تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

الباب الثّاني والستون في الكواكب الخنّس وفي هلال شهر رمضان

قال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ

وقد تقدّم القول في أنّها خمسة: زحل- والمشتري- والمريخ- والزهرة- وعطارد. وأنّها سيّارة كالشّمس- والقمر. وقد يسمّى بعضها بغير هذه الأسماء المريخ بهرام. ويسمّى المشتري البرجيس- ويسمّى الزّهرة أناهيد- ويسمّى زحل كيوان- ويسمّى القمر ماه- وتسمّى الشمس مهر- ويسمى عطارد نير- وقال رؤبة:

أسقيه نضّاح الصبّا بجيساكافح بعد النّثرة البرجيسا

البجيس: المتفجّر، وفي القرآن: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً

ويقال: هذه أرض تنبجس عيونا، وكافح: واجه. والنّثرة: من ذوات الأنواء، والبرجيس: هو المشتري، ولا حظّ له في المطر عندهم، وظن رؤبة أنه من ذوات الأنواء، وهذا كما أنّ الكميت قال وهو يصف ثورا بشدّة العدو شعرا:

ثم استمر وللأشباه تذكرةكأنّه الكواكب المريخ أو زحل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ثم استمر وللاشباه تذكرة»

أراد أن يشبّهه بكوكب منقض، فظنّ أنّ المريخ وزحل ينقضّان، وقيل في عذر رؤبة:

إنه كان سمع البرجيس وإنه اسم كوكب، وخفي عليه أنه اسم المشتري في لسان غيرهم.

وقيل في عذر الكميت: إنّ انقضاض الكوكب إسلامي رجم به مسترقة السمع، ولم يعرف قبل الإسلام فلذلك خفي عليه أنّ المريخ وزحل ليسا من الرّجوم. وإنما سمّيت هذه الكواكب خنّسا لأنها تسير في الفلك ثم ترجع، بينا أحدها في آخر البروج كرّ راجعا إلى أوّله، ولذلك لا ترى الزّهرة في وسط السّماء أبدا، وإنّما تراها بين يدي الشّمس أو خلفها.

وذلك أنّها أسرع من الشّمس، فتستقيم في سيرها حتى تجاوز الشّمس فتصير من ورائها، فإذا تباعدت عنها ظهرت بالعشاء في المغرب، فترى كذلك حينا ثم تكرّ راجعة نحو

الشّمس حتى تجاورها، فتصير بين يديها فتظهر حينئذ في المشرق بالغداة، هكذا هي أبدا، فمتى ظهرت في المغرب فهي مستقيمة ومتى ظهرت في المشرق فهي راجعة، وكل شيء استمرّ ثم انقبض فقد خنس، ومنه سمّي الشّيطان خناسا لأنه يوسوس في القلب، فإذا ذكر الله خنس، وسمّيت كنّسا بالاستسرار كما تكنس الظّباء. وصفات الخنّس الزّهرة أعظمها في المنظر، وأشدّها بياضا ثم المشتري في مثل هيئتها. وفي زحل كمودة. وفي المرّيخ حمرة وفي عطارد صفرة. وقد تقدّم القول في استسرار القمر، وأنّه يقطع المنازل في استسراره كما يقطع في ظهوره. وأنهم يسمّون آخر ليلة في الشهر البراء لتبرّؤ القمر من الشّهر فيه. وأما قول الشّاعر شعرا:

يا عين بكّي عامرا وعبسايوما إذا كان البراء بخسا

فالمراد إذا لم يكن فيه مطر، لأنّ المطر يستحبّ في سرار القمر.

فأمّا هلال شهر رمضان فقد قال رسول الله ﷺ: «إذا غمّ عليكم فاكملوا العدة». وهذه رواية ابن عباس ﵄.

وفي حديث آخر: «إذا غمّ عليكم فاقدروا له» رواية ابن عمر ﵄. ومعنى أقدروا له: قدّروا له المسير والمنازل.

يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى، والتّقدير له يكون إذا غمّ على النّاس ليلة ثلاثين في آخر شعبان لليلة ويعلم أنّه يمكث ستة أسباع ساعة من أوّلها ثم يغيب وذلك في أدنى مفارقته للشّمس، ولا يزال يزيد في كلّ ليلة على مكثه في اللّيلة قبلها ستة أسباع ساعة، فإذا كان في اللّيلة السّابعة غاب في نصف اللّيل، وإذا كان في ليلة أربع عشرة طلع مع غروب الشّمس، وغرب مع طلوعها ثم يتأخّر طلوعه عن أول ليلة خمس عشرة ستة أسباع، ولا يزال يتأخر طلوعه ليلة ثمان وعشرين مع الغداة فإن لم ير صبح ثمان وعشرين، علم أن الشّهر ناقص وعدته تسعة وعشرون يوما.

وإن رؤي علم أن الشّهر تام وعدّته ثلاثون، وقد يعرف أيضا بمكث الهلال في ليالي النّصف الأوّل من الشّهر ومغيبه، وأوقات طلوعه ليالي النّصف الآخر من الشّهر، وتأخرّه عن أوّل اللّيل، ويتعرّف من المنازل بأنّ الهلال إذا طلع في أوّل ليلة من شعبان في الشّرطين، وكان شعبان تاما طلع في أول ليلة من شهر رمضان في الثّريا، وإن كان شعبان ناقصا طلع في البطين، وهذا أمر يضيق ويصعب على الناس، ويكثر فيه التّنازع والاختلاف، فنسخه رسول الله ﷺ بقوله: «إذا غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» ولا يمكن أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشّمس وبالعشي في المغرب خلف الشّمس في يوم واحد، ولكن يمكن ذلك في يومين فهو حين يستسر ليلة واحدة، وإذا كان في ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين.

وأما ما روي من قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» فإن اللّام فيه بمعنى بعد ومثله قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ

واللّام لإضافة عدّة مواضع.

وقد ذكرتها أو أكثرها في غير هذا الموضع، وقال بعض أهل النظر: المراد صوموا لما أقبل من رؤيته.

وكذلك طلّقوهنّ لما أقبل من عدّتهن. قال وقبل كلّ شيء وجهه وأوّله، كما أنّ دبره آخره، وكلّما يؤقّت فله أوّل وآخر، فما دام زائدا فهو مقبل، فإذا أخذ في النّقصان فهو مدبر مثل النّهار فهو مقبل من الفجر إلى الاستواء لأنّه في الزّيادة ثم مدبر، لأنّه في النّقصان إلى اللّيل، ولا يقال: هو مقبل وقد أقبل إلّا عند دخول وقته. ومنه قوله ﷺ: «إذا أقبل اللّيل وأدبر النّهار فقد أفطر الصائم». ولا يجوز أن يقال: أقبل اللّيل إلّا بعد مغيب الشّمس، لأنّ الصّائم لا يعود مفطرا إلا به لقوله: فقد أفطر الصّائم. أي انقضى صومه لذهاب وقته ودخول وقت آخر لا يكون الصّوم فيه ويؤيد هذا الّذي ذكرناه قول الرّاجز شعرا:

وقلّة الطّعم إذا الزّاد حضروتركي الحسناء في قبل الطّهر

لأنّ المراد أوّل طهرها لا ما قبله من الحيض، فمراد الشّاعر فيه مثل مراد الأخطل حين قال شعرا:

قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهمدون النّساء ولو باتت بإطهار
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «إني لمن معشر للمرد قد ركضوا»

وقد بيّن غيره بأتمّ من هذا الذي قال:

أفبعد مقتل مالك بن زهيرترجو النّساء عواقب الأطهار
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»

وهذا ظاهر ولو جاز أن يكون إقبال شيء في إدبار غيره الذي هو ضدّه لكان الصّائم مفطرا قبل مغيب الشّمس، إذ اللّيل عنده يقبل في إدبار النّهار، وقبل انقضائه كلّه وهذا لا يقوله أحد. وإذا كان الأمر على هذا فأذن الله تعالى في الطّلاق بقوله: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ

لا يكون واقعا إلا بعد دخول وقت العدّة التي أذن الله في الطّلاق له، والطّهر وبعد انقضاء إدبار الوقت الذي منع من الطّلاق فيه وانتهائه وهو الحيض، فكذلك قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» يعني الهلال والصّوم لا يكون إلا بعده بساعات ووقت مديد، ومن مواضع اللّام قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي

لأنّ المعنى أدم الصّلاة لتسبّحني وتمجّدني، وذلك هو الذّكر إذ كان علة له وسببا، وهذا يخالف: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ

لأنّ دلوك الشمس بيان وقت، ومثله قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ

في أنه بيان وقت، ألا ترى أنّ الحشر لم يكن علة لإخراجهم، بل كان علة إخراجهم كفرهم وإباؤهم الإسلام.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأزمنة والأمكنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.