من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب هَذَا صدر وعجزه قد أنْشدهُ فِي بَاب النَّعْت.
على أَن أُمَيْمَة جَاءَ بِفَتْح التَّاء وَالْقِيَاس ضمهَا.
وَاخْتلفُوا فِي التَّوْجِيه. فَقَالَ الْجُمْهُور. إِنَّه مرخم وَالْأَصْل يَا أميم ثمَّ أدخلت الْهَاء غير مُعْتَد بهَا وَفتحت لِأَنَّهَا وَقعت موقع مَا يسْتَحق الْفَتْح وَهُوَ مَا قبل هَاء التَّأْنِيث.
لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن الْهَاء زَائِدَة وَفتحت إتباعاً لحركة الْمِيم. وَالثَّانِي أَنَّهَا أدخلت بَين الْمِيم وفتحتها. فالفتحة الَّتِي فِي أَولهَا هِيَ فَتْحة الْمِيم ثمَّ فتحت الْمِيم إتباعاً لحركة الْهَاء.. وَقيل: جَاءَ هَذَا على أصل المنادى وَلم ينون لِأَنَّهُ غير منصرف. وَقيل: هُوَ مَبْنِيّ على الْفَتْح لِأَن مِنْهُم من يَبْنِي المنادى الْمُفْرد على الْفَتْح لِأَنَّهَا حَرَكَة تشابه حَرَكَة إعرابه فَهُوَ نَظِير: لَا رجل فِي الدَّار.
وَقَوله: كليني أمرٌ من وكلت الْأَمر إِلَيْهِ وكلا من بَاب وعد ووكولاً: إِذا فوضته إِلَيْهِ واكتفيت بِهِ. وأُمَيْمَة تَصْغِير ترخيم أُمَامَة وَهِي بنته. وناصب بِمَعْنى منصب: من النصب وَهُوَ التَّعَب فجَاء بِهِ على طرح الزَّائِد وَحمله سِيبَوَيْهٍ على النّسَب أَي: ذِي نصب كَمَا يُقَال: طَرِيق خَائِف أَي: ذُو خوف. وأقاسيه: أكابده. يَقُول: دعيني لهَذَا الْهم المتعب ومقاساة اللَّيْل البطيء الْكَوَاكِب بالسهر وَلَا تزيديني لوماً وعذلاً وَجعل بطء الْكَوَاكِب دَلِيلا على طول اللَّيْل)
كَأَنَّهَا لَا تغرب فينقضي اللَّيْل. وَمَا أحسن قَول بَعضهم:
ليلِي كَمَا شَاءَت فَإِن لم تجئطَال وَإِن جَاءَت فليلي قصير
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للنابغة الذبياني مدح بهَا عَمْرو بن الْحَارِث الْأَعْرَج ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر بن أبي شمر بِفَتْح وَكسر وَيُقَال: شمر بِكَسْر فَسُكُون حِين هرب إِلَى الشَّام لما بلغه سعي بن ربيعَة بن قزيع بِهِ إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وخافه. وَهَذَا عَن أبي عبيد. وَقَالَ غَيره: هُوَ ابْن الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث الْأَكْبَر بن أبي شمر. وَبعده:
تطاول حَتَّى قلت لَيْسَ بمنقضٍوَلَيْسَ الَّذِي يرْعَى النُّجُوم بآيب
وصدرٍ أراح اللَّيْل عَازِب همهتضَاعف فِيهِ الْحزن من كل جَانب
عَليّ لعمرٍ ونعمةٌ بعد نعمةٍلوالده لَيست بِذَات عقارب
وَمِنْهَا:
وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهمبِهن فلولٌ من قراع الْكَتَائِب
وَسَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمُسْتَثْنى.
قَوْله: وَصدر مَعْطُوف على قَوْله: لَهُم فِي أول الْبَيْت. وأراح بمهملتين: متعدي راحت الْإِبِل بالْعَشي على أَهلهَا أَي: رجعت من المرعى إِلَيْهِم. والعازب بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: الْغَائِب من عزب الشَّيْء عزوباً من بَاب قعد: بعد وعزب من بَابي قتل وَضرب: وَقَوله: لَيست.. الخ الْجُمْلَة صفة إِمَّا لنعمةٌ المرفوعة أَو لنعمةٍ المجرورة أَي: نعْمَة غير مشوبة بنقمة كنعمة النُّعْمَان بن الْمُنْذر. وَعَمْرو هَذَا هُوَ الغساني من مُلُوك الشَّام.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: أول من ولي الشَّام من غَسَّان الْحَارِث بن عَمْرو
محرق. سمي بذلك لِأَنَّهُ أول من حرق الْعَرَب فِي ديارها وَهُوَ الْحَارِث الْأَكْبَر يكنى أَبَا شمر.. ثمَّ ابْنه الْحَارِث بن أبي شمر وَهُوَ الْحَارِث الْأَعْرَج وَأمه مَارِيَة ذَات القرطين وَهِي مَارِيَة بنت ظَالِم بن وهب بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة الْكِنْدِيّ وَأُخْتهَا هِنْد الهنود امْرَأَة حجر كل المرار الْكِنْدِيّ. وَإِلَى الْحَارِث الْأَعْرَج زحف الْمُنْذر الْأَكْبَر فَانْهَزَمَ جَيْشه وَقتل هُوَ.. ثمَّ الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث.. وَهُوَ ولد الْحَارِث الْأَعْرَج ثمَّ عَمْرو بن الْحَارِث وَكَانَ يُقَال لَهُ أَبُو شمر الْأَصْغَر. وَله يَقُول نَابِغَة بني ذبيان:
عَليّ لعمرٍ نعمةٌ بعد نعمةٍلوالده لَيست بِذَات عقارب
)
وَمن ولد الْأَعْرَج أَيْضا: الْمُنْذر والأيهم أَبُو جبلة. وجبلة آخر مُلُوك غَسَّان وَكَانَ طوله اثْنَي وَكَانَ أصل هَؤُلَاءِ من الْيمن وَكَانُوا من غَسَّان وَقيل من قضاعة. وَأول مُلُوكهمْ النُّعْمَان بن عَمْرو بن مَالك. ثمَّ من بعده ابْنه مَالك. ثمَّ من بعد مَالك ابْنه عَمْرو.. إِلَى خُرُوج مزيقيا وَهُوَ عَمْرو بن عَامر من الْيمن فِي قومه من الأزد وَسمي مزيقيا لِأَنَّهُ كَانَ يمزق كل يَوْم حلَّة لَا يعود إِلَى لبسهَا ثمَّ يَهَبهَا.
وَسمي عامرٌ مَاء السَّمَاء لِأَنَّهُ كَانَ يَجِيء فِي الْمحل فينوب عَن الْغَيْث بالرفد وَالعطَاء. ومزيقيا: ابْن حَارِثَة الغطريف بن ثَعْلَبَة البهلول بن امْرِئ الْقَيْس البطريق بن
مَازِن قَاتل الْجُوع ابْن الأزد لما خرج مزيقيا من الْيمن كَانَ مَعَه رجل اسْمه جذع بن سِنَان فنزلوا بِلَاد عك فَقتل جذعٌ ملك بِلَاد عك وافترقت الأزد وَالْملك فيهم حِينَئِذٍ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بت عَامر فَانْصَرف عَامله فحارب جرهم فأجلاهم عَن مَكَّة واستولوا عَلَيْهَا زَمَانا ثمَّ أَحْدَثُوا الْأَحْدَاث. وَجَاء قصي بن كلاب فَجمع معداً وَبِذَلِك سمي مجمعا واستعان ملك الرّوم فأعانه وَحَارب الأزد فَغَلَبَهُمْ وَاسْتولى على مَكَّة. فَلَمَّا رَأَتْ الأزد ضيق الْعَيْش بِمَكَّة ارتحلت وانخزعت خُزَاعَة لولاية الْبَيْت وَبِذَلِك سميت فَصَارَ بعض الأزد إِلَى السوَاد فملكوا عَلَيْهِم مَالك بن فهم أَبَا جذيمة الأبرش وَصَارَ قوم إِلَى يثرب فهم الْأَوْس والخزرج وَصَارَ قوم إِلَى عمان وَصَارَ قوم إِلَى الشَّام وَفِيهِمْ جذع بن سِنَان وَأَتَاهُ عَامل الْملك فِي خرج وَجب عَلَيْهِ فَدفع إِلَيْهِ سَيْفه رهنا فَقَالَ لَهُ الرُّومِي: أدخلهُ فِي حر أمك فَغَضب جذع وقنعه بِهِ فَقتله فَقيل: خُذ من جذعٍ مَا أَعْطَاك وَصَارَت مثلا. ثمَّ استولوا على الشَّام كَمَا تقدم ذكره. وَالله أعلم.
تَتِمَّة روى المرزباني فِي الموشح عَن الصولي بِسَنَدِهِ: أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك تشاجر مَعَ أَخِيه مسلة فِي شعر امْرِئ الْقَيْس والنابغة الذبياني فِي وصف طول اللَّيْل أَيهمَا أَجود فرضيا بالشعبي فأحضر فأنشده الْوَلِيد: كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب.. الأبيات الثَّلَاثَة.)
وَأنْشد مسلمة قَول امْرِئ الْقَيْس:...
وليلٍ كموج الْبَحْر أرْخى سدولهعَليّ بأنواع الهموم ليبتلي
السدول: الستور. ويَبْتَلِي: ينظر مَا عِنْدِي من صَبر أَو جزع.
فَقلت لَهُ لما تمطى بصلبهوَأَرْدَفَ اعجازاً وناء بكلكل
تمطى: امْتَدَّ. وصلبه: وَسطه. وأرْدف: أتبع. وأعجازه: مآخيره. وناء: نَهَضَ. والكلكل: الصَّدْر.
أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجليبصبحٍ وَمَا الإصباح مِنْك بأمثل
فيالك من ليلٍ كَأَن نجومهبِكُل مغار الفتل شدت بيذبل
المغار: الْحَبل الْمُحكم الفتل. ويذبل: جبل.
كَأَن الثريا علقت فِي مصامهابأمراس كتانٍ إِلَى صم جندل
فِي مصامها: فِي مقَامهَا. والأمراس: الحبال. والجندل: الْحِجَارَة. والصم: الصلاب.
قَالَ: فَضرب الْوَلِيد بِرجلِهِ طَربا فَقَالَ الشّعبِيّ: بَانَتْ الْقَضِيَّة قَالَ الصولي: فَأَما قَول النَّابِغَة: وصدرٍ أراح اللَّيْل عَازِب همه فَإِنَّهُ جعل صَدره مألفاً للهموم وَجعلهَا كالنعم العازبة بِالنَّهَارِ عَنهُ الرَّائِحَة مَعَ اللَّيْل إِلَيْهِ كَمَا تريح الرُّعَاة السَّائِمَة بِاللَّيْلِ إِلَى مَكَانهَا.
وَهُوَ أول من وصف أَن الهموم متزايدة بِاللَّيْلِ وَتَبعهُ النَّاس فَقَالَ الْمَجْنُون:...
يضم إِلَيّ اللَّيْل أَطْفَال حبهاكَمَا ضم أزرار الْقَمِيص البنائق
وَهَذَا من المقلوب: أَرَادَ: كَمَا ضم أزرار الْقَمِيص البنائق وَمثل هَذَا كثير فَجعل الْمَجْنُون مَا يَأْتِيهِ فِي ليله مِمَّا عزب عَنهُ فِي نَهَاره كالأطفال الناشئة. وَقَالَ ابْن الدمينة يتبع النَّابِغَة:
أظل نهاري فِيكُم متعللاًويجمعني والهم بِاللَّيْلِ جَامع
أَقْْضِي نهاري بِالْحَدِيثِ وبالمنى فالشعراء على هَذَا متفقون وَلم يشذ عَنهُ وَيُخَالِفهُ مِنْهُم إِلَّا أحذقهم بالشعر. والمبتدئ بِالْإِحْسَانِ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس: فَإِنَّهُ بحذقه وَحسن طبعه وجودة قريحته كره أَن يَقُول: إِن الْهم فِي حبه يخف عَنهُ فِي نَهَاره وَيزِيد فِي ليله فَجعل اللَّيْل وَالنَّهَار سَوَاء عَلَيْهِ فِي قلقه وهمه وجزعه)
وغمه فَقَالَ: أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل.. الْبَيْت وَقد أحسن فِي هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذهب إِلَيْهِ وَإِن كَانَت الْعَادة غَيره وَالصُّورَة لَا توجبه. وَقد صب الله على امْرِئ الْقَيْس بعده شَاعِرًا أرَاهُ اسْتِحَالَة مَعْنَاهُ فِي الْمَعْقُول وَأَن الصُّورَة تَدْفَعهُ وَالْقِيَاس لَا يُوجِبهُ وَالْعَادَة غير جَارِيَة بِهِ حَتَّى لَو كَانَ الرَّاد عَلَيْهِ من حذاق الْمُتَكَلِّمين مَا بلغ فِي كثير نثره مَا أَتَى بِهِ فِي قَلِيل نظمه وَهُوَ أَبُو نفر الطرماح بن حَكِيم الطَّائِي: فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ قصيدةً فَقَالَ:
أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا اصبحببم وَمَا الإصباح فِيك بأروح
فَأتى بِلَفْظ امْرِئ الْقَيْس وَمَعْنَاهُ ثمَّ عطف محتجاً مستدركاً فَقَالَ:...
بلَى إِن للعينين فِي الصُّبْح رَاحَةلطرحهما طرفيهما كل مطرح
وَإِنَّمَا أجمع الشُّعَرَاء على ذَلِك. من تضَاعف بلائهم بِاللَّيْلِ وَشدَّة كلفهم لقلَّة المساعد وفقد الحبيب وَتَقْيِيد اللحظ عَن أقْصَى مرامي النّظر الَّذِي لابد أَن يُؤَدِّي إِلَى الْقلب بتأمله شَيْئا يُخَفف عَنهُ أَو يغلب عَلَيْهِ فينسى مَا سواهُ.
وأبيات امْرِئ الْقَيْس فِي وصف اللَّيْل اشْتَمَل الْإِحْسَان عَلَيْهَا ولاح الحذق فِيهَا وَبَان الطَّبْع بهَا فَمَا فِيهَا معابٌ إِلَّا من جِهَة وَاحِدَة عِنْد أُمَرَاء الْكَلَام والحذاق بِنَقْد الشّعْر وتمييزه وَهُوَ قَوْله: فَقلت لَهُ لما تمطى.. الْبَيْت لم يشْرَح فَقلت لَهُ إِلَّا فِي بَيت بعده. وَهَذَا عيب لِأَن خير الشّعْر مَا لم يحْتَج بَيت مِنْهُ إِلَى بَيت آخر. وَقد تبع النَّاس امْرأ الْقَيْس وَصَدقُوا قَوْله وَجعلُوا نهارهم كليلهم فَقَالَ البحتري فِي غضب الْفَتْح عَلَيْهِ:
وألبستني سخط امْرِئ بت موهناًأرى سخطه لَيْلًا مَعَ اللَّيْل مظلما
وَكَأَنَّهُ من قَول أبي عُيَيْنَة فِي التَّذَكُّر لوطنه:
طَال من ذكره بجرجان ليلِيونهاري عَليّ كالليل داجي
وترجمة النَّابِغَة الذبياني قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع