من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
القسم الأول: هجر الدلال
وهو الممدوح الصفات المقصود بالذات وسببه علم المحبوب بمكانته عند المحب وأنه يتلذذ بالاساءة كما يتلذذ بالحسنة ولا تغيره الحوادث على اختلاف الأزمنة ولهذا إذا صفت مرآة أهل المحبة اتحدوا في كل رتبة فيقع لأحدهم بعد المبالغة في هذا الصفاء أن يعتقد ارتفاع الخلاف واتصاف كل أحد بما عنده من الأوصاف فانظر إلى قول بهاء الدين زهير في قوله:
عتب الحبيب فلم أجدسبباً لذاك العتب حادث
ما كنت أعلم أنهممن تغيره الحوادث
فهو وإن لم يقع منه ما يوجب التغير كما أفهمه البيت الأول لم يعتقد تغير المحبوب بما يقع منه لأنه هو كذلك وفي هذا الأصل كلام للعارفين وكل يأخذ ما يناسبه من الاشارات والبهاء زهير لا يكثر عليه مثل هذا فلقد سمعت مولانا عارف الوقت الشيخ شمس الدين البكري أدام الله سدده يقول أنه كان إماماً عارفاً أو ذا لسان عارف وعلامة هذا القسم الأسعاف بالمطلوب وإن لم يكن كل آن والتلطف بالعاشق ورفع محله في غصون الهوان وهم يرون اليسير خطيراً والقليل كثيراً قال أستاذ الوجود في هذا المعنى:
ففي نظرة منها ولو عمر ساعةترى الدهر عبداً طائعاً ولك الحكم
وفوق ذلك قوله ﵁:
وإن لم أفز يوماً إليها بنظرةلعزتها حسبي افتخاراً بتهمتي
ودون اتهامي إن قضيت أسى فماأسأت بنفس بالشهادة سرت
فانظر كيف ارتضى بأن يموت محباً وإن لم يعلم به أحد ويكون شهيداً مع ذلك فائزاً بالسعادة في غاية الرضا بذلك بعد إذ سأل الوصل أولاً ثم نظرة ما في يوم ما ثم التهمة بالمحبة الصادقة على العدم ثم هذه الرتبة وما أحسن التكميل بعزة النظرة في هذا المقام وعلاج هذا القسم ينحصر في الصبر المقرون بالرضا ثم التسليم الخالي عن الشوائب المكدرة ومعنى قوله ﵁ ولو عز فيها الذل يحقق ذلك، وأما قوله:
ونفس ترى في الحب أن لا ترى عنامتى ما تصدّت للصبابة صدت
فزجر ينفي ويمنع غير النفوس الزكية والهمم العلية عن سلوك هذه المرتبة السنية رجع إلى كلام المترسمين قال بعضهم هجر الدلال أعذب من الوصال.
ويدل هجركم علىأني خطرت ببالكم
وقال آخر
لئن ساءني أن نلتني بمساءةلقد سرت أني خطرت ببالك
ويستحب لمن وسم بالجمال وأخذ بقلوب النساء والرجال أن يكون كثير الدلال قليل التبذل فإن ذلك ادعى للسلامة وأبعد عن الملامة ابن وكيع.
قالوا عشقت كثير التيه ممتنعاًفقلت هيهات عنكم غاب أطيبه
لو جاد هان وقلت الجود عادتهوإنما عز لما عز مطلبه
العباس بن الأحنف
يا قوم لم أهجركم لملالةمني ولا لمقال واش حاسد
لكني جربتكم فوجدتكملا تصبرون على طعام واحد
وقلت
عدي واضمري خلفاً يلذ بخاطريكوصلك وعدمنك غايته الخلف
فعندي موتي في هواك وعلمكبذلك وصف لا يعادله وصف
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع