من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب الخامس والخمسون في حدّ ما يشتمل على ذكر ما في إعرابه نظر من حديث الزّمان
قال ذو الرّمة شعرا:
فلمّا نصفن اللّيل أو حين نصبتله من خذي آذانها وهو جانح
يروى لبسن اللّيل يعني الحمر، ونصبت للتّوجّه إلى الماء، وقال بعضهم حين فعل من الحينونة والمراد أو حين دنا اللّيل للنّصف فحذف وأنشد سيبويه:
أرواح مودّع أو بكورلك فاعمد لأيّ حال تصير
وقيل: جعل الرّواح هو المودّع على السّعة، وقيل: أراد ذو رواح أنت أم بكور فحذف.
وروى سيبويه: أنت فانظر ومعناه انظر أنت، فانظر، وقال هذا يرتفع على الحدّ الذي ينتصب به عبد الله إذا قلت عبد الله ضربته، وقال: أي حال ووجه الكلام أية حال لكنّه حمله على لفظة الحال. وقال ابن أحمر شعرا:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالثإلى ذاكما ما غيّبتني غيابيا
أراد شهرين أو شهرين أو شهرين ونصف ثالث، وقيل: أراد بل وأو يكون بمعنى بل وقيل: أو بمعنى الواو كأنه أراد ونصف ثالث، قوله: ما غيّبتني غيابيا أراد بالغياب الغيابة، لذلك أنّث كما قال تعالى: فِي غَيابَتِ الْجُبِّ
إنّه حذف الهاء مع الإضافة لأنّ المضاف إليه كالعوض مثل: ليت شعري وهو أبو عذرها.
ويجوز أن يكون غيابة وغياب مثل قتادة وقتاد، فحمله على التّأنيث مثل نخل خاوية.
وقالت أمية بنت عتيبة بن الحارث:
تروّحنا من اللّعباء قصراوأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
ويروى: وأعجلنا الحمائل أن تؤوبا. يريد به الشّمس أي استعجلناها مخافة أن تئوب ولئلا تئوب ومعنى تئوب: تغيب كما قال:
وليس الّذي يتلو النّجوم بآئب
ويروى: وأعجلنا الإهة وقيل الإهة اسم للشّمس، لأنّه كانت تعبد. وقال الفرزدق:
فسد الزّمان ومن تغيّر أهلهحتى أمية عن فزارة تنزع
أي ومن تغيّر أهله فسد، فحذف وقيل: ومن تغير أهله أمية تنزع، وقيل: بل أراد أن يجعل حتى معلقة لا تعمل في شيء، ويكون بمعنى الواو. سبب هذا الشّعر أنّ أمية بن خالد بن أسد عزل عن عمله لعمر بن هبيرة، ويشبه هذا قوله شعرا:
فيا عجبا حتّى كليب تسبّنيكأنّ أباها نهشل أو عطارد
وقال عبد العزيز بن وديعة المزني:
نسأت القلوص على لاحبومرّ اللّيالي يزلن النّعيما
مرّ اللّيالي: هو الليالي، لذلك قال يزلن ومثله لجرير:
رأت مرّ السّنين أخذن منّيكما أخذ السّرار من الهلال
وأنشد سيبويه في مثله:
لمّا أتى خبر الزّبير تواضعتسور المدينة والجبال الخشّع
وقال الفرزدق:
على حين ولّى الدّهر إلا أقلّهوكاد بقايا آخر العيش تذهب
جعل لآخر العيش بقايا، والبقايا من العيش لا من آخره، والمعنى كادت بقايا ذلك الأقل تذهب أيضا. وقال وعلة الجرمي:
ولمّا رأيت الخيل تترى أتايجاعلمت بأنّ اليوم أحمس فاجر
يروى حاذر وحاذر، أي: محذور. وقال الفرزدق:
مثل النّعام يدينها تنقلهاإلى ابن ليلى بها التّهجّر والبكر
ارتفع التّهجر والبكر على أن يكون فاعل يدينها وانتصب تنقلها على البدل من المضمر في يدينها. وقال حميد بن ثور:
تعلّلت ريعان الشّباب الذي مضىبخمسة أهلين الزّمان المذبذب
الزّمان: بدل من الشّباب، وجعله مذبذبا استقصارا لوقته، وقال أيضا شعرا:
فإمّا تريني اليوم أمسكت بعدماتردّيته برد الشّباب المجر
انتصب برد على البدل من المضمر في تردّيته، يريد بعد ما لبست برد الشّباب أي استمتعت به. وقالت امرأة منهم شعرا:
صاح الغراب بدار هند سدفةصمّ الغراب وخرس ماذا ينثر
دعت عليه بالصّم والخرس.
ومرّ القول في السّدفة. وأنشد ابن الأعرابي لبعض بني أسد:
ولقد رأيتك بالقوادم مرّةوعليّ من سدف العشيّ رياح
أي أريحية وخيلا من الشّباب. فقال رياح وأنشد سيبويه لعمر بن قمية:
لما رأت ساتيد ما استعبرتلله درّ اليوم من آلامها
فرّق بين المضاف والمضاف إليه بالظّرف كما يفرّق بينهما بالقسم. وقال عمر بن ربيعة:
أما الرحيل فدون بعد غدفمتى تقول الدّار تجمعنا
أجرى: تقول مجرى تظن في الاستفهام، أعمله عمله.
وإذا كان كذلك فانتصاب الدّار على المفعول الأول، وتجمعنا مفعول ثان: المعنى متى تظنّ الدار جامعة لنا تقول. وأنشد سيبويه:
أكلّ عام نعم تحوونهيلقحه قوم وتنتجونه
قوله: تحوونه صفة للنّعم كأنه قال: نعم محوية، فكونه صفة منع من أن يكون عاملا فيما قبله. وأنشد للهذلي:
حتّى شاءها كليل موهنا عملبانت ظرابا وبات اللّيل لم يتم
جعل سيبويه كليلا يتعدّى إلى موهن كما يتعدّى ضارب إلى مفعوله، وخالفه جمع
النّحويون كلّهم، وجعلوا موهنا ظرفا وقد تكلّمت له وعليهم فيما عملته من شعر هذيل وأنشد سيبويه لعدي بن زيد:
أرواح مودّع أم بكور؟أنت فانظر لأيّ حال تصير
قال: أراد ذو رواح أنت أم بكور فحذف. وقال سيبويه: معناه: انظر أنت فانظر وقال هذا يرتفع على الحد الذي ينتصب به على شيء ما بعده تفسيره، ومثال ذلك المنصوب إذا قلت زيد أضربته لأنّ المعنى أهنت زيدا ضربته. وقال شعرا:
ذكرتك لمّا أتلعت من كناسهاوذكرك سبات إلى عجيب
قال: إلى بمعنى عند والسبة القطعة من الدّهر. وقال آخر:
أرى كلّ يوم زرتها ذو بشاشةولو كان حولا كلّ يوم أزورها
يقول: أراد ولو كانت زيارتي كلّ يوم حولا. قال:
على حين عاتبت المشيب على الصّبافقلت ألمّا أصح والشّيب وازع؟!
قوله: على حين بناه على الفتح أي في حين وأراد عاتبني المشيب فجعل الفاعل مفعولا. وقال الأصمعي في قول سحيم بن وثيل:
وإنّي لا يعود إليّ قرنيغداة الورد إلّا في قريني
أراد: مع قرين أي مع أسير آخر أقرنه إليه، وقال غير الأصمعي: أراد بالقرين الحبل.
وقال متمّم بن نويرة:
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
قال: أراد مع طول اجتماع، وقيل: أراد كأن طول الاجتماع كان سبب التّفرق، لأنّ الشيء إذا تناهى عاد ناقصا. وقال آخر:
إنّ الرّزية لا رزيّة مثلهاأخواي إذ قتلا بيوم واحد
أي في يوم واحد.
ومن القلب والإبدال قوله: كان لون أرضه سماؤه، أراد كان لون سمائه أرضه. قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويةتقضّي لبانات ويسأم سائم
أراد في ثواء: حول ثوية، وقوله: ويسأم سائم: أراد سأمة سائم وقال:
مروان مروان أخو اليوم اليمي قال: أراد اليوم اليوم فأخّر الواو وقدّم الميم، ثم قلب الواو حين صار ظرفا كما يقال في جمع دلو: آدل، وقيل: بل أراد أخو اليوم اليوم كما يقال في الحرب عند التدّاعي اليوم اليوم، أي هو أخو هذا المقالة. وأنشد الأخفش بيت الفرزدق:
كم عمة لك يا جرير وخالةفدعاء قد حلبت عليّ عشاري
قال: يجوز في عمة الرفع والنصب والخفض. قال فرفعه على الابتداء وبجعل كم ظرفا وخالة، ونصبه على نية التّنوين في كم فشبّه بعشرين درهما وما أشبهه، والخفض على الإضافة، كما يقول كم رجل قد رأيت لأنه أجري مجرى عدد لا تنوين فيه، نحو ثلاثة أثواب. وقال عمرو بن معديكرب ويروى لغيره:
وكلّ أخ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلّا الفرقدان
ارتفع الفرقدان عند أصحابنا البصريين على أنّه بدل من قوله: كلّ أخ والكوفيون يجعلون إلّا بمعنى الواو، كأنّه قال: والفرقدان أيضا. وقال جرير شعرا:
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرىونمت وما ليل المطيّ بنائم
ومثل هذا كثير.
قال سيبويه: جعل النّوم للّيل كما جعل النّابغة السّهر له في قوله:
كتمتك سرّا يا لجومين ساهراوهمين هما مستكنا وظاهرا
والتّحقيق ما ليل المطيّ بذي نوم، وقال غيره: أراد لا ينام من قاساه، فحذف لأنّ المعنى معروف. وقال وعلة الجرمي شعرا:
ولمّا رأيت الخيل تترى أتايجاعلمت بأنّ اليوم أحمس حاذر
قالوا: أراد بالحاذر المحذور، وروي فاجر أي سديد ذو فجور، وكانوا يسمّون من يغزو في الأشهر الحرم فاجرا، قالت ليلى الأخيليّة:
على تقاها دائما وفجورها. وأنشد:
بني أسد ما تعلمون بلاءناإذا كان يوم ذو كواكب أشنعا
جعل أشنعا حالا ولعنترة:
أمن سميّة دمع العين مذروفلو كان ذا منك قبل البين معروف
قال: أراد لو كان القصة، وقال الفرّاء: لو كان ذا في موضع نصب. وقال أحمد بن يحيى في الأمر وكان مجهول، وهذا يقارب طريقة أصحابنا. قال: ومن العرب من يجعل العفل للصّفة فيرفعه كما قال: قلت أحبي عاشقا يحبكم مكلف: أي هو مكلف. قال الأعشى:
أسرى وقصّر ليلة ليزوداومضى وأخلف من قتله موعدا
أخلف: أي وجده كذلك كما قال:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق: أي وجده هائجة النّبت، وكقول العبّاس:
لعمرة رسم أصبح اليوم دارساوأقفر منها رحرحان وراكسا
أي وجدهما قفرا. وقال جرير:
إذا خفت يوما أن يلجّ بك الهوىفإنّ الهوى يكفيكه مثله صبرا
أراد: فإنّ الهوى يكفيك هوى مثله، أي هوى آخر، وتمّ الكلام ونصب صبرا على معنى فاصبر صبرا. وقال آخر: أراد يكفيكه أن تصبر صبرا. وقال الأعشى:
هذا النهار بدا لها من همّهاما بالها باللّيل زال زوالها
نصب النّهار: أي في النّهار ونصب، زوالها: كأنّه دعاء على اللّيل فقال: زال زوالها:
أي مع زوالها، فلا يكون ليل إذ زالت أتارق فيه وأسهر. قال أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء: زال زوالها: كلمة تقال بالرّفع فتركها على حالها، ولم يلتفت إلى القافية، وقال الأصمعي: لا أدري ما هو. وقال الأخفش: أزلته عن مكانه وزلته لغة، فأراد أزال الله زوالها بزوال زال. قال أبو صخر الهذلي شعرا:
أرائح أنت يوم اثنين أم غادولم تسلّم على ريحانة الوادي
العرب تقول: هذا يوم اثنين بغير ألف ولام، وكان أبو زيد يقول: مضى الاثنان بما فيها، ومضت الجمعة بما فيها، ومضى الثّلاثاء بما فيهن. وقال جرير:
فالشّمس طالعة ليست بكاسفةتبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
أراد الشّمس طالعة وليست بكاسفة نجوم اللّيل، والقمر، لأنّها طلعت لفقدك ضعيفة النّور. وقيل: انتصب القمر لأنّه مفعول معه أراد مع القمر. وروي: تبكي عليك نجوم اللّيل
على أن تكون نجوم اللّيل مفعول تبكي، يقال: باكيته فبكيته، أبكيه ويكون من أفعال المبالغة، كأنّ الشّمس تغالب في البكاء النّجوم والقمر فتغلبها وأفعال المبالغة تجيء في الماضي على فاعلته أفعله بضم العين، يقول: طاولته فطلته أطوله، إلّا ما كان من بنات الياء، فإنّه يحامي على الياء منه لئلا يختلط بنات الياء ببنات الواو. هذا الباب المعتمد فيه على السّماع فاعلمه. وقال الطّرمّاح شعرا:
فإني وإيّاكم وموعد بينناكيوم لبيد يوم فارق أربدا
يريد: أنّ يومنا ويومكم ويوم ميعاد بيننا كيوم لبيد، والأجود في تفسير البين أن يكون المصدر لا الظرف. وقوله: يوم فارق العامل فيه معنى الفعل الذي دلّ عليه قوله: يوم لبيد لأنّه يريد به الشّدة والصّعوبة. وأخبره أنّ السّبيل ثنية صعودا ينادي كلّ كهل وأمردا، صعود فمن يعمل يلمع به اليوم بأنها، ومن لا يلهي بالضّحاء فأوردا. أربد أخو لبيد مات فقال:
وأرى أربد قد فارقنيومن الأرزاء رزء ذو جلل
والمعنى؛ فجعت بكم وأنا أتبعكم فما الخلق فيما كتب من آجالهم إلّا سابق ولا حق، على ذلك نحن ومن تقدّمنا في تواعدنا، والسّبيل يريد به سبيل الموت وأنّ الاقدام تتساوى فيه فمن دعي أجاب، وقوله: فمن يلمع به الصّعود يأتها، يريد إذا أشارت إليه أولا، وهذا كما قال أوس: أشاربهم لمع الأصم. وقوله: ثنية صعود يريد أنّها عقبة شاقة. وقوله: ومن لا يلهى بالضّحاء، وضع الماضي موضع المستقبل أراد ومن لا يلمع به في أوّل النّهار يلمع به من بعد، والضّحاء للإبل وهو وقت الغذاء للناس، يريد به قرب ما بين الأحياء والأموات في الموت ومثل قوله: ومن لا يلهى به في حذف الشّرط منه قول الآخر:
والّا يقيموا صاغرين الرّؤسا. لأنّ المعنى: الّا تقيموا تقيموا كما أنّ التقدير في هذا لا يلمع به يلهى. وقوله: فأوردا. في موضع الجزم لأنّه معطوف على من لا يلهى. والمعنى من لم يتله فيورد وفيه وجه آخر. قال زهير:
إنّ الرّزية لا رزية مثلهاما يبتغي غطفان يوم أضلّت
(لا رزية): مثلها في موضع الصّفة للرّزية وما ينبغي في موضع الخبر.
شعر:
إنّ الرّكاب ليبتغي ذا مرّةبجنوب نخل إذا الشّهور أحلّت
يعني: إذا انقضت الأشهر الحرم. وقال آخر:
وباد الشّباب ولذّاتهوما كان للدّهر الأخلّا
أي أكلها أكل الحشيش وفي طريقته قوله: فلست خلاة لمن أوعدن. قال حميد بن ثور:
أتنسى عدوّ إسار نحوك لم يزلثمانين عاما قبض نفسك تطلب
وتذكر سرداحا من الوصل باقياطويل القرى أنضبته وهو أحدب
تقعّدته عصرا طويلا أروضهيلين وينبو تارة حين أركب
أراد بالعدو الدّهر، والسّرداح الطّويل من الإبل، ضربه مثلا للعيش الذي قضاه قوله:
يلين وينبو أي: يأتي مرة بالبؤس ومرة بالنّعم. قال آخر:
وصاحب المقدار والرّديفأفنى ألوفا بعده ألوف
يعني بالرّديف النّجوم التي تتعاقب، يقول: يعاقبها على مرّ الدّهور لا يبقي أحدا.
أنشد أبو العبّاس:
أجدّك لن ترى بثعيلباتولا بيداء ناجية ذمولا
ولا متدارك والشّمس طفلببعض جوانب الوادي حمولا
قال لك: إن تقول ما زيد قائما ولا قاعدا، ولا قائم ولا قاعد. من رفع توهّم أنّ الأول مرفوع. وكذلك الخفض، ولو خفض الأوّل جاز في المنسوق عليه ثلاثة أوجه. وكذلك لو كانت صفة قلت ما زيد خلفك ولا محسن ولا محسنا ولا محسن، يتوهّم أنّ المقدّم فعل ويجوز ما زيد بقائم ولا بقاعد، وأنشد: بطعنه لا غس ولا بمعمر. وأنشد الكسائي: أما ترى حيث سهيل طالعا.
قال: رفع حيث وأضافها وخفض بها، وإذا خفض بها فينبغي أن ينصب ووجه الكلام عبد الله حيث زيد نصبت حيث، وأضفتها. وأنشد للنابغة شعرا:
تبدو كواكبها والشّمس طالعةلا النور نور ولا الإظلام إظلام
قيل: أراد شدّة الأمر بقوله: تبدو كواكبه كما قال: ويريه النّجم يجري بالظّهر. وكما يقال: لأرينك الكواكب، وقيل بل أراد لمعان السّيوف وبريق البيض ذهبا بظلمة الغبار.
وإنّ الغبار غطّى الشّعاع السّاطع منهما، فلذلك حال كلّ عن المعهود. وأنشد أبو الحسن عن يونس:
إذا أنا لم أو من عليك ولم يكنكلامك إلا من وراء وراء
وراء من أسماء الزّمان. قال الشّعر مرفوع. وقد جوّز فيه غير وجه منها الضّم فيها ويكون الثّاني بدلا من الأوّل، وقد جعل غايته وجوّز إلّا من وراء وراء يريد ورأى فحذف ياء
الإضافة، وترك الكسرة عليها، وتكون الثانية بدلا أو تكريرا ويكون من وراء وراء على أن يجعل وراء معرفة فلا يصرفها للتأنيث والتّعريف، وتكون الثانية تكريرا وروى ابن حبيب عن أبي توبة إلا وراء وراء أضاف وراء إلى وراء فجرّه للإضافة ووراء المضاف إليه بني على الضّم مثل تحت ودون ويجوز إلّا من وراء وراء تضيف وراء الأول إلى الثّاني. وقد جعلته لا ينصرف للتأنيث والتّعريف، ووراء الأوّل التّقدير فيه الإفراد كما يقدّر في سائر ما يضاف.
قال زهير شعرا:
لعب الرّياح بها وغيّرهابغدي سوافي المور والقطر
القطر: لا يسفي. فقال الأخفش: هذا الباب يشير إلى مثل قوله:
متقلد أسفا ورمحاوعلفتها تبنا وماء باردا
وقول جرير شعرا:
تبيّن في أنف الفرزدق لؤمهيقبّح ذاك الأنف أنفا ومشفرا
كلّه إنما جاز بإضمار فعل آخر كأنه قال: وحاملا رمحا وسوافي المور، وصوب القطر وقال:
ما كان مثلك يستخفّ لنظرةيوم المطيّ لغربة مر حول
وهذا مثل أتيتك زمن الحجّاج أمير. وقال حميد الأرقط:
فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهموليس كلّ النّوى يلقى المساكين
قال سيبويه: أضمر القصّة أو الأمر وقدم مفعول الخبر، وهذا لا يجوز لو لم يكن فيه إضمار كأنّه قال: وليس الأمر كلّ النّوى يلقى المساكين، لأنّه لا يلي ليس ولا كان ما يعمل فيه فعل آخر، لا يجوز أن يقول: كانت زيدا الحمى تأخذ فيفرق بين كان واسمها بمفعول غيرها، ولو كان مفعولها لجاز كقولك: كان زيد قائما لأنّ قائما مفعول كان. وأنشد سيبويه لعمر بن أبي ربيعة شعرا:
معاوي إنّنا بشر فأسجحفلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقال: هذا مما يجري على الموضع لا على الاسم الذي قبله لأنّ المعنى فلسنا جبالا ولا حديدا. وقيل: إن سيبويه دسّ هذا البيت لأنّ القصيدة مجرورة، وفي هذا كلام. وقال آخر:
فأوّه لذكراها إذا ما ذكرتهاومن بعد أرض بيننا وسماء
من قولك: أوّه وأراد من بعد أرض، ومن بعد سماء، فجعله للصّفتين ونحوه قول القطامي:
ألم يحزنك أنّ جبال قيسوتغلب قد تباينت انقطاعا
يريد: وجبال تغلب. وقال النّابغة الجعدي شعرا:
غدا فتيا دهر وراحا عليهمنهار وليل يكثران التّواليا
وإنمّا يغدو واحد ويروح آخر، ويجوز على هذا أن يقول: غلامان قد طبخا خبزا وأحدهما طبخ والآخر خبر. وقال آخر:
تعلمنّ والله ما أباليتعود عند آخر اللّيالي
أراد أن يقول: أخرى اللّيالي، وهو وجه الكلام. وقال جرير شعرا:
مطاعيم الشّتاء إذا استحنّتوفي عرواء كلّ صبا عقيم
قال ابن الأعرابي: استحنّت بفتح التاء بمعنى حنّت يعني الشّمال، وقال عمارة: بضم التاء، وقال: أراد استحنّ الشّتاء الشّمال أي هيّجها، والشّمال: مستحنّة فلذلك روى استحنّت.
سبقنا العالمين بكلّ نجموبالمستمطرات من النّجوم
وقوله: وليست يعني النّجوم وأضمر لأنّ في الكلام دليلا عليه. وقال جرير شعرا:
يأوي إليك فلا منّ ولا جحدمن ساقت الضّيع الحصا والذّئب
فاعل يأوي من ساقت، وأراد بالضّيع الحصا السّنة الجدبة لا نبت فيها، قوله: والذّئب يريد أنّ الذئب تطمع في الناس لضعفهم. وروي أنّه سئل السّنة: أي الجدب ما عوانك، فقال: الحرب والذّئب. وقال الفرزدق شعرا:
يداك يد ربيع النّاس فيهاوفي الأخرى الشّهور من الحرام
أراد في إحدى يديك ربيع النّاس، يعني إنّه يغنيهم، والأخرى كالأشهر الحرم يعني عقد جوارح، فأخرج الكلام كما ترى. وأنشد ثعلب:
ولعلّ خيرا منك قرما ماجداضحّاك ساعات النّجوم سميدع
يعني طلاقة وجهه في الجدب إذا خوت النّجوم، واللّفظ على ما يشاهد وفي طريقته قال شعرا:
قفار إذ العام المسمّى تزعزعتبشيفائه هوج الرّياح العقائم
قوله: المسمّى. يعني المشتهر بصفاته. وأنشد للعجّاج أو رؤبة:
كأنّه لو لم يكن حمارابهنّ تالي النّجم حيث غارا
يجوز أن يكون المراد بقوله: بهنّ بطردهنّ فحذف المضاف، ويجوز أن يريد كأنّه باجتماعه معهنّ، ويكون في الباء تقديران: أحدهما: أن يكون العامل فيه ما في كان من معنى الفعل، أي يشبه العير تطرده الأتن تالي النّجم، والآخر: أن تعلقه بكان أي لو لم يكن حمارا بطردهنّ أو بالاجتماع معهنّ، والمعنى أنّ كونه حمارا يمنعه أن يكون كتالي النّجم على الحقيقة، وإن كان كونه خلفها، يطردها ككون الدّبران خلف الثّريا وقال: مرّت على آثارها دبرانها. يشبه هذا ما أنشده أبو زيد. كوني بالمكارم ذكّريني. قولهم زيدا ضربه، وزيد ليقم، فبالمكارم متعلّق بذكّريني فكأنّه قال: أنت ذكرتني فرفع أنت بالابتداء ثم دخل الفعل عليه، ويشبهه قول الجميح: إن الرّياضة لا ينصبك للشّيث. فإن قلت: بيت الجميح أحسن في القياس أو ما أنشده أبو زيد، قيل: جهة قياسهما في الارتفاع بالابتداء واحد. وقوله: لا ينصبك أحسن من كوني بالمكارم ذكريني لأنّ قوله ذكرتني يدل على كوني، ونظيره قولهم:
كان زيد قام، وقد أجازه النّحويون إجازة حسنة وزعموا أنّ أخوات كان ليس في ذلك لكان والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع