من «التشبيهات» لابن أبي عون (ت ٣٢٢هـ)
باب ٢٢ في القيان
ومن حسن التشبيه في قينةٍ قول بعضهم وهون عكاشة
من كفِّ جاريةٍ كأنَّ بنانهامن فضةٍ قد طرفتْ عنابا
وكأنّ يمناها إذا نطقتْ بهاتلقى على يدها الشمالِ حسابا
ومثل البيت الأول لأبي نواس
يا قمراً أبررهُ مأتمٌيندبُ شجواً بين أترابِ
يبكي فيذرِي الدرَ من عينهِويلطمُ الوردَ بعنابِ
ومما يجمع حسن التشبيه وقرب الاستعارة قول ابن الرومي يصف مغنيات
وقيانٍ كأنها أمهاتٌعاطفاتٌ على بنيها حواني
مطفلاتٌ وما حملنَ جنيناًمرضعاتٌ ولسن ذاتَ لبانِ
ملقماتٌ أطفالهنَّ ثدياًناهداتٍ كأحسنِ الرمانِ
مفعماتٌ كأنها حافلاتٌوهيَ صفرٌ من درةِ الألبانِ
كل طفلٍ يدعَى بأسماء شتىبينَ عودٍ ومزهرٍ وكرانِ
أمه دهرها تترجمُ عنهوهوَ بادي الغنى عن الترجمانِ
أوتِي الحكمَ والبيانَ صبياًمثل عيسى بن مريم ذي الجنان
وأنشد الطائي
فكأنه في حجرها ولدٌ لهاضمتهُ بين ترائبٍ ولبانِ
طوراً تدغدغُ بطنهُ فإذا هفاعركتْ له أذناً من الآذانِ
وقال الناجم في قينةٍ المتقارب
إذا احتضنتْ عودها عاتبوناغتهُ أحسنَ أن يعربا
تدغدغُ في مهلٍ بطنهُفيحضرنا ضحكاً معجبا
وتعرك من أذنهِ إن هفاوفي الحقِ تأديبُ من أذنبا
وقد أدبَ الناسُ أمثالهُولكنه رأس من أدبا
وقال الحمدوني في تشبيه العود
وناطقٍ بلسانٍ لا ضمير لهكأنه فخذ نيطتْ إلى قدمِ
يبدي ضميرَ سواهُ في الحديثِ كمايبدي ضميرَ سواه الخطُّ بالقلبِ
وقال آخر
كأنّ تمثالهُ ساقٌ على قدمٍنيطتْ إلى فخذٍ بانت عن الكفلِ
آذانهُ منه قد جمعنَ أربعةًتجيبُ أربعةً في كفِ معتملِ
فذا أغنُّ وهذا فيه زمزمةٌوذاك صافٍ وهذا فيه كالصحلِ
وقال أبو ملك الأعرج في صفة العود
ومعملةٍ نواطق من كرانِبمشقوقٍ من البيضِ الرقاقِ
له عينانِ تحتَ النحرِ منهحكتْ إحداهما قمرَ المحاقِ
إذا غنتْ قديماً أو حديثاًفما للجيبِ من كفيكَ واقِ
وقال أحمد بن يوسف المتقارب
دَعِ العودَ عنا فما أصلقهْوعدِّ إلى القصفِ والزفزفةْ
بأبلجَ كالبدرِ في خدهِإذا كان في مجلسٍ أرجفهْ
فعارضهُ ابن أبي عون الكاتب فقال المتقارب
ألا قبحَ الدفُّ ما أسخفهْوواهاً على العودِ ما أشرفهْ
مرابضهُ من نحورِ القيانِإلى حدِّ أفخاذها المترفهْ
وتلعبُ في عقد أوتارهِأناملُ مصقولةٌ مرهفهْ
كجسِ النطاسي نبضَ العروقِلعلمِ الصحيحة والمدنفه
تناجيك بالصوتِ أوتارهُفتوفيكَ ألسنها أحرفهْ
ومثل ذلك قول الناجم في قينةٍ المتقارب
لقد جادَ من عاتبٍ ضربهاوزادَ كما جاء تغريدها
إذا نوتِ الصوتَ قبلَ الغناءِ أنشدنا شعرها عودها
وقال في زامرة
ما حضرتنا قتولُ غلاأذكتْ بتطرابها جوانا
تصدحُ بالصوتِ قيل يأتيكأنّ في نايها لسانا
ومن حسن الاستعارة قوله في قينةٍ
تأتي أغاني عاتبأبداً بإفراحِ النفوسِ
تشدو فنرقصُ بالرؤوسِ لها ونزمر بالكؤوسِ
ومثله قوله المجتث
سلامةُ بن سعيدٍيجيدُ حثَّ الراحِ
إذا تغنى زمرناعليه بالأقداحِ
ومن حسن التشبيه في هذا الباب قول ابن الرومي
بدعةُ عندي كاسمها بدعهْلا شكَّ في ذاك ولا خدعهْ
كأنما رقةُ مسموعهارقةُ شكوَى سبقتْ دمعهْ
غنتْ فلم تحتجْ إلى زامرٍهل يحوجُ الصبحُ إلى شمعهْ
وشيعَ الزمرُ أعاجيبهاكظبيةٍ أوفتْ على تلعهْ
كأنَّ تاجاً زادَ في بهجةٍلا عمةً غطتْ ولا صلعهْ
وقال الناجم في قوله رقةُ شكوى سبقت دمعه
لقد خلقتْ فينا بفتنتها حزوىغناءً ملوكياً أرق من الشكوى
وقال الطائي
مدتْ إليك بنانةً أسروعاتشكو الفراق ومقلةً ينبوعا
كادت لعرفانِ النوى ألفاظهامن رقةِ الشكوى تكونُ دموعا
وقال أبو عثمان في قينةٍ المنسرح
ما صدحتْ عاتبٌ ومزهرهاإلا وثقنا باللهوِ والفرحِ
لها غناءٌ كالبرءِ في جسدٍأضناهُ طولُ السقامِ والترحِ
تعبدهُ الراحُ فهيَ ما صدحتْإبريقنا ساجدٌ على القدحِ
وقال آخر
إذا ما حنَّ مزهرها إليهاوحنَّ لصوته الشربُ الكرامُ
وأصغوا نحوها الآذانَ حتىكأنهمُ وما ناموا نيامُ
وفي حسن الإصغاء إلى الغناء يقول الناجم
نسكتُ إن همتْ بتغريدهاسكوتنا إنْ نطق الخاطبُ
وقال أعرابي
قد ركدَ الهواءُ حتىكأنهُ أذنٌ تسمعْ
وقال ابن المعتز
ونداماىَ في شبابٍ وشيبٍأتلفتْ مالهمْ نفوسٌ كرمُ
بينَ أقداحهمْ حديثٌ قصيرٌهو سحرٌ وما سواهُ كلامُ
وغناءٍ يستعجلُ الراحَ بالراحِ كما ناحَ في الغضونِ الحمامُ
وكأنّ السقاةَ بينَ الندامَىألفاتٌ بينَ السطورِ قيامُ
وتشبيه الغناء بهديل الحمام معنى قديمٌ متداول والشرط إحضار النادر قال الناجم المتقارب
إذا أنتَ ميزتَ أهلَ الغناميزتَها الأحذَقَ الأطيبا
تهزُّ القريضَ بألحانهاكما هزتِ الغصنَ ريحُ الصبا
وله أيضاً
ما أشبهتْ نغماتُ حبهْإلا معانقةَ الأحبهْ
أحببْ بحبةَ إنهالسرورنا أبداً محبهْ
وقال أيضاً
ما تغنتْ إلا تكشفَ همٌعن فؤادٍ وأقشعتْ أحزانُ
تفضلُ المسمعينَ طيباً وحذقاًمثل ما يفضلُ السماعَ العيانُ
وقال أيضاً في قينةٍ
أحيا أبا يحيى الإلهُ فإنهبأسماعنا من عاتبٍ يحيينا
طفقت تغنينا فخلنا أنهالسرورها بغناءها تغنينا
ومن حسن الاستعارة في هذا المعنى قوله المنسرح
ما نطقتْ عاتبٌ ومزهرهاإلا ظللنا للراحِ نعملها
تطلبُ أوتارها الهمومَ بأوتارٍ فما تستفيقُ تقتلها
وقال ابن الرومي يرثي جاريةَ أم علي بنت الراسبي التي تسمى بستان المنسرح
واهاً لذاك الفناءَ من طبقٍعلى جميعِ القلوبِ مقتدرِ
أضحتْ من الساكني حفائرهمسكنى الغوالي مداهنَ السررِ
يا مشرباً كان لي بلا كدرٍيا سمراً كانَ لي بلا سهرِ
أصبحتِ في التربِ غيرَ راجحةٍبهِ وقد ترجحين بالبدرِ
وقال الناجم يرثي عجائب جاريةَ ابن مروان
أضحى الثرى بجوارهاعطرَ المسالكِ والمشاربْ
حلتْ حفيرتها حلولَ الملكِ من سررِ المواكبْ
يا درةً كانتْ تضيءُ لناظرٍ من كلِّ جانبْ
ومثل ذلك قول إبراهيم بن العباس
درةٌ حيثُ ما أديرتْ أضاءتومشم من حيثُ ما شم فاحا
وقال الناجم في قينةٍ
شدوٌ ألذُّ من ابتداءِ العين في إغفائها
أحلى وأشهى من منىنفسٍ بصدقٍ رجائها
وقال أيضاً
لها غناءٌ معجبٌ مطربٌيفعلُ ما تفعلهُ الخمرهْ
يشوقُ الأذنَ إلى شدوهاتشوقَ العين إلى الخضرهْ
كأنما فرحةُ من زارهافرحةُ من طارتْ له القمرهْ
لو أنَّ إسحاقَ شدا بعدَهالخلتَ من يسمعُ في سخرهْ
مندرةٌ في كل ألحانهالا كالتي تندرُ في الندرهْ
وله يهجو قينةً في مقلوب هذا المعنى
عجبتُ منها ويحها كيف لاتحظى بالإحسانِ في الندره
وهو مأخوذ من قول ابن مناذر يهجو قاضياً
يا عجباً من خالدٍ كيفيخطئ فينا مرةً بالصوابْ
وقال أبو عثمان في قينة المتقارب
لقد برعت عاتبٌ في الغناءِوزادتْ وأربتْ على البارعِ
يسبحُ سامعها إنْ شدتْفأصواتها سبحةُ السامعِ
ومما يدخل في هذا الباب وإن لم يكن فيه تشبيه ما كتب به يحيى بن علي إلى ابن المعتز
سيدي إن عندنا زرياباملأتنا روايةً وصوابا
أخلقتْ سيئها وإحسانها في السمعِ يردادُ جدةً وشبابا
وقال ابن الجهم في نباتةَ جارية ابن حماد
أقفر إلا من نباتٍ منزلهودرستْ آياتهُ وطللهْ
قد بانَ منها كلُّ شيءٍ تفعلهْإلا الغناءُ نصبهُ ورملهْ
فهيَ كما أرسلَ حقاً مثلهْما لكِ من شيخكِ إلا عملهْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع