تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة

فيه ٦ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة على أنّ الدأب يعبر بِهِ عَن كل حدث لَازم: كالحسن وَالْجمال. أَو غير لَازم: كالضرب وَالْقَتْل وَلِهَذَا يتَعَلَّق بِهِ الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف وَالْحَال. فَقَوله: كدأبك بِمَعْنى كتمتعك. فكنّى وَلم يصرّح.

أَقُول: جعل الدأب هُنَا كِنَايَة عَن التَّمَتُّع لَا وَجه لَهُ كَمَا يعلم قَرِيبا.

وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة ومطلعها:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلبسقط اللوى بَين الدُّخُول فحومل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمهالما نسجتها من جنوب وشمأل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
وقوفاً بهَا صحبي عليّ مطيّهميَقُولُونَ: لَا تهْلك أسىً وتحمّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
وَإِن شفائي عِبْرَة مهراقةفَهَل عِنْد رسم دارس من معوّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
كدأبك من أم الْحُوَيْرِث قبلهَاوجارتها أمالرباب بمأسل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

والبيتان الْأَوَّلَانِ يَأْتِي شرحهما إِن شَاءَ الله ﷿ ّ فِي أَوَاخِر الْكتاب فِي الْفَاء العاطفة.

وقوفاً بهَا صحبي الخ مُتَعَلق بقوله: قفا نبك فَكَأَنَّهُ قَالَ: قفا وقُوف صحبي بهَا على مطيّهم أَو قفا حَال وقُوف صحبي. وَقَوله: بهَا: مُتَأَخّر فِي الْمَعْنى يُرِيد: قفا نبك فِي حَال وقف أَصْحَابِي مطيّهم عليّ.

وَقَوله: وَإِن شفائي عِبْرَة الخ الْعبْرَة: الدمعة. والمهراقة: المصبوبة وَأَصلهَا مراقة من الإراقة وَالْهَاء زَائِدَة. ومعوّل: مَوضِع عويل أَي بكاءن اَوْ بِمَعْنى مَوضِع ينَال فِيهِ حَاجَة: يُقَال: عوّلت على فلَان أَي: اعتمدت عَلَيْهِ.

قَالَ الباقلاّني فِي معجز الْقُرْآن عِنْد الْكَلَام على معايب هَذِه القصيدة: هَذَا الْبَيْت مختلّ من جِهَة انه جعل الدمع فِي اعْتِقَاده شافياً كَافِيا فَمَا حَاجته بعد ذَلِك إِلَى طلب حِيلَة أُخْرَى عِنْد الرسوم وَلَو أَرَادَ أَن يحسن الْكَلَام لوَجَبَ أَن يدلّ على أَن الدمع لَا يشفيه لشدَّة مَا بِهِ من الْحزن ثمَّ يسائل هَل عِنْد الرّبع من حِيلَة أُخْرَى وَفِي هَذَا مَعَ قَوْله سَابِقًا لم يعف رسمها تنَاقض الكلامان وَلَيْسَ فِي هَذَا اقْتِصَار لِأَن معنى عَفا ودرس وَاحِد فَإِذا قَالَ: لم يعف رسمها ثمَّ قَالَ: قد عَفا فَهُوَ تنَاقض لَا محَالة. واعتذار أبي عُبَيْدَة أقرب لَو صحّ وَلَكِن لم يرد هَذَا القَوْل مورد الِاسْتِدْرَاك على مَا قَالَه زُهَيْر فَهُوَ إِلَى الْخلَل أقرب. انْتهى.)

وَقَوله: كدأبك من أمّ الخ قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي شَرحه وَتَبعهُ الْخَطِيب التبريزي: الْكَاف تتَعَلَّق بقوله: قفا نبك كَأَنَّهُ قَالَ: قفا نبك كدأبك فِي الْبكاء فَهِيَ فِي مَوضِع مصدر. وَالْمعْنَى بكاء مثل عادتك. وَيجوز أَن تتَعَلَّق بقوله: وَإِن شفائي عِبْرَة وَالتَّقْدِير: كعادتك فِي أَن تشفى من أمّ الْحُوَيْرِث.

وَالْبَاء فِي قَوْله: بمأسل مُتَعَلقَة بدأبك كَأَنَّهُ قَالَ: كعادتك بمأسل. وَهُوَ جبل. وَزَاد الْخَطِيب: وَأم الْحُوَيْرِث هِيَ هرّ أم الْحَارِث بن حُصَيْن بن ضَمْضَم الكلبيّ وَأم الربَاب من كلب أَيْضا. يَقُول: لقِيت من وقوفك على هَذِه الديار وتذكرك أَهلهَا كَمَا لقِيت من أم الْحُوَيْرِث وجارتها. وَقيل: الْمَعْنى: كَأَنَّك أَصَابَك من التَّعَب وَالنّصب من هَذِه الْمَرْأَة كَمَا أَصَابَك من هَاتين الْمَرْأَتَيْنِ انْتهى.

وَقَالَ أَبُو عبيد البكريّ فِي شرح أمالي القالي: أم الْحُوَيْرِث الَّتِي كَانَ يشبب بهَا فِي أشعاره هِيَ أُخْت الْحَارِث حُصَيْن بن ضَمْضَم من كلب وَهِي امْرَأَة حجر أبي امْرِئ الْقَيْس فَلذَلِك كَانَ أَبوهُ طرده ونفاه وهمّ بقتْله انْتهى. وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب.

وَقَالَ الزوزني: يَقُول عادتك فِي حب هَذِه كعادتك فِي تينك أَي: قلَّة حظك من وصال هَذِه كمعاناتك الوجد بهما. وَقَوله: قبلهَا أَي: قبل هَذِه الَّتِي شغفت بهَا الْآن. والدأب: الْعَادة وأصلهما مُتَابعَة الْعَمَل والجدّ فِي السَّعْي انْتهى كَلَامه.

فَجعل الزوزني قَوْله: كدأبك خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَهَذَا أقرب من الْأَوَّلين. فَعلم مِمَّا ذكرنَا أَن الدأب كِنَايَة إِمَّا عَن الْبكاء وَإِمَّا عَن المعاناة وَالْمَشَقَّة. والتمتع لَا مساس لَهُ هَا هُنَا فَتَأمل.

وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.

وانشد بعده وَهُوَ...

وَلَقَد نزلتفلا تظني غَيره مني بِمَنْزِلَة الْمُحب المكرم

على أَن مَعْنَاهُ نزلت قريبَة مني قرب الْمُحب المكرم. وَإِنَّمَا عدّي بِمن لكَون معنى بِمَنْزِلَة فلَان: قَرِيبا قربه أَو بَعيدا بعده.

وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة عنترة العبسيّ. قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي شَرحه وَتَبعهُ الْخَطِيب التبريزي الْبَاء فِي قَوْله: بِمَنْزِلَة مُتَعَلقَة بمصدر مَحْذُوف لِأَنَّهُ لما قَالَ: نزلت دلّ على النُّزُول.

وَقَوله: بِمَنْزِلَة فِي مَوضِع نصب أَي: وَلَقَد نزلت مني منزلَة مثل منزلَة الْمُحب. وَقَالَ الزوزني: يَقُول: وَلَقَد نزلت من قلبِي منزلَة من يحب وَيكرم.)

وَالتَّاء فِي نزلت مَكْسُورَة لِأَنَّهُ خطاب مَعَ مجبوبته عبلة الْمَذْكُورَة فِي بَيت قبل هَذَا. وَقَوله: فَلَا تظني غَيره مفعول ظن الثَّانِي مَحْذُوف اختصاراً لَا اقتصاراً أَي: فَلَا تظني غَيره وَاقعا أَو حَقًا أَي: غير نزولك مني منزلَة الْمُحب.

وَبِه اسْتشْهد شرّاح الألفية وَغَيرهم بِهَذَا الْبَيْت. والمحبّ: اسْم مفعول جَاءَ على أحبّ وأحببت وَهُوَ على الأَصْل وَالْكثير فِي كَلَام الْعَرَب مَحْبُوب.

قَالَ الْكسَائي: مَحْبُوب من حببت وَكَأَنَّهَا لُغَة قد مَاتَت. أَي: تركت. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تحبّ بِفَتْح التَّاء وَلَا أعرفهُ فِي غير التَّاء وَلَا أعرف حببت. وَحكى أَبُو زيد أَنه يُقَال: حببت أحبّ وَأَنت تحب وَنحن نحب. والمكرم: اسْم مفعول أَيْضا وَالْوَاو فِي وَلَقَد عاطفة. وَجُمْلَة لقد نزلت الخ جَوَاب اسْم مفعول أَيْضا وَالْوَاو فِي وَلَقَد عاطفة. وَجُمْلَة لقد نزلت الخ جَوَاب قسم مَحْذُوف أَي: وَوَاللَّه لقد نزلت كَقَوْلِه تَعَالَى: وَلَقَد صدقكُم الله وعده.

وَقَوله: فَلَا تظني غَيره جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمَجْرُور ومتعلّقه فَإِن مني متعلّق بنزلت. وَلَقَد خبط هُنَا خبطاً فَاحِشا شَارِح شَوَاهِد الألفية فِي قَوْله: الْوَاو للقسم وَجَوَاب الْقسم قَوْله: فَلَا تظني غَيره ثمَّ قَالَ: قَوْله فَلَا تظني نهي معترض بَين الجارّ وَالْمَجْرُور ومتعلّقه وَالْبَاء فِي بِمَنْزِلَة بِمَعْنى فِي أَي: نزلت مني فِي منزلَة الشَّيْء المحبوب المكرم. هَذَا كَلَامه وَلَا يَقع فِي مثله أصاغر الطّلبَة.

وترجمة عنترة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من اوائل الْكتاب وَأنْشد بعد وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»