلة قرابه، وكل من هؤلاء ذنبٌ يسعى بغير رأس، ولا له همٌّ إلا في عيشة الطاعم الكاسي, وإذا اعتبر حاله وجد من البهائم وإن كان من منسوبًا إلى الناس، والسيادة ليست في وشي الثياب، ولا في طيب الطعام والشراب، وإنما هي في شيئين: إما شهامة قَلَمٍ تفرق لها قلوب الغمود، أو شهامة رمح تفرق لها قلوب الأسود، وكأنِّي بقوم يسمعون هذا وكلهم يمتعض امتعاض المغضب، وتتابع نفسه تتابع المتعب، ويعترض الشجي في حلقه حتى يغص من غير أن يشرب، ولم يزل بالحساد من سيدنا داءٌ يورثهم أرقًا، ويُوسِعُهم شرقًا، وكثيرًا ما تعرق له جباههم, وكذا الميت يندى جبينه عرقًا، وما أرى لهؤلاء دواء إلا أن يطرحوا عن مناكبهم ثقل المساجلة، والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه في مضمار المماثلة، وكنت أحبّ أن يقام على الكتابة محتسب حتى يتفلَّس منها خلق كثير، وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير، وفي مثل هذا السوق يظهر أهل الخلابة والنجش، وما منهم إلا من هو في الحضيض الأسفل وقد أجلس نفسه قائمة العرش، ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من زيفها، ولا حيف في هذا المقام على من أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها".
وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان, عرف بديك الجن:
يُزْهَى به القلمان إلّا أن ذالدن المجسِّ وأنَّ ذا بكعوب
عودان يقضب ذا الطلى بلعابهويجوب ذا المهجات بالتركيب
ويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل، وتتأمّل الموضع الذي أخذت معنى هذين البيتين, ووضعته فيه، فإن فيه غناء ومقنعًا.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع