من «التشبيهات» لابن أبي عون (ت ٣٢٢هـ)
باب ١٥ في الوجه وضيائه
ومن التشبيهات القديمة في الوجه وضيائه قول طرفة
ووجهٌ كأنَّ الشمسَ حلتْ رداءهاعليه نقيًّ اللونِ لم يتخددِ
حلت بسطتْ وأحلهُ من الحل ضدَّ العقد وقال ابن الرومي
كأنما غنتْ لشمسِ الضحىفألبستها حسنها خلعهْ
وقال زهير في هرم
لو كنتَ من شيءٍ سوى بشرٍكنتَ المنورَ ليلةَ البدرِ
وقال قيس بن الخطيم
كان المنى بلقائها فلقيتهافلهوتُ من لهوِ امرئٍ مكذوبِ
فرأيتُ مثل الشمسِ عندَ طلوعهافي الحسنِ أو كدنوها لغروبِ
أي في وقتين يمكن النظر إلى الشمس فيهما وقال النمر بن تولب
فصدت كأنَّ الشمس تحتَ قناعهابدا حاجبٌ منها وضنتْ بحاجبِ
أراد أنها أعرضت بوجهها للغضب وقال أبو نواس نحوه
يا قمراً للنصفِ من شهرهِأبدى ضياءً لثمانٍ بقين
وقال بشار في امرأةٍ أعرضتْ
ضنت بخدٍ وجلتْ عن خدِثمَّ انثنتْ كالنفسِ المرتدِ
ومن أحسن ما قيل في حمد الإعراض قول ابن الرومي
ما ساءني إعراضهُعني ولكنْ سرني
سالفتاهُ عوضٌمن كلِّ شيءٍ حسنِ
ما قلتُ إنْ قدْ عقنيبالصدِّ إلا برني
بدلني من حسنٍحسناً فماذا ضرني
وقال أبو نواس
تتيهُ الشمسُ والقمرُ المنيرُإذا قلنا كأنهما الأميرُ
فإنْ يك أشبها منه قليلاًفقد أخطاهما شبهٌ كثيرُ
لأن الشمسَ تغربُ حين تمسيوأنَّ البدرَ ينقصهُ المسيرُ
ونورُ محمدٍ أبداً تمامٌعلى وضحِ الطريقةِ لا يحورُ
وقال علي بن الجهم
يا بدرُ كيفَ صنعتَ بالبدرِأفضحتهُ من حيث لا يدري
الدهرُ أنتَ بأسرهِ قمرهْولذاكَ ليلتهُ من الشهرِ
وقال آخر
إذا أعتُبها شبهتها البدرَ طالعاًوحسبك من عيبٍ لها شبهُ البدرِ
وقال علي بن الجهم وذكر نساء
وقلنَ لنا نحنُ الأهلةُ إنمانضيءُ لمن يسري بليلٍ ولا نقري
لا بذلَ إلا ما تزودَ ناظرٌولا وصلَ إلا بالخيالِ الذي يسري
وقال أبو عثمان الناجم نحو ذلك
طالبتُ من شردَ نومي وذعرْوكحلَ العينَ بملمولِ السهر
بقبلةٍ تحسنُ في القلب الأثرفقال لي مستعجلاً وما انتظرْ
ليس لغيرِ العينِ حظٌّ في القمر
وقال ابن المسيب الكاتب
ومعذراً أبصرتهُيهتزُّ كالغصنِ الرطيبِ
ضاهى بنبتِ الشعرِ مافي البدرِ منْ تلكَ الندوبِ
للهِ ما أهدتهُ أعينُ ناظريهِ إلى القلوبِ
منْ ذي دلالٍ ناعمٍما شئتَ من حسنٍ وطيبِ
نهبتهُ أبصارُ الرجالِ فلم يكنْ نزراً نصيبِ
لكنْ دفعتُ إلى التلذذ حين أسرعَ للمغيبِ
وكأنه بدر الدجنةِ حين أصغى للغروبِ
شبهتهُ بالبدرِ في الحالينِ تشبيهَ المصيبِ
أعجبْ بذلك لو أطاعَ الغمز باللحظ المريبِ
فظفرت بالقمر النيرِ على قضيبٍ في كثيبِ
وعلوتُ منبرةً برهزٍ مثل ترجيع الخطيبِ
وأضفتُ ذاك إلى نخيرٍ مثل تشقيقِ الجيوبِ
قد كان ذلك ممكناًلكن دفعتُ إلى الكروبِ
ومما يدخل في هذه الجملة من صفات النساء قول امرئ القيس
يضيءُ الفراشَ وجهها لضجيعهاكمصباحِ زيتٍ في قناديلِ ذبالِ
كأنّ على لباتها جمرَ مصطلٍأصابَ غضى جزلاً وكفَّ بأجذالِ
ضوء الزيت أنورُ من غيره وأقل دخاناً وعلى ذلك قول النابغة الجعدي في امرأة المتقارب
أضاءتْ لنا النارُ وجهاً أغرَّ ملتبساً بالفؤادِ التباسا
تضيءُ كمثلِ سراجِ السليطِ لم يجعلِ الله فيه نحاسا
وقال عبد بني الحسحاس
كأنَّ الثريا علقتْ فوق َ نحرهاوجمرَ غضًى هبتْ له الريحُ ذاكيا
إذا اندفعتْ في ريطةٍ وخميصةٍولاثتْ بأعلى الرأس برداً يمانيا
أرتك غداةَ البينِ كفاً ومعصماًووجهاً كدينارِ الأغرةِ صافيا
وقال قيس بن الخطيم
وجيدٍ كجيد الرئمِ صافٍ يزينهُتوقدُ ياقوتٍ وفصلُ زبرجد
كأنَّ الثريا فوق ثغرةِ نحرهاتوقدُ في الظلماءِ أيَّ توقدِ
ومثل ذلك كثير في كلامهم ويكفي هذا الأنموذج منه وقال عبد الصمد بن المعذل في النساء
وهتكنَ ثنيَ الليلِ عنبيضِ السوالفِ والصفاحِ
فكأنما ضحكتْ سجوفُ الليل عن بيضِ الأداحي
وقال امرؤ القيس
إذا ما استحمتْ كان فضلُ حميمهاعلى متنتيها كالجمانِ لدى الجاني
وقال آخر نحوه المتقارب
كأنَّ الحميم على متنهاإذا اغترفتهُ باطاسها
جمانُ يجولُ على فضةٍجلتهُ حدائدُ دواسها
وقال آخر
جردهُ الحمامُ عن فضهْكشفَ منه عكناً بضهْ
كأنما الماءُ على جسمهِنملٌ على سوسنةٍ غضهْ
وقال النابغة
سقط النصيفُ ولم تردْ إسقاطهُفتناولتهُ واتقتنا باليدِ
بمخضبٍ رخصٍ كأنّ بنانهُعنمٌ على أغصانهِ لم يعقدِ
نظرت إليك بحاجةٍ لم تقضهانظرَ السقيمِ إلى وجوهِ العودِ
زعمَ الهمامُ بأنّ فاها باردٌعذبٌ إذا قبلتهُ قلتَ ازددِ
وإذا طعنتَ طعنتَ في مستهدفٍرابى المجسةِ بالعبير مقرمدِ
وإذا نزعتَ نزعتَ عن مستحصفٍنزعَ الحزورِ بالرشاءِ المحصدِ
وفي هذا المعنى ما ذكر في القصيدة التي لم ينسج على منوالها المشهورة بأنها يتيمة وقيل هي لزوبعة الملحى التي أولها
هل بالطولِ لسائلٍ ردُّأم هل لها بتكلمٍ عهدُ
إلى أن قال
ولها هنٌ رابٍ مجستهُضيقٌ مسالكهُ به وقدُ
وإذا طعنتَ طعنتَ في لبدٍوإذا نزعتَ يكادُ ينسدُّ
وأخذ ابن الرومي هذا المعنى فقال حيث وصف جارية الهاشمي بطيب الريق وضيق الفرج المنسرح
وصفتُ فاها الذي هويتُ على الرغمِ ولم يختبرْ ولم يذقِ
إلا بأخبارك التي وقعتمنك إلينا عن ظبية البرقِ
يفترُّ ذاك السوادُ عن يققٍمن ثغرها كاللآلئ القلقِ
كأنها والمزاحُ يضحكهاليلٌ تفرى دجاه فلقِ
لها حرٌ تستعيرُ وقدتهُمن قلبِ صبٍ وصدرِ ذي حنقِ
كأنما حرهُ لخابرهما ألهبتْ في حشاهُ من حرقِ
يزدادُ ضيقاُ على المراسِ كماتزدادُ ضيقاً أنشوطةُ الوهقِ
وقال أيضاً
يا شبيهَ البدرِ في الحسنِ وفي بعدِ المثالِ
جدْ فقد تنفجرُ الصخرةُ بالماء الزلالِ
وفي هذا المعنى لما فيه للرومي من أولِ قصيدة
صادَ القلوبَ بمقلةٍ وسناوسبى العقول هلعةً وسنا
وأتى بأزرق ثوبهِ متوشحاًفكأنه بدرٌ بدا بسما
وقال ابن المعتز في غلام عليه ديباجٌ جرميٌّ
وبنفسجيُّ الثوبِ قتلُ محبهِ من دائهِ
الآنَ صرتَ البدْرَ إذْألبستَ لونَ سمائهِ
وقال أبو عثمان الناجم في هذا المعنى
ما تعدتْ قتولُ إنْ ألفتْ زياً شبيهاً بوجهها ذي البهاء
لبستْ أزرقاً فجاءتْ بوجهٍيشبهُ البدرَ في أديمِ السماء
وقال جرير
ما استوصفتَ الناسُ من شيءٍ يروقهمُإلا رأوا أم نوحٍ فوقَ ما وصفوا
وقال
كأنها مزنةٌ غراءُ لائحةٌأو درةٌ ما يوارِي لونها الصدفُ
وقال ابن الرومي في نساءٍ
تواضعَ البدرُ إذْ ألبسنَ فاخرةًفكنَّ دراً وكان الدرُّ أصدافا
وقال البحتري في نساء
إذا نضونَ شفوفَ الريطِ آونةًقشرنَ عن لؤلؤِ البحرينِ أصدافا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع