من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّامِن بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّامِن بعد الأربعمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل:
الطَّوِيل فَلَو أنّك فِي يَوْم الرّخاء سَأَلتنِي تَمَامه: طَلَاقك لم أبخل وَأَنت صديق على أَن إِعْمَال أَن المخففة فِي الضَّمِير البارز شَاذ. وَفِيه شذوذ آخر وَهُوَ كَون الضَّمِير غير ضمير الشَّأْن لأَنهم قَالُوا: إِن أَن إِذا خففت وَجب أَن يكون اسْمهَا ضميراً غَائِبا وَأَن يكون ضمير شَأْن. قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَاب السَّابِق بعد قَول الْأَعْشَى:
فِي فتيةٍ كسيوف الْهِنْد قد علمُواأَن هالكٌ كلّ من يحفى وينتعل
يُرِيد معنى الْهَاء وَلَا يُخَفف أَن إِلَّا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: قد علمت أَن لَا يَقُول
أَي: أَنه لَا يَقُول وَقَالَ تَعَالَى: أفَلا يَرَوْنَ ألَاّ يرجعُ إِلَيْهِم قولا وَلَيْسَ هَذَا بِقَوي فِي الْكَلَام كقوة أَن لَا يَقُول لِأَن لَا عوض من ذهَاب الْعَلامَة. أَلا ترى أَنهم لَا يكادون يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْر الْهَاء فَيَقُولُونَ قد علمت أَن عبد الله منطلق. انْتهى.
وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره من سُورَة الْحجر عِنْد الْكَلَام على حذف نون الْوِقَايَة: وَقد خففت الْعَرَب النُّون من أَن الناصبة ثمَّ أنفذوا لَهَا عَملهَا وَهِي أَشد من ذَا.
قَالَ الشَّاعِر:
فَلَو أَنَّك فِي يَوْم الرّخاء سَأَلتنِيفراقك لم أبخل وَأَنت صديق
فَمَا ردّ تزويجٌ عَلَيْهِ شهادةٌوَلَا ردّ من بعد الْحرار عَتيق
وَقَالَ الآخر:
وَقد علم الضّيف والمرملونإِذا اغبرّ أفقٌ وهبّت شمالا
بأنك ربيعٌ وغيثٌ مريعٌوقدماً هُنَاكَ تكون الثّمالا
انْتهى.
وَظَاهره أَنَّهَا تعْمل مُطلقًا كالمثقلة. وَنقل ابْن المستوفي عَنهُ فِي شرح أَبْيَات الْمفصل لم يسمع من الْعَرَب تَخْفيف أَن وإعمالها إِلَّا مَعَ المكني لِأَنَّهُ لَا يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب فَأَما مَعَ الظَّاهِر فَلَا. وَلَكِن وَمِنْه تعلم أَن نقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن الْكُوفِيّين أَنهم زَعَمُوا أَنَّهَا إِذا خففت لَا تعْمل شَيْئا)
غير صَحِيح. وتحريره أَن اسْمهَا إِذا كَانَ ظَاهرا لَا تعْمل شَيْئا.
وَالْبَيْت خطاب لزوجته فِي طلبَهَا الطَّلَاق وَيُرِيد بِيَوْم الرخَاء قبل إحكام عقد النِّكَاح بِدَلِيل الْبَيْت الثَّانِي وَبِه يسْقط قَول الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة على الْمُغنِي: إِن الشَّاعِر خَاطب امْرَأَته واصفاً نَفسه بالجود.
وَقَوله: فِي يَوْم الرخَاء من التتميم.
وَكَذَا قَوْله: وَأَنت صديق لوُقُوع كل مِنْهُمَا فِي كَلَام لَا يُفِيد خلاف الْمَقْصُود مُفِيدا لنكتة وَهِي الْمُبَالغَة فِي الاتصاف بالجود.
وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده وصف نَفسه بمحبته هَذِه الْمَرْأَة وَأَنه قد يُؤثر مَا تختاره هِيَ على مَا يختاره هُوَ حرصاً على رِضَاهَا وَحُصُول مرادها. انْتهى.
وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ فَقَالَ: إِنَّه يصف نَفسه بالجود حَتَّى لَو سَأَلَهُ الحبيب الْفِرَاق مَعَ حبه لأجابه إِلَى ذَلِك وَإِن كَانَ فِي الدعة والراحة كَرَاهَة رد السَّائِل.
وَإِنَّمَا خص يَوْم الرخَاء لِأَن الْإِنْسَان رُبمَا يُفَارق الأحباب فِي يَوْم الشدَّة. هَذَا كَلَامه.
وَزعم بَعضهم أَن الْخطاب لمذكر وروى: فراقك بدل: طَلَاقك. وَهَذَا كُله نَاشِئ من عدم الِاطِّلَاع على الْبَيْت الثَّانِي. وَيَوْم الرخَاء مُتَعَلق بسألتني وطلاقك مَفْعُوله الثَّانِي وَالْجُمْلَة خبر أَن المخففة وَلم أبخل جَوَاب لَو وَجُمْلَة: أَنْت صديق حَال من ضمير أبخل.
فَإِن قلت: كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول: وَأَنت صديقَة قلت: قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية عِنْد الْكَلَام على جمع الصّفة جمع تكسير: وَقد جَاءَ شَيْء من فعيل بِمَعْنى فَاعل مستوياً فِيهِ الْمُذكر والمؤنث حملا على فعيل بِمَعْنى مفعول نَحْو: جَدِيد وسديس وريح خريق وَرَحْمَة الله قريب. وَيلْزم ذَلِك فِي سديس وخريق. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب الْعباب: قد يُقَال للْوَاحِد وَالْجمع والمؤنث قَالَ الله تَعَالَى: أَو صديقكم أَي: أصدقائكم.
وَقَالَ:
نصبن الْهوى ثمّ ارتمين قُلُوبنَابأعين أعداءٍ وهنّ صديق
وَأنْشد اللَّيْث: الطَّوِيل)
إِذْ النّاس ناسٌ والزّمان بعزّةٍوَإِذ أمّ عمّارٍ صديقٌ مساعف
انْتهى.
والبيتان أنشدهما الْفراء وَلم يعزهما لأحد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع