من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الْمِائَتَيْنِ خرجت مَعَ البازيّ عليّ سَواد هَذَا عجز وصدره: إِذا أنكرتني بَلْدَة أَو نكرتها
على أَن الْجُمْلَة الاسمية الحالية إِذا لم يكن مبتدؤها ضمير صَاحب الْحَال فَإِن كَانَ الضَّمِير فِيمَا صدّر بِهِ الْجُمْلَة فَلَا يحكم بضعفه مجرّداً عَن الْوَاو كجملة عليّ سَواد فَإِنَّهَا جال من التَّاء فِي خرجت.
فِي الْمِصْبَاح: أنكرته إنكاراً: خلاف عَرفته ونكرته مثل تعبت كَذَلِك غير أَنه لَا يتَصَرَّف. أَي: إِذا لم يعرف قدري أهل بَلْدَة أَو لم أعرفهم خرجت مِنْهُم مبتكراً مصاحباً للبازي الَّذِي هُوَ أبكر الطُّيُور فِي حَال اشتمالي على شَيْء من سَواد اللَّيْل. والبازيّ على وزن القَاضِي فِي الأَصْل: صفة من بزا يبزو: إِذا غلب. ويعرب إِعْرَاب المنقوص. وَالْجمع بزاة.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لبشار بن برد مدح بهَا خَالِدا الْبَرْمَكِي وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِس فأنشده:
أخالد لم أهبط إِلَيْك بذمّةسوى أنني عاف وَأَنت جواد
أخالد إِن الْأجر وَالْحَمْد حَاجَتيفَأَيّهمَا تَأتي فَأَنت عماد
فَإِن تعطني أفرغ عَلَيْك مدائحيوَإِن تأب لم تضرب عليّ سداد
ركابي على حرف وقلبي مشيّعوَمَا لي بِأَرْض الباخلين بِلَاد
إِذا أنكرتني بَلْدَة أَو نكرتهاخرجت مَعَ البازيّ عليّ سَواد
يُقَال: هَبَط من مَوضِع إِلَى مَوضِع: إِذا انْتقل إِلَيْهِ والهبوط الحدور كرسول فيهمَا. والذمّة هُنَا الْعَهْد وَالْحُرْمَة. والعافيّ: من عفوته: إِذا أَتَيْته طَالبا لمعروفه وَجمعه العفاة وهم طلاب الْمَعْرُوف. وَهَذَا مثل قَول دعبل لما وَقد على عبد الله بن طَاهِر:
جئْتُك مستشفعاً بِلَا سَبَبإِلَيْك إِلَّا لحُرْمَة الْأَدَب
فَاقْض ذمامي فإنني رجلغير ملحّ عَلَيْك فِي الطّلب
فَبعث إِلَيْهِ عبد الله بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وبهذين الْبَيْتَيْنِ:
أعجلتنا فأتاك عَاجل برّناوَلَو انتظرت كَثِيره لم نقلل
)
فَخذ الْقَلِيل وَكن كَأَنَّك لم تسلونكون نَحن كأننا لم نَفْعل
وَقد تداول هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كثير من الكرماء فيظن النَّاس أَنَّهُمَا لمن تداولهما.
والحرف: النَّاقة القويّة. والمشيع على وزن الْمَفْعُول: الشجاع كَأَن لَهُ شيعَة أَي: أتباعاً وأنصاراً.
روى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني أَن بشاراً لما أنْشد هَذِه الأبيات دَعَا خَالِد بأَرْبعَة أكياس فَوضع وَاحِدًا عَن يَمِينه وَآخر عَن شِمَاله وَآخر بَين يَدَيْهِ وَآخر من وَرَائه وَقَالَ: يَا أَبَا معَاذ هَل اسْتَقل الْعِمَاد فلمس الأكياس ثمَّ قَالَ: اسْتَقل وَالله أَيهَا الْأَمِير وبشار بن برد أَصله من طخارستان من سبي المهلّب بن أبي صفرَة وَهِي نَاحيَة كَبِيرَة مُشْتَمِلَة على بلدان على نهر جيحون مِمَّا وَرَاء النَّهر وكنيته أَبُو معَاذ ولقبه المرعّث وَهُوَ الَّذِي فِي أُذُنه رعاث وَجمع رعثة وَهِي القرطة لقّب بِهِ لِأَنَّهَا كَانَت فِي صغره معلّقة فِي أُذُنه.
وَهُوَ عقيليّ بِالْوَلَاءِ نِسْبَة إِلَى عقيل بن كَعْب بِالتَّصْغِيرِ وَهِي قَبيلَة. وَقيل: إِنَّه ولد على الرقّ أَيْضا وأعتقته امْرَأَة عقيليّة. وَولد أكمه جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أَحْمَر. وَكَانَ ضخماً عَظِيم الْخلق وَالْوَجْه مجدّراً. وَهُوَ فِي أول مرتبَة المحدّثين من الشُّعَرَاء المجيدين. وَقد نَشأ بِالْبَصْرَةِ ثمَّ قدم بَغْدَاد ومدح المهديّ بن الْمَنْصُور العباسيّ وَرمي عِنْده بالزندقة: رُوِيَ أَنه كَانَ يفضل النَّار على الأَرْض ويصوّب رَأْي إِبْلِيس فِي امْتِنَاعه من السُّجُود لآدَم ﵇ وَنسب إِلَيْهِ قَوْله:
الأَرْض مظْلمَة وَالنَّار مشرقةوَالنَّار معبودة مذ كَانَت النَّار
فَأمر الْمهْدي بضربه فَضرب سبعين سَوْطًا فَمَاتَ من ذَلِك وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد نيّف على تسعين سنة. وَمن شعره:
ياقوم أُذُنِي لبَعض الحيّ عاشقةوَالْأُذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا
قَالُوا: بِمن لَا ترى تهذي فَقلت لَهُم:الْأذن كَالْعَيْنِ توفّي الْقلب مَا كَانَا
وَمن هجائه للمهديّ قَوْله:
أبدلنا الله بِهِ غَيرهودسّ مُوسَى فِي حر الخيزران
وَبَينه وَبَين حَمَّاد عجرد أهاج فَاحِشَة وَمن هجوه فِيهِ:
نعم الْفَتى لَو كَانَ يعبد ربهوَيُقِيم وَقت صلَاته حمّاد
)
وابيضّ من شرب المدامة وَجههوبياضه يَوْم الْحساب سَواد
وَقتل حَمَّاد عجرد على الزندقة أَيْضا فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة. وَدفن بشار على حمّاد عجرد فِي قبر وَاحِد فَكتب أَبُو هِشَام الباهليّ على قبرهما:...
قد تبع الْأَعْمَى قفا عجردفأصبحا جارين فِي دَار
صَارا جَمِيعًا فِي يَدي مَالكفِي النَّار وَالْكَافِر فِي النَّار
قَالَت جَمِيع الأَرْض لَا مرْحَبًابِقرب حمّاد وبشار
وترجمته فِي الأغاني طَوِيلَة.
وَأما خَالِد فَهُوَ خَالِد بن برمك الْبَرْمَكِي. وَكَانَ برمك من مجوس بَلخ وَكَانَ يخْدم النوبهار وَهُوَ معبد للمجوس بِمَدِينَة بلختوقد فِيهِ النيرَان. وَكَانَ برمك عَظِيم الْمِقْدَار وساد ابْنه خَالِد ووزر لأبي الْعَبَّاس عبد الله السفاح العباسيّ. وَهُوَ أول من وزر من آل برمك. وَلم يزر وزيراً إِلَى أَن توفّي السفاح ثمَّ وزر لِأَخِيهِ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور إِلَى أَن توفّي فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة.
وَيحيى الْبَرْمَكِي هُوَ أَبُو جَعْفَر وَالْفضل قَالَ المَسْعُودِيّ: لم يبلغ مبلغ خَالِد بن برمك أحد من وَلَده: فِي جوده ورأيه ورياسته وَعلمه وَجَمِيع خلاله لَا يحيي فِي رَأْيه ووفور عقله وَلَا الْفضل بن يحيى فِي جوده ونزاهته وَلَا جَعْفَر بن يحيى فِي كِتَابَته وفصاحة لِسَانه وَلَا مُحَمَّد ابْن يحيى فِي سروه وَبعد همّته وَلَا مُوسَى بن يحيى فِي شجاعته ورياسته.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع