من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فألحقه بالهاديات ودونهجواحرها فِي صرة لم تزيّل
على أَن قَوْله: ودونه جواحرها جملَة حَالية لَا الظّرْف وَحده حَال وَالْمَرْفُوع بعده فَاعله خلافًا لمن زَعمه فِي نَحْو: جَاءَنِي عَلَيْهِ جُبَّة وشي لِأَنَّهُ لَو كَانَ من الْحَال المفردة لامتنعت الْوَاو فَإِنَّهَا لَا تكون مَعَ الْحَال المفردة فَلَمَّا ذكرت فِي بعض الْمَوَاضِع عرف أَن الْجُمْلَة حَال لَا الظّرْف وَحده..
وَصَاحب الْحَال الْهَاء فِي قَوْله: فألحقه وَهِي ضمير الْمَفْعُول. وفاعل ألحقهُ ضمير مستتر رَاجع إِلَى الْغُلَام فِي بَيت قبله. وَالْهَاء ضمير الْكُمَيْت. أَي: فَألْحق الْغُلَام الْكُمَيْت بالهاديات وَيجوز الْعَكْس فَيكون فَاعل ألحق ضمير الْكُمَيْت وَالْهَاء ضمير الْغُلَام أَي:
فَألْحق الْغُلَام بالهاديات.
وَأَرَادَ بالهاديات أَوَائِل الْوَحْش ومتقدماتها يُقَال: أَقبلت هوادي الْخَيل: إِذا تقدّمت أوائلها جمع هادية وَالْهَادِي: أول كل شَيْء. وَضمير دونه يعود على مَا عَاد عَلَيْهِ الْهَاء. وجواحرها أَي: متأخراتها وَالْهَاء ضمير الهاديات وَهُوَ جمع جاحرة بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: جُحر فلَان أَي: تَأَخّر. وجواحرها مُبْتَدأ. ودونه الْخَبَر تقدم عَلَيْهِ وَالْجُمْلَة حَال كَمَا تقدم أَي: وَدون مَكَانَهُ أَو وَدون غَايَته الَّتِي وصل إِلَيْهَا أَو دون بِمَعْنى عِنْد وَقيل: دون هُنَا بِمَعْنى أقرب. ورده الزوزني بِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون دون بِمَعْنى أقرب مِنْهُ إِذْ أُتِي باسمين نَحْو هَذَا دون ذَاك.
والصرة بِفَتْح الصَّاد وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ يجوز أَن يكون هُنَا إِمَّا بِمَعْنى الضجة والصيحة وَإِمَّا بِمَعْنى الْجَمَاعَة وَإِمَّا بِمَعْنى الشدَّة من كرب أَو غَيره وَقيل الصرة هُنَا الْغُبَار فَقَوله: فِي صرة فِي بعض الْوُجُوه حَال من الهاديات وَفِي بَعْضهَا حَال من جواحرها كَذَا قَالَ الزوزني. وَيجوز أَن يتَعَلَّق الْجَار فِي جواحرها. وَجُمْلَة لم تزيل صفة صرة وَأَصله تتزيل بتاءين أَي: لم تتفرق.
وصف بِهَذَا الْبَيْت شدَّة عَدو فرسه يَقُول: إِن هَذَا الْفرس لما لحق أَوَائِل الْوَحْش بقيت أواخرها لم تتفرق فَهِيَ خَالِصَة لَهُ.
وَهَذَا الْبَيْت من جملَة أَبْيَات فِي وصف الْفرس من معلقَة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة والأبيات هَذِه:
وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتهابمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًاكجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من عل
كميت يزلّ اللبد عَن حَال مَتنهكَمَا زلّت الصفواء بالمتنزّل
)
على الذبل جيّاش كَأَن اهتزامهإِذا جاش فِيهِ حميه غلي مارجل
يزلّ الْغُلَام الخفّ عَن صهواتهويلوي بأثواب العنيف المثقّل
درير كخذروف الْوَلِيد أمرّهتتَابع كفّيه بخيط موصّل
لَهُ أيطلاً ظَبْي وساقا نعَامَةوإرخاء سرحان وتقريب تَتْفُل
مسحّ إِذا مَا السابحات على الوناأثرن غباراً بالكديد المركّل
ضليع إِذا استدبرته سدّ فرجهبضاف فويق الأَرْض لَيْسَ بأعزل
كأنّ سراته لَدَى الْبَيْت قَائِمامداك عروس أَو صلابة حنظل
فعنّ لنا سرب كأنّ نعاجهعذارى دوار فِي ملاء مذيّل
فأدبرن كالجزع المفصّل بَينهبجيد معمّ فِي الْعَشِيرَة مخول
فألحقه بالهاديات ودونهجواحرها فِي صرّة لم تزيّل
فعادى عداء بَين ثَوْر ونعجةدراكاً وَلم ينضح بِمَاء فَيغسل
فظلّ طهاة اللَّحْم مَا بَين منضجصفيف شواء أَو قدير معجّل
فرحنا يكَاد الطّرف يقصر دونهمَتى مَا ترقّ الْعين فِيهِ تسّهل
فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجه ولجامهوَبَات بعيني قَائِما يغر مُرْسل
قَوْله: وَقد أغتدي الخ تقدم شَرحه قَرِيبا. وَقَوله: مكرّ مفرّ الخ بِكَسْر أَولهمَا وَفتح ثَانِيهمَا وهما بِالْجَرِّ صفتان لقَوْله منجرد وَكَذَلِكَ مقبل ومدبر صفتان لَهُ لكنهما اسْما فَاعل بِضَم أَولهمَا.
قَالَ صَاحب الْقَامُوس: كرّ عَلَيْهِ: عطف وَعنهُ: رَجَعَ فَهُوَ كرّار ومكرّ بِكَسْر الْمِيم. وَقَالَ الزوزني: مفعل يتَضَمَّن مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: فلَان مسعر حَرْب. وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ متضمناً مُبَالغَة لِأَن مفعلاً يكون من أَسمَاء الأدوات كَأَنَّهُ أَدَاة للكرّ والفرّ
وَآلَة لتسعّر الْحَرْب والجلمود بِالضَّمِّ: الصَّخْرَة الملساء. وعل: بِمَعْنى فَوق وَاسْتشْهدَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ وَصَاحب مُغنِي اللبيب على أَنه بِمَعْنَاهُ وَأَن قَالَ ابْن رَشِيق فِي بَاب الاتساع من الْعُمْدَة: إِن الشَّاعِر يَقُول بَيْتا يَتَّسِع فِيهِ التَّأْوِيل فَيَأْتِي كل وَاحِد بِمَعْنى وَإِنَّمَا يَقع ذَلِك لاحْتِمَال اللَّفْظ وقوته واتساع الْمَعْنى من ذَلِك قَول امْرِئ الْقَيْس: مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًا فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه يصلح للكرّ والفرّ وَيحسن مُقبلا ومدبراً. ثمَّ قَالَ: مَعًا أَي: جَمِيع ذَلِك فِيهِ.)
وشبّهه فِي سرعته وشدّة جريه بجلمود حطّه السَّيْل من أَعلَى الْجَبَل وَإِذا انحط من عل كَانَ شَدِيد السرعة فَكيف إِذا أعانته قُوَّة السَّيْل من وَرَائه وَذهب قوم مِنْهُم عبد الْكَرِيم إِلَى أَن معنى قَوْله: كجلمود صَخْر الخ إِنَّمَا هُوَ الصلابة لِأَن الصخر عِنْدهم كلما كَانَ أظهر للشمس وَالرِّيح كَانَ أَصْلَب.
وَقَالَ بعض من فسّره من الْمُحدثين: غنما أَرَادَ الإفراط: فرزعم أَنه يرى مُقبلا مُدبرا فِي حَال وَاحِدَة عِنْد الْكر والفر لشدّة سرعته وَاعْترض على نَفسه فاحتج بِمَا يُوجد عيَانًا فمثّله بالجلمود المنحدر من قنّة الْجَبَل: فَإنَّك ترى ظَهره فِي النّصبة على الْحَال الَّتِي ترى فِيهَا بَطْنه وَهُوَ مقبل إِلَيْك.. ولعلّ هَذَا مَا مرّ قطّ ببال امْرِئ الْقَيْس وَلَا خطر فِي وهمه وَلَا وَقع فِي خلده وَلَا روعه انْتهى.
وَحَاصِل هَذَا وَصفه بلين الرَّأْس وَسُرْعَة الانحراف فِي صدر الْبَيْت وَشدَّة الْعَدو لكَونه قَالَ فِي صدر الْبَيْت: إِنَّه حسن الصُّورَة كَامِل النصبة فِي حالتي إقباله وإدباره وكرّه وفرّه ثمَّ شبّهه فِي عجز الْبَيْت بجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من الْعُلُوّ لشدَّة الْعَدو فَهُوَ فِي الْحَالة الَّتِي ترى يها لببه ترى فِيهَا كفله. وَبِالْعَكْسِ.
وَقَوله: كميت يزلّ اللبد الخ الْكُمَيْت: الَّذِي عرفه وذنبه أسودان وَهُوَ مجرور صفة منجرد.
وَالْحَال: مقْعد الْفَارِس من ظهر الْفرس. والمتن:
مَا اتَّصل بِالظّهْرِ من الْعَجز. والصفواء: الصَّخْرَة الملساء الَّتِي لَا يثبت فِيهَا شَيْء. والمتنزل اسْم فَاعل: الطَّائِر الَّذِي يتنزّل على الصَّخْرَة وَقيل: هُوَ السَّيْل لِأَنَّهُ يتنزل الْأَشْيَاء وَقيل: هُوَ الْمَطَر. وَالْبَاء للتعدية. يَقُول: هَذَا الْكُمَيْت يزلّ لبده عَن حَال مَتنه لانملاس ظَهره واكتناز لَحْمه وهما يحمدان من الْفرس كَمَا يزلّ الْحجر الأملس النَّازِل عَلَيْهِ فَلَا يثبت عَلَيْهِ شَيْء.
وَقَوله: على الذب جيّاش الخ الذبل: الضمور. والجيّاش: الْفرس الَّذِي يَجِيش فِي عدوه كَمَا تجيش الْقدر فِي غليانها. واهتزامه: صَوته. وحميه: غليه. والمرجل بِكَسْر الْمِيم: كل قدر من حَدِيد أَو حجر أَو نُحَاس أَو خزف أَو غَيره. يَقُول: تغلي حرارة نشاطه على ذبول خلقه وضمر بَطْنه وَكَأن تكسّر صهيله فِي صَدره غليان قدر. جعله ذكي الْقلب نشيطاً فِي الْعَدو مَعَ ضمره ثمَّ شبّه تكسّر صهيله فِي صَدره بغليان الْقدر.
وَرُوِيَ على الْعقب جيّاش. والعقب بِفَتْح فَسُكُون: جري بعد جري وَقيل: مَعْنَاهُ إِذا حرّكته)
بعقبك جاش وَلم تحتج إِلَى السَّوْط فَإِذا كَانَ آخر عدوه على هَذِه الْحَالة فَمَا ظَنك بأوله وجيّاش بِالْجَرِّ صفة منجرد.
وَقَوله: يزلّ الْغُلَام الخفّ الخ يزلّ: يزلق. والخفّ بِكَسْر الْمُعْجَمَة: وَسمع أَبُو عُبَيْدَة فتحهَا. والصهوة: مَوضِع اللبد وَهُوَ مقْعد الْفَارِس. وَجَمعهَا بِمَا حولهَا. ويلوي بِالضَّمِّ أَي: يذهبها ويبعدها. والعنيف: من لَيْسَ لَهُ رفق. والمثقّل: الثقيل. قَالَ بَعضهم: إِذا كَانَ رَاكب الْفرس خَفِيفا رمى بِهِ وَإِن كَانَ ثقيلاً رمى بثيابه. والجيد أَن المعني بأثواب
العنيف نَفسه لِأَنَّهُ غير حاذق بركوبه. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنه إِذا رَكبه العنيف لم يَتَمَالَك أَن يصلح ثِيَابه وَإِذا رَكبه الْغُلَام الخفّ زلّ عَنهُ لسرعته ونشاطه وَإِنَّمَا يصلح لَهُ من يداريه.
وَقَوله: درير كخذروف الْوَلِيد الخ درير: مستدرّ فِي الْعَدو. ويصف سرعَة جريه.
والخذروف بِالضَّمِّ: الخرّارة الَّتِي يلْعَب بهَا الصّبيان يسمع لَهَا صَوت. وأمرّه: احكم فتله. يَقُول: هُوَ يدرّ الجري أَي: يديمه ويواصله ويسرع فِيهِ إسراع خذروف الصَّبِي إِذا أحكم فتل خيطه وَتَتَابَعَتْ كفّاه فِي فتله وإدارته بخيط انْقَطع ثمَّ وصل. وَذَلِكَ أشدّ لدورانه لانملاسه.
وَقَوله: أيطلا ظَبْي الخ الأيطل: الخاصرة. وَإِنَّمَا شبهه بأيطل الظبي لِأَنَّهُ طاو. وَقَالَ: ساقا نعَامَة والنعامة قَصِيرَة السَّاقَيْن صلبتهمت وَهِي غَلِيظَة ظمياء لَيست برهلة. وَيسْتَحب من الْفرس قصرالساق لِأَنَّهُ أشدّ لرميها لوظيفها. وَيسْتَحب مِنْهُ مَعَ قصر السَّاق طول وظيف الرجل وَطول الذِّرَاع لِأَنَّهُ أشدّ لدحوه أَي: لرميه بهَا. والإرخاء: جري لَيْسَ بالشديد. وَفرس مرخاء.
وَلَيْسَ دابّة أحسن إرخاء من الذِّئْب. والسرحان: الذِّئْب. والتقريب: أَن يرفع يَدَيْهِ مَعًا ويضعهما مَعًا. والتتفل: بِضَم التَّاء الأولى وَفتحهَا مَعَ الْفَاء: ولد الثَّعْلَب وَهُوَ احسن الدَّوَابّ تَقْرِيبًا.
وَقَوله: مسحّ إِذا مَا السابحات الخ الْمسْح بِكَسْر الْمِيم: الْفرس الَّذِي كَأَنَّهُ يصبّ الجري صبّاً.
والسابحات: اللواتي عدوهنّ سباحة. والسباحة فِي الجري: أَن تدحو بأيديها دحواً أَي: تبسطها. والونا بِفَتْح الْوَاو وَالنُّون يمدّ وَيقصر: الفتور. والكديد بِفَتْح الْكَاف: الْموضع الغليظ. والمركّل اسْم مفعول: الَّذِي يركّل بالأرجل. يَقُول: إِن الْخَيل السريعة إِذا فترت فأثارت الْغُبَار بأرجلها من التَّعَب جرى هَذَا الْفرس جَريا سهلاً كَمَا يسحّ السَّحَاب الْمَطَر. وعَلى تتَعَلَّق بأثرن وَكَذَلِكَ الْبَاء.)
وَقَوله: ضليع إِذا استدبرته الخ الضليع: الْعَظِيم الأضلاع المنتفخ الجنبين ضلع يضلع ضلاعة.
والاستدبار: النّظر إِلَى دبر الشَّيْء. والفرج هُنَا: مَا بَين الرجلَيْن. والضافي: السابغ. والأعزل: المائل النب. وَيكرهُ من الْفرس أَن يكون أعزل ذَنبه إِلَى جَانب وَأَن يكون قصير الذَّنب وَأَن يكون طَويلا يطَأ عَلَيْهِ. وَيسْتَحب أَن يكون سابغاً قصير العسيب.
وَقَوله: كَأَن سراته لَدَى الْبَيْت الخ السراة بِالْفَتْح: الظّهْر. والمداك بِالْفَتْح الْحجر الَّذِي يسحق بِهِ والمدوك بِالْكَسْرِ: الْحجر الَّذِي يسحق عَلَيْهِ من الدوك وَهُوَ السحق والطحن. والصلابة بِالْفَتْح: الْحجر الأملس الَّذِي يسحق عَلَيْهِ شَيْء. يَقُول: إِذا كَانَ قَائِما عِنْد الْبَيْت غير مسرج رَأَيْت ظَهره أملس فَكَأَنَّهُ مداك عروس: فِي صفائها وانملاسها. وَإِنَّمَا قيّد المداك بالعروس لِأَنَّهُ قريب الْعَهْد بالطيب. وقيّد الصلابة بالحنظل لِأَن حبّ الحنظل يخرج دهنه فيبرق على الصلابة.
وَرَوَاهُ العسكري فِي التَّصْحِيف صراية قَالَ: وَمِمَّا يرْوى على وَجْهَيْن مداك عروس أَو صراية حنظل: رِوَايَة الْأَصْمَعِي صراية بالصَّاد مَفْتُوحَة غير مُعْجمَة وَتَحْت الْيَاء نقطتان وَهِي الحنظلة الخضراء وَقيل: هِيَ الَّتِي اصفرّت لِأَنَّهَا إِذا اصفرّت برقتْ وَهِي قبل أَن تصفرّ مغبرّة. قَالَ: وَمثله:
إِذا أَعرَضت قلت دبّاءةمن الْخضر مغموسة فِي الْغدر
أَي: من بريقها كَأَنَّهَا قرعَة. قَالَ الشَّاعِر: وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة صراية بِكَسْر الصَّاد وَقَالَ: هُوَ المَاء الَّذِي ينقع فِيهِ الحنظل وَيُقَال: صرى يصري صرياً وصراية وَهُوَ أَخْضَر صَاف. وَرَوَاهُ بَعضهم
صرابة حنظل بباء تحتهَا نقطة وَاحِدَة. فَمن قَالَ هَذَا أَرَادَ الملوسة والصفاء. يُقَال: اصرأبّ الشَّيْء أَي: املاسّ. انْتهى.
وَقَوله: كَأَن دِمَاء الهاديات بنحره الخ الهاديات: المتقدمات والأوائل. وَيُرِيد بعصارة الْحِنَّاء مَا بَقِي من الْأَثر. والمرجّل بِالْجِيم: المسرّح والترجيل: التسريح. يَقُول: إِنَّه يلْحق أوّل الْوَحْش فَإِذا لحق أوّلها علم أَنه قد أحرز آخرهَا وَإِذا لحقها طَعنهَا فتصيب دماؤها نَحره. وَقَوله: فعنّ لنا سرب الخ عنّ: عرض وَظهر. والسرب بِالْكَسْرِ: القطيع من الْبَقر والظباء وَالنِّسَاء.
والنعاج: جمع نعجة وَهِي الْأُنْثَى من بقر الْوَحْش وَمن الضَّأْن. ودوار بِالْفَتْح: صنم كَانُوا يدورون حوله أسابيع كَمَا يُطَاف بِالْبَيْتِ الْحَرَام.)
والملاء بِضَم الْمِيم: جمع ملاءة وَهِي الملحفة. والمذيّل: السابغ وَقيل: مَعْنَاهُ لَهُ هدب وَقيل: إِن مَعْنَاهُ لَهُ ذيل أسود. وَهُوَ أشبه بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ يصف بقر الْوَحْش وَهِي بيض الظُّهُور سود القوائم. يَقُول: إِن هَذَا القطيع من الْبَقر يلوذ بِبَعْضِه ويدور كَمَا تَدور العذارى حول دوار. وَهُوَ نسك كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يدورون حوله.
وَقَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف: يرْوى دوار بدال مَضْمُومَة ودوار بدال مَفْتُوحَة وَاو مُخَفّفَة.
وَهُوَ نسك كَانَ لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة يدار حوله. ودوّار فِي غير هَذَا بفتحه الدَّال وَتَشْديد الْوَاو سجن فياليمامة. ودوّار مضموم الدَّال مثقّل الْوَاو: مَوضِع انْتهى.
وَقَالَ الزوزني: المذيّل: الَّذِي أطيل ذيله وأرخي. يَقُول: تعرّض لنا قطيع من بقر الْوَحْش كَأَن إناثه عذارى يطفن حول حجر مَنْصُوب يُطَاف حوله فِي ملاء طَوِيلَة الذيل. شبّه الْبَقر فِي بَيَاض ألوانها بالعذارى لِأَنَّهُنَّ مصونات بالخدور لَا يُغير ألوانهن حرّ الشَّمْس وَغَيره وشبّه طول أذنابها وسبوغ شعرهَا بالملاء المدذيّل. وشبذه حسن مشيها بِحسن تبختر العذارى فِي مشيهنّ.
وَقَوله: فأدبرن كالجزع المفصّل الخ الْجزع بِالْفَتْح: الخرز وَقَالَ
أَبُو عُبَيْدَة بِالْكَسْرِ وَهُوَ الخرز الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض. وبجيد أَي: فِي جيد وَهُوَ الْعُنُق وَمعنى معمّ مخول أَي لَهُ أعمام وأخوال وهم فِي عشيرة وَاحِدَة كَأَنَّهُ قَالَ: كريمالأبوين. وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ خرزه أصفى وَأحسن.
يصف أَن هَذِه الْبَقر من الْوَحْش تفرّقت كالجزع أَي: كانها قلادة فِيهَا خرز قد فصّل بَينه بالخرز وَجعلت القلادة فِي عنق صبيّ كريم الْأَعْمَام والأخوال. شبّه بقر الْوَحْش بالخرز الْيَمَانِيّ لِأَنَّهُ يسود طرفاه وسائره أَبيض وَكَذَلِكَ بقر الْوَحْش يسودّ أكارعها وخدودها وسائرها أَبيض.
شَرط كَونه جيد معمّ مخول لِأَن جَوَاهِر قلادة مثل هذاالصبي أعظم من جَوَاهِر قلادة غَيره.
وَقَوله: فألحقه بالهاديات تقدم شَرحه. وَقَوله: فعادى عداء بَين ثَوْر ونعجة الخ عادى: والى بَين اثْنَيْنِ فِي طلق وَلم يعرق أَي: أدْرك صَيْده قبل أَن يعرق. وَقَوله: فَيغسل: أَي: لم يعرق فَيصير كَأَنَّهُ قد غسل بِالْمَاءِ. ودراكاً بِمَعْنى مداركة فِي مَوضِع الْحَال. وَلم يرد ثوراً ونعجة فَقَط وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكثير وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله دراكاً وَلَو أرادهما فَقَط لاستغنى عَنهُ بعاذى. وَفِيه مُبَالغَة لَا تخفى.
وَقَوله: فظلّ طهاة اللَّحْم الخ هُوَ جمع طاه وَهُوَ الطباخ. والصفيف: الَّذِي قد صفّف مرقّقاً)
على الْجَمْر وَهُوَ شواء الْأَعْرَاب. والقدير: مَا طبخ فِي قدر. وَوصف بمعجّل لأَنهم كَانُوا يستحسنون تَعْجِيل مَا كَانَ من الصَّيْد يستطرفونه. يَقُول: ظلّ المنضجون اللَّحْم وَهُوَ صنفان: صنف ينضجون شوائً مصفوفاً على الْحِجَارَة فِي النَّار والجمر وصنف يطبخون اللَّحْم فِي الْقدر. يَقُول: كثر الصَّيْد فأخصب الْقَوْم فطبخوا واشتووا. وَمن للتفصيل وَالتَّفْسِير نحوهم من بَين عَالم أَو زاهد يُرِيد أَنهم لَا يعدون الصِّنْفَيْنِ. وصفيف: منصوببمنضج وَهُوَ اسْم فَاعل.
وقدير: مجرور بِتَقْدِير مُضَاف مَعْطُوف على منضج وَالتَّقْدِير:
أَو طابخ قدير أَو لَا تَقْدِير لكنه مَعْطُوف على صفيف وخفض على الْجوَار أَو على توهم أَن الصفيف مجرور بِالْإِضَافَة وَعند البغداديين هُوَ مَعْطُوف على صفيف من قبيل الْعَطف على المحلّ وَلَا يشترطون أَن يكون المحلّ وَقَوله: ورحنا يكَاد الطّرف الخ يَقُول: إِذا نظرت الْعين إِلَى هَذَا الْفرس أَطَالَت النّظر إِلَى مَا ينظر مِنْهُ لحسنه فَلَا تكَاد الْعين تستوفي النّظر إِلَى جَمِيعه. وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: أَنه إِذا نظرت إِلَى هَذَا الْفرس لم تدم النّظر إِلَيْهِ لِئَلَّا يصاب بِالْعينِ لحسنه.
وَقَوله: مَتى مَا ترقّ الخ أَي: مَتى نظرت إِلَى أَعْلَاهُ نظرت إِلَى أَسْفَله لكماله ليستتم النّظر إِلَى جَمِيع جسده. أَصلهمَا تترقّ وتتسهّل بتاءين وجزما على أنّ الأوّل فعل الشَّرْط وَالثَّانِي جَوَابه.
وَمَا زَائِدَة وَرُوِيَ: ورحنا وَرَاح الطّرف ينفض رَأسه والطرف بِالْكَسْرِ: الْكَرِيم الطَّرفَيْنِ. وينفض رَأسه من المرح والنشاط.
وَقَوله: فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجه فِي بَات ضمير الْكُمَيْت وَجُمْلَة عَلَيْهِ سَرْجه خبر بَات وَبَات الثَّانِي مَعْطُوف على الأول وبعيني خَبره أَي: بِحَيْثُ أرَاهُ وَقَائِمًا حَال وَغير مُرْسل أَي: غير مهمل.
وَمَعْنَاهُ: أَنه لما جِيءَ بِهِ من الصَّيْد لم يرفع عَنهُ سَرْجه وَهُوَ عرق وَلم يقْلع لجامه فيعتلف على التَّعَب فيؤذيه ذَلِك.
وَيجوز أَن يكون معنى فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجه الخ أَنهم مسافرون كانه أَرَادَ الغدوّ فَكَانَ معدّاً لذَلِك. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع