من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة على أَن الْحَال تقدّمت على صَاحبهَا الْمَجْرُور بالحرف: فَإِن قَوْله: حرّان صادياً حالان إِمَّا مُتَرَادِفَانِ أَو متداخلتان تقدمتا على صَاحبهمَا وَهُوَ الْيَاء الْمَجْرُور بإلي. وإليّ: بِمَعْنى عِنْد مُتَعَلقَة بقوله حبيباً وَهُوَ خبر كَانَ.
قَالَ ابْن جنّي فِي إِعْرَاب الحماسة: وَقد يجوز فِي هَذَا عِنْدِي وَجه آخر لطيف الْمَعْنى وَهُوَ أَن يكون حرّان صادياً حَالا من المَاء أَي: كَانَ برد المَاء فِي حَال حرّته وصداه حبيباً إليّ وصف المَاء بذلك مُبَالغَة فِي الْوَصْف وَجَاء بذلك شَاعِرنَا
فَقَالَ: وَجَبت هجيراً يتْرك المَاء صادياً وَإِذا صدي فحسبك بِهِ عطشاً فَإِن أمكن هَذَا كَانَ حمله عَلَيْهِ جَائِزا حسنا وَرَأَيْت أَبَا عليّ يستسهل تَقْدِيم حَال الْمَجْرُور فينحو هَذَا عَلَيْهِ وَيَقُول: هُوَ قريب من حَال الْمَنْصُوب اه.
أَقُول: أَرَادَ بشاعره أَي: بشاعر عصره أَبَا الطيّب المتنبي. الْوَجْه الَّذِي أبداه تخيّل صَحِيح فَإِن الْإِنْسَان يحب أَن يكون المَاء بَارِدًا فِي جال كَونه حاراً. وَلَكِن الْوَجْه الأول أحسن وأبلغ فَإِن المَاء الْبَارِد أحب إِلَى الْإِنْسَان عِنْد عطشه وحرارته من كل شَيْء. وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ المتداول الشَّائِع قَالَ المبرّد فِي الْكَامِل: هُوَ معنى صَحِيح وَقد اعتوره الْحُكَمَاء وَكلهمْ أَجَاد فِيهِ.
وَمثل بَيت الشَّاهِد قَول عمر بن ابي ربيعَة: فَإِن قَوْله: إِذا مَا منعت برد الشَّرَاب يُفِيد مَا أَفَادَهُ قَوْله: إليّ حران صادياً فَإِنَّهُ يُرِيد عِنْد وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ وَبِذَلِك صَحَّ الْمَعْنى.
وَمثله قَول القطاميّ:
فهنّ ينبذن من قَول يصبن بِهِمواقع المَاء من ذِي الغلّة الصادي
ينبذن: يرمين بِهِ ويتكلمن. والغلّة بِالضَّمِّ: حرارة الْعَطش.
ويروى عَن عَليّ ﵁ أَن سَائِلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: كَيفَ كَانَ حبّكم لرَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: كَانَ وَالله أحبّ إِلَيْنَا من أَمْوَالنَا واولادنا وَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا وَمن المَاء الْبَارِد على الظمأ.
وَالْقَوْل فِيهِ كثير. وَتَعْلِيق كَونهَا حَبِيبَة إِلَيْهِ على كَون المَاء حبيباً إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالة من بَاب التَّعْلِيق على الْمُحَقق. وَقد تعسف بَعضهم فِي جعل الْبرد مصدرا ناصباً لحرّان وصادياً على)
المفعولية بِتَقْدِير الْمَوْصُوف أَي: جوفاً حرّان وأنّ المُرَاد جَوف نَفسه. وَذَلِكَ هرباً من وُقُوع الْحَال فِي مثل هَذِه الصُّورَة. حَتَّى إِن بَعضهم مَعَ عدم التَّأْوِيل يَقُول: لَا حجَّة فِيهِ لِأَن الشّعْر محلّ الضَّرُورَة.
وَقَوله: لَئِن كَانَ اللَّام هِيَ اللَّام المؤذنة وَهِي الدَّاخِلَة على أَدَّاهُ شَرط للإيذان بِأَن الْجَواب بعْدهَا مبنيّ على قسم قبلهَا لَا على الشَّرْط. وَتسَمى الموطئة أَيْضا لِأَنَّهَا وطأت الْجَواب للقسم أَي: مهدته لَهُ سَوَاء كَانَ الْقسم غير مَذْكُور كَقَوْلِه تَعَالَى: لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون أم كَانَ مَذْكُورا قبلهَا كَمَا هُنَا فَإِن قبل هَذَا الْبَيْت قَوْله:
حَلَفت بربّ الراكعين لربّهمخشوعاً وَفَوق الراكعين رَقِيب
فجملة إِنَّهَا لحبيب جَوَاب الْقسم الْمَذْكُور وَهُوَ حَلَفت. وَقد أَخطَأ من قَالَ: إِن هَذِه الْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط. مَعَ أَن هَذَا الْقَائِل نقل ضابطة اللَّام الموطئة عَن مُغنِي اللبيب. وَضمير إِنَّهَا لعفراء بنت عَم عُرْوَة بن حزَام والبيتان لَهُ من قصيدة أوّلها:
وَإِنِّي لتعروني لذكراك روعةلَهَا بَين جلدي وَالْعِظَام دَبِيب
وَمَا هُوَ إِلَّا ان أَرَاهَا فجاءةفأبهت حَتَّى مَا أكاد أُجِيب
وأصرف عَن رَأْيِي الَّذِي كنت أرتئيوأنسى الَّذِي أَعدَدْت حِين تغيب
ويضمر قلبِي عذرها ويعينهاعَلَيْهِ فَمَا لي فِي الْفُؤَاد نصيب
وَقد علمت نَفسِي مَكَان شفائهاقَرِيبا وَهل مَا لَا ينَال قريب
حَلَفت بربّ الراكعين لرَبهم... الْبَيْتَيْنِ
وَقلت لعرّاف الْيَمَامَة: داونيفَإنَّك إِن أبرأتني لطبيب
عَشِيَّة لَا عفراء دَان مزارهافترجى وَلَا عفراء مِنْك قريب
فلست براءي الشَّمْس إِلَّا ذكرتهاوَلَا الْبَدْر إِلَّا قلت سَوف تؤوب
عَشِيَّة لَا خَلْفي مفرّ وَلَا الْهوىقريب وَلَا وجدي كوجد غَرِيب
فوا كبداً أمست رفاتاً كَأَنَّمَايلذّعها بالكفّ كفّ طَبِيب
وَفِي الْبَيْتَيْنِ الْأَخيرينِ إقواء.
وَعُرْوَة بن حزَام هُوَ من عذرة أحد عشاق الْعَرَب الْمَشْهُورين بذلك إسلاميّ: كَانَ فِي مُدَّة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁.)
قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيديّ فِي رِوَايَته ديوَان عُرْوَة بن حزَام عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب عَن لَقِيط بن بكير المحاربيّ قَالَ: كَانَ من حَدِيث عُرْوَة بن حزَام وَابْنَة عمّه عفراء ابْنة مَالك العذريين أَنَّهُمَا نشئا جَمِيعًا فتعلقها علاقَة الصبيّ وَكَانَ قَدِيما فِي حجر عمّه وَبلغ فَكَانَ يسْأَله أَن يزوّجه إِيَّاهَا فيسوّفه حَتَّى خرج فِي عير لأَهله إِلَى الشَّام فَقدم على أبي عفراء ابْن عَم لَهَا من أهل البلقاء وَكَانَ حاجّاً فَخَطَبَهَا فزوّجه إِيَّاهَا فحملها. وَأَقْبل عُرْوَة فِي عيره حَتَّى إِذا كَانَ بتبوك نظر إِلَى رفْقَة مقبلة من قبل الْمَدِينَة فِيهَا امْرَأَة على جمل فَقَالَ لأَصْحَابه: وَالله لكأنها شمائل عفراء فَقَالُوا: وَيحك مَا تزَال تذكر عفراء مَا تخلّ بذكرها فِي وَإِنِّي لتعروني لذكراك روعة ثمَّ أَخذه مرض السلّ حَتَّى لم يبْق مِنْهُ شَيْئا. فَقَالَ قوم: هُوَ مسحور وَقَالَ قوم: بِهِ جنَّة. وَكَانَ بِالْيَمَامَةِ طَبِيب يُقَال لَهُ: سَالم فَصَارَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ أَهله فَجعل يسْقِيه الدَّوَاء فَلَا يَنْفَعهُ فَخَرجُوا بِهِ إِلَى طَبِيب بِحجر فَلم ينْتَفع بعلاجه فَقَالَ:
جعلت لعرّاف الْيَمَامَة حكمهوعرّاف حجر إِن هم شفياني
فَمَا تركا من حِيلَة يعلمانهاوَلَا سلوة إِلَّا بهَا سقياني
فَقَالَا: شفاك الله وَالله مَا لنابِمَا حمّلت مِنْك الضلوع يدان
قَالَ النُّعْمَان بن بشير: بَعَثَنِي مُعَاوِيَة مصدّقاً على بني عذرة فصدّقتهم ثمَّ أَقبلت رَاجعا فَإِذا أَنا بِبَيْت مُفْرد لَيْسَ قربه أحد وَإِذا رجل بفنائه لم يبْق مِنْهُ إِلَّا عظم وَجلد فَلَمَّا سمع وجسي ترنّم بقوله:
وعينان: مَا أوفيت نشزاً فتنظرابمأقيهما إِلَّا هما تكفان
كَأَن قطاة علّقت بجناحهاعلى كَبِدِي من شدَّة الخفقان
قَالَ: وَإِذا أخواته حوله أَمْثَال الدمى فَنظر فِي وجوههن ثمَّ قَالَ:
(من كَانَ من أخواتي باكياً أبدا... فاليوم إِنِّي أَرَانِي الْيَوْم مَقْبُوضا )
قَالَ: فبرزن وَالله يضربن وجوههن وينتفن شعورهن. فَلم أَبْرَح حَتَّى قضى. فهيّات من أمره ودفنته. كَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء.
زحكى هذهالرواية رَاوِي شعره عَن عُرْوَة بن الزبير ثمَّ قَالَ: ومرّ ركب بوادي الْقرى فسألوا عَن الميّت فَقيل: عُرْوَة بن حزَام وَكَانُوا يردون البلقاء فَقَالَ بَعضهم لبَعض: وَالله لنأتين)
عفراء بِمَا يسوءها. فَسَارُوا حَتَّى مروا بمنزلها وَكَانَ
ليللاً فصاح صائح مِنْهُم وَهِي تسمع فَقَالَ:
أَلا أَيهَا الْبَيْت المغفّل أَهلهإِلَيْكُم نعينا عُرْوَة بن حزَام
ففهمت عفراء الصَّوْت وَنَادَتْ بهم:
أَلا أَيهَا الركب المخبّون وَيحكمأحقاً نعيتم عُرْوَة بن حزَام
فَقَالَ بَعضهم:
نعم قد دفنّاه بِأَرْض نطيّةمُقيما بهَا فِي سبسب وإكام
فأجابته وَقَالَت:
فَإِن كَانَ حَقًا مَا تَقولُونَ فاعلموابِأَن قد نعيتم بدر كل تَمام
نعيتم فَتى يسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِإِذا هِيَ أمست غير ذَات غمام
وبتن الحبالى لَا يرجين غَائِباوَلَا فرحات بعده بِغُلَام
ثمَّ أَقبلت على زَوجهَا فَقَالَت لَهُ: إِنَّه قد بَلغنِي من أَمر ذَلِك الرجل مَا قد بلغك وَالله مَا كَانَ إِلَّا على الْحسن الْجَمِيل وَقد بَلغنِي أَنه مَاتَ فَإِن رَأَيْت أَن تَأذن لي فَأخْرج إِلَى قَبره فَأذن لَهَا فَخرجت فِي نسْوَة من قومه تندبه وتبكي عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَت.
قَالَ: وَبَلغنِي أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قَالَ: لَو علمت بهما لجمعت بَينهمَا.
تَنْبِيه: نسب المبرّد فِي الْكَامِل بَيت الشَّاهِد إِلَى قيس بن ذريح وَذكر مَا قبله كَذَا:
حَلَفت لَهَا بالمشعرين وزمزموَذُو الْعَرْش فَوق المقسمين رَقِيب
لَئِن كَانَ برد المَاء حرّان صادياً وَنسبه العينيّ إِلَى كثيّر عزّة وَقَالَ: هُوَ من قصيدة أوّلها:
أَبى الْقلب إِلَّا أم عَمْرو وبغّضتإليّ نسَاء مَا لَهُنَّ ذنُوب
حَلَفت لَهَا بالمأزمين وزمزموَللَّه فَوق الحالفين رَقِيب
لَئِن كَانَ برد المَاء حرّان صادياً وَالصَّحِيح مَا قدمْنَاهُ. والبيتان من شعر غَيره دخيل. وَالله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع