من «التشبيهات» لابن أبي عون (ت ٣٢٢هـ)
البكاء
ومن جيد التشبيه في البكاء قول الشاعر
نظرتُ كأنّي من وراءِ زجاجةٍإلى الدار من ماء الصبابة أنظرُ
فعينايَ طوراً تغرقانِ من البكافأعشَى وطوراً تحسراِ فأبصرُ
فلا مقلتي من غامرِ الماء تنجليولا دمعتي من شدةِ الوجد تقطرُ
وليس الذي يجري من العينِ ماءهاولكنما نفسي تذوب فتقطرُ
وقال البحتري
وقفنا والعيونُ مثقلاتٌيغالبُ دمعها نظرٌ كليلُ
نهتهُ رقبةُ الواشين حتىتعلقَ لا يغيضُ ولا يسيلُ
وقال آخر
غلبتْ عيني الدموعُ فإنساني غريقٌ يبدو مراراً ويخفَى
فكأني أراكَ من دون سترٍهزتِ الريحُ متنهُ فتكفَّى
وقال آخر
لعلَّ جفوناً فرقَ الدهرُ بينهاتلاءَمُ أو تحلَى بطعمِ رقادِ
ويحسرُ دمعٌ لا يزالُ كأنهعلى الخدِ منهلاً تدافعُ وادِ
كأنّ السواري والغوادي تكلفتْله بسواري أدمعٍ وغوادي
وقال ابن هرمة
كأنّ عينيَّ إذا ولتْ حمولهمُمني جناحاً حمامٍ صادفا مطراً
أو لؤلؤْ سلسٌ في عقدِ جاريةٍورهاء نازعها الولدانُ فانتثرا
وقال ذو الرمة
ما بالُ عينكَ منها الماءُ ينسكبُكأنه من كلًى مفريةٍ سربُ
ومثله قوله
وما شنتا خرقاءَ واهيتا الكُلّىسقى فيهما ساقٍ ولما تبللا
بأضيعَ من عينيكَ للماءِ كلماتوسمتَ برقاً أو توهمتَ منزلا
وقال امرؤ القيس
عيناكِ دمعهما سجالُكأنّ شأنيهما أوشالُ
أو جدولْ في ظلالِ نخلٍللماءِ من تحتهِ مجالُ
وقال جران العودِ
أمستْ كأنّ العينَ أفنانُ سدرةٍعليها سقيط من ندى الليلِ ينطفُ
وقال آخر
عشىَّ وداعٍ قبحتْ من عشيةٍولكنها لا قبحتْ من مودعِ
كأنّ انحدارَ الدمعِ منها تعدهُلنا ذاتُ عدٍ قليلَ عدي وأسرعي
وقال ذو الرمة
قفِ العيسَ في أطلالِ ميةً واسلِرسوماً كأخلاقِ الرداءِ المسلسلِ
أظنُّ الذي يجدي عليك سؤالهادموعاً كتبذير الجمانِ المفصلِ
ومثل هذا التشبيه كثير مخلق والشرط في الاختيار أملك وقال الطائي
نثرتُ فريدَ مدامعٍ لم تنظمِوالدمعُ يحملُ بعض ثقلِ المغرمِ
وصلتْ نجياً بالدموعِ فخدهافي مثلِ حاشيةِ الرداء المعلمِ
ومثله قول الآخر
فواهَ من الأحزانِ إنْ أسفر الضحىوفي كبدي من حرهنَّ حريقُ
مزجنا دماً بالدمعِ حتى كأنمايذابُ بعيني لؤلؤٌ وعقيقُ
وقال الطائي
سرتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوى غدٍوعادَ قتاداً عندها كلُّ مرقدِ
فأذرى لها الإشفاقُ دمعاً مورداًمن الجفنِ يجري فوق خدٍ موردِ
وأحسن ابن يوسف في قوله
عذبَ الفراقُ لنا قبيلَ وداعناثم اجترعناهُ كسمٍ ناقعِ
وكأنما أثرُ الدموعِ بخدهاطلُّ سقيط فوق وردٍ يانعِ
وقال آخر في مثله
كأن سقوطَ الدمعِ في حر وجههاسقوطُ الندى أوفى على ورقِ الوردِ
وزاد ابن الرومي في هذا فقال المنسرح
ما يومُ بين الحبيبِ بالبعدِولا فؤادي عليه بالجلدِ
لو كنتَ يومَ الوداعِ شاهدناوهنَّ يطفئنَ غلةَ الوجدِ
لم ترَ إلا دموعَ باكيةٍتسفح من مقلةٍ على خدِ
كأنّ تلك الدموعَ قطرُ ندًىيقطرُ من نرجسٍ على وردِ
وقال الناشي المتقارب
بكتْ للفراقِ وقد راعنيبكاءُ الحبيب لبعدِ الديارِ
كأنّ الدموعَ على خدهابقيةُ طلٍ على جلنارِ
وقال البحتري في مقلوب ذلك
شقائقُ يحملنَ الندى فكأنهدموعُ التصابي في خدودِ الخرائدِ
وقال أبو نواس مما يدخل في هذا الباب وإن لم يكن في تشبيه
تقولُ غداةَ البينِ إحدى نسائهمليَ الكبدُ الحرى فسرْ ولكِ الصبرُ
وقد غلبتها عبرةٌ فدموعهاعلى خدها حمرٌ وفي نحرها صفر
يقول لون خدها أحمر فتشكلت الدمعة به لما وقعت عليه فصارت حمراء ولون نحرها أصفر عاجي فصار لونُ ما وصل إليه من الدمع أصفر وقيل للعباس بن محمد ما لون الماء؟ قال لون إنائه والعرب تنعت اللون الدري مثل قول ذي الرمة
كحلاء في برجٍ صفراءُ في نعجٍكأنها فضةٌ قد مسها ذهب
البرج سعة العين والنعج شدة البياض وقال المرقش
النشرُ مسك والوجوه دنانيرٌ وأطراف الأكفِ عنمْ
وقيل لأعرابية كيف لون ابنتك فقالت أحسن من النار الموقدة وقال بشار
وتخالُ ما جمعتْ عليه ثيابها ذهباً وتبرا
وقال أبو نواس
ظبيٌ كأن الله ألبسهُ قشورَ الدرِ جلد
وترى على وجناتهِفي أيِّ حينٍ شئتَ وردا
وهذا كثير جداً، ومن حسن الاستعارة في الدمع قول الطائي
مطرٌ من العبراتِ أرض خدهُحتى الصباح ومقلتاه سماؤه
أحبابه فعلوا بمهحةِ قلبهِما ليس يفعلهُ به أعداؤه
ونحوه قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
ولما رأيتُ البينَ قد جد جدهُوقد حانَ من نيلِ الفراقِ ركودُ
قعدنا فأمطرنا دموعاً سماؤهاجفونُ عيونٍ والبقاعُ خدودُ
والرواةُ تستحسن قول ابن الأحنف المتقارب
بكتْ غيرُ آنسةٍ بالبكاءِترى الدمعَ في مقلتيها غريبا
وقال بشار ما زال غلام بني حنيفة يعني عباس بن الأحنف يدخل نفسه فينا ونخرجه حتى قال
نزفَ البكاءُ دموعَ عينكَ فاستعرْعيناً لغيركَ دمعها مدرارُ
منْ ذا يعيركَ عينهُ تبكي بهاأرأيت عيناً للبكاءِ تعارُ
وقال دعبل بن علي
يا ربعُ أينَ توجهتْ سلمىأمضتْ فمهجةُ نفسهِ أمضا
لا أبتغي سقيا السحابِ لهافي مقلتي خلفٌ من السقيا
وقال العباس وشبه أحسن تشبيه ويروى لأبي نواس
لا جزَى اللهُ دمعَ عينيَ خيراًوجزى الله كلَّ خيرٍ لساني
نمَّ دمعي فليسَ يكتمُ شيئاًووجدتُ اللسان ذا كتمانِ
كنتُ مثل الكتابِ أخفاهُ طيٌّفاستدلوا عليه بالعنوانِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع