تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

الباب الرّابع والخمسون في اشتداد الزّمان بعوارض الجدب وامتداده بلواحق الخصب

يروى عن النبي ﷺ أنّه قال في دعائه على الكفار: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعل عليهم سنين كسني يوسف» فدعاهم جهد البلاء إلى أن أكلوا العلهز وهو المعجون من الوبر بدم القراد أعاذنا الله تعالى من السوء برحمته ومن ذلك قول الشّاعر شعرا:

هلّا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا رعائي راحت قبل حطّابي

وذلك إذا اشتدّ البرد فراح الرّاعي بإبله قبل الحطّاب، لقلة المرعى ولأنّ المحتطبين يحتبسون مستكثرين من الحطب لشدّة البرد، وقال النابغة في مثله:

هلّا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا الدّخان تغثّى الأشمط البرما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

ويقال: أتانا فلان من الطّيخة إمّا في فتنة وإمّا في جدب وبلاء، وأنشد:

وكنابها بعد ما طيخت عروضهمكالبهرقية يبغي ليطها الدّسما

والمطيخ: الفاسد وقال ابن مقبل:

ألم تعلمي أن لا يذم فجاءنيدخيلي إذا اغبرّ العضاة المجلّح
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

يريد أنّ الدّخيل لا يذمّه إذا غشيه في وقت لم يكن مستعدا للاحتفال به والمجلّح الذي أكلته الإبل حتى ذهبت بغصونه، وصار كالرأس الأجلح، ومثله قول الأعشى:

وإني لا يشتكيني الألوكإذا كان صحو السّحاب الضّريبا

أراد بالألوك ذو الألوك وهي الرسالة، يريد لا أردّ صاحبها بغير شيء فيشكوني في هذا الوقت البارد الجدب، وبيّن هذا المعنى لبيد وبسطه فقال:

وغلام أرسلته أمّهبألوك فبذلنا ما سأل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»
أو نهته فأتاه رزقهفاشتوى ليلة ريح واجتمل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

زاد على الأول لأنّه قال: تطلب إذا طلب ونبتدئه إذا أمسك، وقال الكميت يذكر سنة جدب:

وكأنّ السوف للقينات فوقاتعيش به وهنيت الرّقوب
وصار وقودهم للنّار أماوهان على المخبأة الشّحوب

قال أيضا:

وأنت ربيعنا في كلّ محلإذا المهداء قيل لها العفير
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وأنت ربيعنا في كل محل»

(المهداء): الكثيرة البر على الجيران، والعفير الذي لا يهدي من الجدب، والأصل في التّعفير أن يعلّل العظيم بالشّيء ليستغني به عن اللّبن ويشهد للمهداء قوله:

وإذ الجراد اغبررن من المحلوكانت مهداؤهنّ عفيرا

وقال لبيد:

يكبون العشار لمن أتاهمإذا لم تسكت المائة الوليدا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «يكبون العشار لمن أتاهم»

أي لا يوجد في المائة من اللّبن ما يعلل به صبي إذا بكى وقال أوس في مثله:

وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولبا جدعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

(الهدم): الخلق، (والتّولب): ولد الحمار، واستعاره للعظيم والجدع السيئ الغذاء.

وقال الفرزدق: وعام تمشي بالفراع أرامله، الفراع: الجرب، وإنما يتمشّى بها تسأل الصّدقة وقال الهذلي:

وليلة يصطلي بالفرث جارزهايختص بالنّضرى المثرين داعيها

يريد أنّ الجارز لشدّة البرد يدخل يده في الكرش ليدفأ وقال الفرزدق:

إذا السنة الشّهباء حلّ حرامها

أي: يأكلون فيها الميتة والدّم، وقال رؤبة جدباء فكّت أسر القعوس. والقعس:

الهودج أي فكّوها وأوقدوا بها من شدّة البرد، وقال الكميت:

فأيّ عمارة كالحيّ بكرإذا اللّزيات لقيت السّنينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «الا حييت عنا يا مدينا»
أكرّ غداة أبساس ونقروأكشف بالأصايل إذ عرينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ألم تتعجبي من ريب دهر»

اللّزيات: الشدائد، واللّزية تلقب بالسّنة حتى بني منه الفعل، فقيل: أسنت القوم أصابتهم السّنة، والتّاء في أسنت قال أصحابنا: هي بدل من الواو الظاهرة في الجمع، إذا

قيل سنوات، ومثله التاء في قولهم أخت.

ويقال هذا عام سنة والأرض وراءنا سنة. ومن ألقاب الجدب قولهم: كحل وتحوط.

قال: والحافظ النّاس في تحوط إذا لم يرسلوا تحت عائد ربعا. ويروى في تحيط.

ويقال: أصابتهم لزية- وحطمة- وأزمة- ولأواء- ولولاء- وقحمة- وحجرة وشصاصاء وأكلتهم الضّبع والفاشورة قال:

قوم إذا صرحت كحل بيوتهمعزّ الذّليل مأوى كلّ قرضوب
للشاعر سَلامَة بن جَندَل، اقرأ القصيدة

وأحجرنا عامنا وهي الحجرة قال:

إذا الشّتاء أحجرت نجومهواشتدّ في غير ثرى أزومه

والسنة القاوية، وقد قوي المطر إذا قحط، ويقال: حقد المطر: إذا احتبس وقوله: إذا عرينا: يريد بردن، ويقال: ليلة عرية ويوم عرى أي بارد، يقول: يكشفون تلك الأصائل بالإطعام وتفقّد الناس، وقال الكميت يصف زمن الجدب شعرا:

وجالت الرّيح من تلقاء مغربهاوضنّ من قدره ذو القدر بالعقب
وكهكه المدلج المقرور في يدهواستدفأ الكلب في الماسور ذي الذئب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها»

(العقبة): شيء كان يردّه مستعير القدر من المرق في القدر وهو العافي. و (كهكه):

نفخ في يده من شدّة البرد. وأنشد الأصمعي في العافي:

إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها

وقال الفرزدق:

وهتكت الأطناب كلّ ذفرةلها تامك من عاتق التي أعرف

(التامك): السّنام، و (الأعرف): الطّويل العرف، يقول: إذا أصابها البرد دخلت الخباء فقطّعت الأطناب. وقال الكميت:

فأيّ امرئ أنت أيّ امرئإذا الزّجر لم يستدرّ الزّجورا
ولم يعط بالعصب منها العصوب لا النّهيت وإلا الطّخيرا

(النّهيت): الصّياح والرّغاء، و (الطّخير): الضّرب بالرجلين و (الزّجور): التي لا تدر حتى تزجر، وهذا في شدة الزّمان. وقال أيضا:

بعام يقول له الموكفون هذا المعيم لنا المرجل
وكان سواء لنا تجينتمام الحوارين والمعجل

والمرجل أي جعلهم رجالا، وقوله: وكان سواء أي ليس للأمهات لبن، فالتمام يموت أيضا، قال أبو عمر: وهما حواران أحدهما، (تمام): والآخر. (معجل).

وحكى ابن الأعرابي: هذا عام صار الرّوم فيه علوقا، والرّفود زجورا، فالرؤوم العطوف على ولدها، والرّفود التي تملأ رفدين في حلبة أي قد حين والعلوق التي ترأم بأنفها وتمنع درّها والزّجور التي لا تدر حتى تزجر، وكلّ ذلك الانقلاب للصّر والشدّة وكلب الزّمان وقال ابن مقبل شعرا:

ولا اصطفى لحم السّنام ذخيرةإذا عزّ ريح المسك باللّيل قاتره
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

قاترة من القتار، عزّه غلب عليه، يقول في زمان الجدب: يكون ريح القتار أطيب من ريح المسك وقال:

بلى إنّ الزّمان له صروفوكلّ من معاركه السّنين
فيسمن ذو العريكة بعد هزلويغتر الهزيلة بالسمين

العريكة من قولهم ناقة عروك إذا لم يكن في سنامها إلا شيء يسير، والمعنى إن صروف الدّهر تقلب: فيسمن المهزول ويهزل السّمين والهزال من الشّحم والهزل من الجدب والموت وقال عروة شعرا:

أقيموا بني أمّي صدور قناتكمفإنّ منايا النّاس شرّ من القتل

ويقال عام: (مجرنمز) إذا كان المطر وسطه دون أوله، والمجداب الأرض لا تكاد تخصب، والرّمد القحط وأرمد القويم هلكوا جدبا.

ويقال: سنة سنواء- وحصاء- وشهباء- وغبراء- وأرض بني فلان جرز والجمع أجراز ومجروزة، وأنشد ابن الأعرابي الأسودان أبردا عظامي. الأسودان الفث والماء، والفث حب يطحن ويخبز منه خبزا أسود، وهذا كما قيل في التمر والماء الأسودان ومعنى: (أبردا عظامي) أي أذهبا مخي، والفث يأكله الضّركاء. قال الطّرماح:

لم يأكل الفثّ والدّعاع ولميتعفّ هبيدا بجنبه مهتبده

(الهبيد): حب الحنظل، قال حسّان ﵁:

لم يعللن بالمغافير والصّمغولا شرى حنظل الحظبان

المغافير: جمع المغفور وهو شيء ينضجه التمام.

ويقال: عيس عزير- وزمان عزير: أي لا يفزع أهله وعام غيداق. وسيل غيداق، وماء غداق. ويقال: زمن مخضم لا مقضم. وحكى الفراء عام أزب.

قال أبو عبيدة: عيش حزم وهي عربية وأنشد لأبي عيينة:

وجنة فاقت الجنان فماتبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطناإنّ فؤادي لأهلها وطن
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
زوج حيتانها الضّباب بهافهذه كنة وذا ختن
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
وانظر تفكّر فيما يطوف بهإنّ الأريب المفكّر الفطن
من سفن كالنّعام مقبلةومن نعام كأنها سفن
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

أخذ هذا من قول الخليل بن أحمد شعرا:

زر وادي القصر نعم القصر والواديلا بدّ من زورة من غير ميعاد
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
يرفى بها السّفن والظمآن واقفةوالضّب والنّون والملاح والحادي

وقال بعضهم: سقيا لزمن حضنتني أحشاؤه- وأرضعتني أحساؤه- فما هو في الأزمان إذا قيس حاله- واعتبر نشوه ونماؤه- ألا أخ عرفت مذاهبه- وجزت خلائقه- فصح لك غيبه- وبعد عنك عيبه- فهو شقيق روحك- وباب الرّوح إلى روعك.

وقال بعض البلغاء: من أتى قصر أنس بن مالك ظهرا يرى أعرابيا يحدو بزوملته- ورأى ملاحا يغنّي على سكانه- ورأى صيادا قد طرح شبكته- ورأى غلاما عند جحر ضب يريغ صيده- ثم رأى أرضا كان ترابها الكافور- ولا تسفيه الرّيح لأنّها تربة- فمتى شئت رأيت بساطا موشيا- ومتى شئت رأيت جنة وحريرا- وقال أبو عيينة شعرا:

تذكّرني الفرودس طورا فأرعويوطورا تواتيني على القصب والفتك
بغرس كأبكار الجواري وتربةكأنّ ثراها ماء ورد على مسك
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
فيا حسن ذاك القصر قصرا ومنظرابأفيح سهل غير وعر ولا ضنك
كأنّ قصورا لقوم ينظرن حولهإلى ملك موف على منبر الملك
يدلّ عليها مستطيلا بحسنهويضحك منها وهي مطرفة تبكي
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وأنشد ابن أبي ناظرة، قال أنشدني الرّياشي عن الأصمعي:

إنمّا يتمّ الفؤاد غزالذو دماليج يوم سال العقيق
مالئ الطّرف من بعيد عميمومليح إذا دنوت عتيق
لو رآه رهبان مدين طارواواستخف المطران والجاثليق
ولها مربع بطيبة لذّولها بالحمى مبدي أنيق
سلوة العيش والنّدى فإذاما ودّعتها رواعد وبروق
سكنت دسكراتها وأطباهاظلّ عيش نضر العيون وريق
في رياض تحفّهنّ نخيلباسقات تعلى عليها الوسوق
وإذا أهل جنة حصّنوهاحين تعرو نوائب وخفوق
ثلموها لابن السّبيل وللعافي ففيها للمعتقين طريق

ومن كلامهم: وقع في الأهيفين: أي الطّعام والشّراب. وسئل بعضهم ما أطيب العيش أو الأوقات؟ فقال: ما قلّ أذاه. وكثر جداه، أيام تربيع الحمى وقصيفه، ويريح من الهوى ظلّ المنى وريفه.

وحكى الأصمعيّ: موت لا يجرّ إلى عار خير من عيش في رماق: أي قدر ما يمسك الرّمق. وقال طرفة:

نحن في المشتاة يدعو الجفلىلا ترى الآداب فينا ينتقر

ويقال: فلان يدعو الجفلى والأجفل إذا عمّ بدعائه، وفلان يدعو النّقرى إذا خصّ قوما دون قوم، وقال كلّ الطّعام يشتهي ربيعة: الخرس والنقيعة. (الخرس): للولادة.

(والأعذار): للختان و (الوليمة) للعرس، و (النقيعة): طعام القادم من سفره و (المأدبة) كلّ طعام صنع ودعي إليه و (الوكيرة) الطّعام يصنع عند بناء البيت وقال الشاعر:

فظللنا بنعمة واتّكأناوشربنا الحلال من قلله
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «رسم دار وقفت في طلله»

اتّكأنا طعمنا: ومنه قوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً

أي طعاما (القلل) جمع قلّة، وقال حرملة بن حكيم:

يا كعب إنك لو قصرت علىحسن النّدام وقلّة الجرم
للشاعر عبد المسيح بن عَسَلة، اقرأ القصيدة
وسماع مدجنة تعلّلناحتّى نؤوب تناوم العجم
للشاعر عبد المسيح بن عَسَلة، اقرأ القصيدة
لصحوت والنّمريّ يحسبهاعمّ السّماك وخالة النّجم
للشاعر عبد المسيح بن عَسَلة، اقرأ القصيدة

ويروى على شرب المدام (المدجنة) الدّاخلة في الدّجن وهو اليوم المطير، وأراد حتى نؤوب نتناوم تناوم العجم، وكانوا لا ينامون إلّا على ضرب الأوتار وشرب الرّحيق.

وقال ابن الأعرابي: يقول لو أحسنت المنادمة لنادمتك حتى الصّبح إلى صياح الدّيكة.

قال: والنمريّ: هو كعب نفسه، أي لصحوت وأنت تحسب هذه المسمعة. كذلك في عظم

القدر، وهذا كقولك ما يحسبه إلا ابن ماء السماء وقال لبيد:

يثني ثناء من كريم وقومهألا انعم على حسن التّحية واشرب

قوله: يثني ثناء أي يديم ما كان عليه من الثّناء. وقال آخر:

كرام إذا ناب البحار ألذّهمخاريق لا يزجون في الخمر

وألذه مخاريق أي يخرقون في العطاء كما قال:

فتّى إذ هو استغنى تخرّق في الغنىوإنّ قلّ مالا لم يضع متنه الغقر

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأزمنة والأمكنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.