من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْنِ نصف النَّهَار المَاء غامره هَذَا صدر وعجزه: ورفيقه بِالْغَيْبِ مَا يدْرِي
على أَن ضمير صَاحب الْحَال إِذا كَانَ فِي آخر الْجُمْلَة الحالية فَلَا شكّ فِي ضعفه وقلّته: فَإِن المَاء مُبْتَدأ وغامره خبرهن وَالْجُمْلَة حالمن ضمير نصف الْعَائِد إِلَى الغائص وَالضَّمِير الَّذِي ربط جملَة الْحَال بصاحبها فِي آخرهَا. وَهَذَا على رِوَايَة نصب النَّهَار على أَنه مفعول بِهِ قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: نصفت الشَّيْء نصفا من بَاب قتل: بلغت نصفه وَأما على رِوَايَة رَفعه فالجملة حَال مِنْهُ وَلَا رابط فتقدّر الْوَاو. وَعَلَيْهَا كَلَام صَاحب الْمُغنِي قَالَ: وَقد تَخْلُو الْجُمْلَة الحالية من الْوَاو وَالضَّمِير فيقدّر الضَّمِير فِي نَحْو: مَرَرْت بالبرّ قفيز بدرهم أَو الْوَاو كَقَوْلِه يصف غائصاً لطلب اللُّؤْلُؤ انتصف النَّهَار وَهُوَ غائص وَصَاحبه لَا يدْرِي مَا حَاله: نصف النَّهَار المَاء غامره فَنصف على هَذَا أَيْضا من بَاب قتل قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: إِن بلغ الشَّيْء نصف نَفسه فَفِيهِ لُغَات: نصف ينصف من بَاب قتل يقتل وأنصف بِالْألف وتنصّف وانتصف النَّهَار: بلغت الشَّمْس وسط السَّمَاء وَهُوَ وَقت الزَّوَال.
وَقد أثبت هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف وَالسَّيِّد الجرجانيّ فِي شرح الْمِفْتَاح.
أما العسكري فه اكَلَامه: قَالَ الرياشي: الَّذِي يروي نصف النَّهَار بِالرَّفْع يُرِيد معنى الْوَاو أَي: انتصف النَّهَار وَالْمَاء غامره وَهُوَ تَحت المَاء يَعْنِي الغوّاص وشريكه بِالْغَيْبِ أَي: بِحَيْثُ يغيب عَنهُ وَلَا يدْرِي مَا حَاله وَإِنَّمَا يغوص بِحَبل مَعَه طرفه وطرفه الآخر مَعَ صَاحبه. قَالَ الرياشيّ: الْحَال إِذا لم يرجع إِلَى الأول مِنْهَا شَيْء فَهُوَ قَبِيح فِي الْعَرَبيَّة. قَالَ: وَإِذا صيّرته ظرفا فَهُوَ جيد فِي الْعَرَبيَّة. وَقَالَ المازنيّ: الْجيد نصب النَّهَار على الظّرْف انْتهى.
وَكَون النصب على الظّرْف تجوّز فِي الْكَلَام وَالصَّوَاب على المفعولية.
وَأما السَّيِّد فقد قَالَ: النَّهَار مَنْصُوب من نصفت الشَّيْء: بلغت نصفه. وَالْمرَاد طول مكثه تَحت المَاء. وَفِي الصِّحَاح بِرَفْع النَّهَار من نصف الشَّيْء: بِمَعْنى انتصف. فالجملة الحالية حِينَئِذٍ خَالِيَة عَن الضَّمِير أَيْضا فَاحْتَاجَ إِلَى أَن قدّر الْوَاو محذوفة أَي: وَالْمَاء غامره أَي: ساتره)
انْتهى.
فَعلم من هَذَا أَن من قَالَ بِوُجُود الضَّمِير فِي هَذِه الْجُمْلَة جعل صَاحب الْحَال ضمير الغواص الْمُسْتَتر فِي نصف الناصب النَّهَار. وان من قَالَ بِعَدَمِ الضَّمِير جعل الْجُمْلَة حَالا من النَّهَار الْمَرْفُوع بِنصْف وقدّر الْوَاو للربط وَأما الضَّمِير الْمَوْجُود فَغير رابط لِأَنَّهُ لَيْسَ عَائِدًا على صَاحب الْحَال وَهُوَ النَّهَار بل هُوَ عَائِد على الغوّاص.
وَالْعجب من كَلَام ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ فَإِنَّهُ جعل الْجُمْلَة حَالا من النَّهَار الْمَرْفُوع وَقَالَ: الرابط الضَّمِير وه الَا يَصح فَإِن الضَّمِير لَيْسَ للنهار.
وَهَذِه عِبَارَته: وَلَو حذفت الضَّمِير من جملَة الْحَال الْمُبْتَدَأ بِهِ واكتفيت بِالْوَاو جَازَ نَحْو: جَاءَ زيد وَعَمْرو حَاضر. وَلَو حذفت الْوَاو اكْتِفَاء بالضمير فَقلت: خرج أَخُوك يَده على وَجهه جَازَ كَقَوْلِه: نصف النَّهَار المَاء غامره وأعجب مِنْهُ قَول ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب فِي جعله الْجُمْلَة حَالا وَصَاحب الْحَال غير مَذْكُور فِي هَذَا الْبَيْت بل هُوَ فِي بَيت قبل هَذَا بِأَبْيَات. وَهَذَا كَلَامه: جملَة المَاء غامره حَال وَكَذَلِكَ الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَالْمَاء غامره فَيَأْتِي بواو الْحَال وَلكنه اكْتفى بالضمير مِنْهَا. وَلَو لم يكن فِي الجملتين عَائِد إِلَى صَاحب الْحَال لم يجز حذف الْوَاو.
وَأما صَاحب هَاتين الْحَالين فَلَيْسَ بمذكور فِي الْبَيْت وَلكنه مَذْكُور فِي الْبَيْت الَّذِي قبله وَهُوَ:
كجمانة البحريّ جَاءَ بهَاغوّاصها من لجّة الْبَحْر. انْتهى
وَأغْرب من هذَيْن الْقَوْلَيْنِ صَنِيع ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة فَإِنَّهُ حكم على هَذِه الْجُمْلَة بِأَنَّهُ لَا رابط مَعهَا. ثمَّ نقض كَلَامه بِجعْل الضَّمِير رابطاً للْحَال بصاحبها الْمَحْذُوف. وَهَذَا مَا سطّره: إِذا وَقعت الْجُمْلَة الاسمية بعد وَاو الْحَال كنت فِي تضمينها ضمير صَاحب الْحَال وَترك تضمينها إِيَّاه مُخَيّرا فَالْأول نَحْو جَاءَ زيد وَتَحْته فرس وَالثَّانِي جَاءَ زيد وَعَمْرو يقْرَأ. فَأَما إِذا لم يكن وَاو فَلَا بدّ من الضَّمِير نَحْو أقبل مُحَمَّد على رَأسه قلنسوة. وَإِذا فقدت جملَة الْحَال هَاتين الْحَالين انْقَطَعت مِمَّا قبلهَا وَلم يكن هُنَاكَ مَا يرْبط الآخر بِالْأولِ وعَلى هَذَا قَول الشَّاعِر: نصف النَّهَار المَاء غامره يصف غائصاً غاص فِي المَاء من أول النَّهَار وَهَذِه حَاله. فالهاء من غامره ربطت الْجُمْلَة بِمَا قبلهَا حَتَّى جرت حَالا على مَا فِيهَا فكأنك قلت: انتصف النَّهَار على الغائص غامراً لَهُ اماء)
كَمَا انك إِذا قلت: جَاءَ زيد وَوَجهه حسن فكانك قلت: جَاءَ زيد حسنا وَجهه. هَذَا كَلَامه وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون مدح بهَا قيس بن معد يكرب الْكِنْدِيّ. وَقد أَجَاد فِي التغزل بمحبوبته فِي أَولهَا إِلَى أَن شبهها بِالدرةِ ثمَّ وصف تِلْكَ الدرة كَيفَ استخرجت من الْبَحْر فَقَالَ:
كجمانة البحري جَاءَ بهَاغوّاصها من لجّة الْبَحْر
صلب الْفُؤَاد رَئِيس أَرْبَعَةمتخالفي الألوان والنجر
فتنازعوا حَتَّى إِذا اجْتَمعُواألقوا إِلَيْهِ مقالد الْأَمر
وعلت بهم سجحاء خادةتهوي بهم فِي لجة الْبَحْر
حَتَّى إِذا مَا سَاءَ ظنهموَمضى بهم شهر إِلَى شهر
ألْقى مراسيه بتهلكةثبتَتْ مراسيها فَمَا تجْرِي
فانصب أَسْقُف رَأسه لبدنزعت رباعيتاه للصبر
أشفى يمجّ الزَّيْت ملتمسظمآن ملتهب من الْفقر
قتلت أَبَاهُ فَقَالَ: أتبعهأَو أستفيد رغيبة الدَّهْر
نصف النَّهَار المَاء غامرهوشريكه بِالْغَيْبِ مَا يدْرِي
فَأصَاب منيته فجَاء بهَاصدفيّة كمضيئة الْجَمْر
وَترى الصواري يَسْجُدُونَ لَهَاويضمّها بيدَيْهِ للتجر
فلتلك شبه الْمَالِكِيَّة إِذْطلعت ببهجتها من الخدر
الجمانة بِضَم الْجِيم: حَبَّة تعْمل من فضَّة كالدرة وَجَمعهَا جمان. أَي: هِيَ كجمانة البحريّ.
وصلب الْفُؤَاد بِالضَّمِّ أَي: قويّ الْفُؤَاد وشديده هُوَ صفة لغوذاص. وَرَئِيس أَرْبَعَة بِالنّصب حَال مِنْهُ وَقَوله: متخالفي الألوان: صفة أَرْبَعَة وَالْإِضَافَة لفظية. والنجر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم: الأَصْل. أَي: أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أصلهم مُخْتَلف وَكَذَلِكَ ألوانهم مُخْتَلفَة. والسجحاء بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة: الطَّوِيلَة الظّهْر وَأَرَادَ بهَا السَّفِينَة. والمراسي: جمع مرساة بِالْكَسْرِ وَهِي آلَة ترسى بهَا السَّفِينَة.
وَقَوله: فانصب أَسْقُف الخ. أَي: رمى بِنَفسِهِ فِي الْبَحْر وغاص لإِخْرَاج الدّرّ. والأسقف بِفَتْح الْألف وَالْقَاف من السّقف بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ طول فِي انحناء. ولبد بِكَسْر الْبَاء أَي: متلبد.)
وأشفى فعل مَاض يُقَال: أشفى على الشَّيْء: اي: أشرف عَلَيْهِ. ويمج: يقذف من فِيهِ كَمَا هُوَ عَادَة الغائص. وفاعلهما ضمير أَسْقُف. وملتمس وَمَا بعده من الوصفين نعوت لأسقف.
وَقَوله: قتلت أَبَاهُ الخ أَي: أنّ أَبَاهُ هلك فِي حبّ هَذِه الدرة أَو فِي تَحْصِيلهَا
فَقَالَ هَذَا الغائص: أتبع أبي فِي الْهَلَاك أَو أستفيد مَالا كثيرا. والرغيبة: الْعَطاء الْكثير.
وَقَوله: نصف النَّهَار.. الخ رُوِيَ ورفيقه بدل وشريكه. ومنيته هِيَ مَا يتمناه. وصدفيّة: حَال من الضَّمِير الْمَجْرُور بِالْبَاء. وَيُعْطى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. ويمنعها أَي: وَيمْنَع الدرة من البيع.
وَقَوله: أَلا تشري: أَي: أَلا تبيعها. والصواري: جمع صَار وَهُوَ الملاّح والبحريّ. وَرُوِيَ الشواري بدله وَهُوَ جمع شار بِمَعْنى المُشْتَرِي. وسجودهم لَهَا لعزتها ونفاستها. والتجر: مصدر تجر تجراً وتجارة من بَاب نصر.
وَمن أَبْيَات المديح:
أَنْت الرئيس إِذا هم نزلُواوتواجهوا كالأسد والنمر
أَو فَارس اليحموم يتبعهُمكالطلق يتبع لَيْلَة البهر
ولأنت أَجود بالعطاء من الرّيّان لمّا ضنّ بالقطر
ولأنت أَحْيَا من مخبّأةعذراء تقطن جَانب الْكسر
ولأنت أبين حِين تنطق منلُقْمَان لمّا عيّ بِالْأَمر
لَو كنت من شَيْء سوى بشركنت المنوّر لَيْلَة الْبَدْر
فَارس اليحموم هُوَ ملك الْعَرَب النعمانبن الْمُنْذر. واليحموم: اسْم فرسه.
والطلق بِالْفَتْح اللَّيْلَة الَّتِي لَا حرّ فِيهَا وَلَا برد. وَلَيْلَة البهر: لَيْلَة الْبَدْر حِين يبهر النُّجُوم أَي: يغلبها بنوره.
وَقيس بن معد يكرب الكنديّ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ الْأَشَج لِأَنَّهُ شجّ فِي بعَ أيامهم. وَله عدَّة أَوْلَاد أكبرهم حجيّة وَبِه كني زَمَانا ثمَّ كني بولده الْأَشْعَث واسْمه معد يكرب وسمّي الْأَشْعَث لِأَنَّهُ كَانَ أبدا أَشْعَث الرَّأْس وَقد أسام وَولده لَهُ النُّعْمَان بن الْأَشْعَث وَقد بشّر بِهِ وَهُوَ عِنْد رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: وَالله لجفنة من ثريد أطعمها قومِي أحبّ إِلَيّ مِنْهُ وَهلك صَغِيرا. وللأشعث عدَّة أَوْلَاد أَيْضا مِنْهُم قيس بن الْأَشْعَث وَأخذ قطيفة الْحُسَيْن ﵁ يَوْم قتل فَكَانَ يُقَال لَهُ: قيس قطيفة.
ولقيس بن معد يكرب بنت اسْمهَا قتيلة تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ َ فَتوفي قبل أَن)
تصل إِلَيْهِ. وَابْنه سيف بن قيس وَفد على النَّبِي ﷺ َ فَأمره أَن يُؤذن لَهُم فَأذن حَتَّى مَاتَ. كَذَا فِي جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ الكلبيّ.
وأعشى مَيْمُون صَاحب الشّعْر تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين وَقد نقلت شعره هَذَا من ديوانه. وَقد رَوَاهَا أَبُو عُبَيْدَة وَابْن دُرَيْد وَغَيرهمَا. وَأما الْأَصْمَعِي فقد أثبتها للمسيب بن علس الجماعيّ وَهُوَ خَال الْأَعْشَى مَيْمُون الْمَذْكُور.. وَهُوَ أحد الشُّعَرَاء الثَّلَاثَة المقلي الَّذين فضلوا فِي الْجَاهِلِيَّة.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: كَانَ الْأَعْشَى راوية المسيّب بن علس وَالْمُسَيب خَاله وَكَانَ يطرد وَالْمُسَيب: اسْم فَاعل لقّب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يرْعَى إبل أَبِيه فسيّبها فَقَالَ لَهُ
أَبوهُ: أَحَق أسمائك الْمسيب. فغلب عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي كتاب الِاشْتِقَاق: إِن اسْمه زُهَيْر وَإنَّهُ لقّب بالمسيب لقَوْله:
فَإِن سركم ألاّ تؤوب لقاحكمغزاراً فَقولُوا للمسّب يلْحق
وَهُوَ جاهلي وَلم يدْرك الْإِسْلَام. وَنسبه فِي الجمهرة كَذَا: الْمسيب بن علس بن مَالك بن عمروبن قمامة بن زيد بن ثَعْلَبَة بن عديّ بن مَالك بن جشم بن بِلَال بن جمَاعَة بن جليّ بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار بن مُضر وعلس بِفَتْح الْعين وَاللَّام مَنْقُول من اسْم القراد. وقمامة بِضَم الْقَاف وَجَمَاعَة بِضَم الْجِيم وروى ابْن السكّيت خماعة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة المضمومة. وجليّ بِضَم الْجِيم وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة. وأحمس أفعل من الحماسة. وضبيعة بِالتَّصْغِيرِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع