من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب السّتّون في ذكر الأوقات المحمودة للنّوء والمطر وسائر الأفعال، وذكر ما يتطيّر منه أو يستدفع الشّر به
اعلم أنّ العرب تحمد الولد إذا ولد في الهلال، فإن حملته في قبل الطّهر كان ذلك أعجب إليها، ولذلك قالت الفارعة أخت لقمان بن عاديا لإمرأة إني امرأة نزور وزوجي رجل محمق، وأنا في ليلة طهري، فهي لي ليلتك، واسميني على فراشك فإذا رجع لقمان من عند الشّرب ثملا، فوجدني على فراشك وقع عليّ، وهو رجل منجب فعسى أن ألد منه ابنا نجيبا، فأجابتها إلى ذلك، فوقع عليها لقمان فحبلت بلقيم بن لقمان. ولذلك قال النّمر بن تولب لقيم بن لقمان: فإنّ ولدته قبل النّهار كان ذلك الغاية. قال:
ولدت في الهلال من قبل الطّهروقد لاح للصّباح بشير
وقال الرّاعي:
وما أمّ عبد الله إلّا عطيةمن الله أعطاها امرأ فهو شاكر
هي الشّمس وافاها الهلال فنسلهانجوم بآفاق السّماء نظائر
والمنجّمون يزعمون أنّ الهلال نحس، ونحن نجد عامة حاجات النّاس إنما تجزىء مع الأهلة منها التاريخات كلّها، ومحل الدّيون، وفراغ الصّناع والتّجار، ويوم الفطر، وآجال المستغلات، وقدوم الولاة، وزيادة المد، ونقصان الجزر، ما بين الصّيبين إلى المزار، والمواعيد، والإجارات، وأكثر الحيض الذي جعله الله مصحة أبدان النساء. ثم نزول الغيث الذي نشر الله به رحمته فأحيا به الأرض بعد موتها، وفي حياتها حياة من عليها ولأسد بن ناغضة جاهلي في شأن عبيد بن الأبرص شعر:
غداة توخّى الملك يلتمس الحيافصادت نحسا كان كالدّبران
وللأسود بن يعفر يهجو رجلا:
ولدت بحادي النّجم يحدو قرينهوبالقلب قلب العقرب المتوفّر
وقال آخر جاهلي:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّهسواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد
وقال آخر:
فإنّك قد بعثت عليك نحساشقيت به كواكبه ذكور
وقال آخر:
فإن يك كوكب الصّمعاء نحسابه ولدت وبالقمر المحاق
وقال الأصمعي: إذا كان المطر عندهم في سرار الشّهر كان محمودا، ورجوا غزارته، وكثرة الخيرات به. وأنشد للرّاعي:
تلقّى نوءهنّ سرار شهروخير النّوء ما لقي السّرار
وقال الكميت:
هاجت له من جنوح اللّيل رائحةلا الضبّ ممتنع منها ولا الورل
في ليلة مطلع الجوزاء أوّلهادهماء لا قرح فيها ولا رجل
يريد إنّ هذه الليلة من السّرار، فلا ضوء في أوّلها، وهو القرح، والقرح: بياض وجه الدّابة. وقوله: مطلع الجوزاء أوّلها يريد أنّها من الشّتاء، والجوزاء في الشتاء يطلع أوّل اللّيل.
وقال الحطيئة:
باتت لها بكسيب حريه ليلةوطغاء بين جماديين درور
قوله: بين جماديين يريد أنّها ليلة لا يدري أهي آخر من الشّهر الأول، أو أوّل ليلة من الشّهر الثاني. وأراد أنّ المطر كان في السّرار أو في الغرّة.
وإذا كان أيضا في الغرة كان محمودا.
قال الكميت:
والغيث بالمتألّقاتمن الأهلّة في النّواحر
النّواحر: جمع ناحرة وهي اللّيلة التي تنحر الشهر، أي تكون في نحره.
وقال ابن أحمر:
ولا مكللة راج الشّمال بهافي ناحرات سرار بعد إهلال
وقد توافقوا كلّهم على هذا إلا أبا وجزة، فإنّه ذكر نصف الشّهر فقال:
في ليلة لتمام النّصف من رجبخوارة المزن في أقتارها طول
وليس يحمدون المحاق إلّا في المطر وحده، وقال جران العود، وذكر امرأة تزوّجها فلم يستوفقها: قال شعرا:
أتوني بها قبل المحاق بليلةوكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
وحكى المفضّل أنّ زبّان بن سيار خرج غازيا ومعه النّابغة فرأى جرادا، فقال النّابغة:
جرادة تجرد ذات ألوان. فانصرف متطيّرا، ومضى زبّان فغنم وسلم فلما قفل قال شعرا يخاطب به النّابغة من ذلك قوله شعرا:
شعر:
تعلّم أنّه لا طير إلّاعلى متطيّر وهو الثّبور
بلى شيء يوافق بعض شيءيفاجئنا وباطله كثير
ومن يبرح به لا بدّ يومايجيئ به نعيّ أو بشير
وقال الكميت:
اللّورق الهواتف أم لباكعمّ عمّا يزنّ به غفول
الباكي: الغراب يقول: يزن بأنه ينعب بالفراق وهو غافل عن ذلك. وقال الكميت لجذام في انتقالهم إلى اليمن شعرا:
وكان اسمكم لو يزجر الطير عائفلبينكم طيرا منبئة الفأل
أي اسمكم جذام، والزّجر فيه الانجذام، وهو الانقطاع. وقال أيضا يمدح زيادا:
واسم امرئ طيره لا الظبي معترضاولا النّعيق من الشّحاجة النعب
فقال اسمه زياد، فالزّجر فيه الزّيادة والشّحاجة الغربان.
وقال آخر:
دعا صرد يوما على ظهر شوحطوصاح بذات البين منها غرابها
فقلت: أتصريد وشحط وغربةفهذا لعمري نأيها واغترابها
وقال في مخالفته آخر:
وقالوا: قاب قلت: عقبى من النّوىدنت بعد هجر منهم ونزوح
فزجر في العقاب الخير ثم قال:
وقالوا حمام قلت حمّ لقاؤهاوعادت لنا ريح الوصال تفوح
وقالوا تغنّى هدهد فوق ليلةفقلت هدى نغدو به ونروح
قال أبو العباس المبّرد: ولم أرهم زجروا في الغراب شيئا من الخير لكنّي سمعت بيتين أنشدهما بعضهم في المدح والتفاؤل به أحدهما:
نعب الغراب فرقّ بالمشتاقفدنا وصاح برؤية وتلاق
لا سلّ ريشك إذا نعبت بقربهمووقاك من ريب المنيّة واق
والآخر:
نعب الغراب برؤية الأحبابولذاك صرت أحبّ كلّ غراب
لا سلّ ريشك إذ نعبت بقربهموسقيت من نام صبيب سحاب
وسكنت بين حدائق في جنةمحفوفة بالنّخل والأعناب
ولم أسمع غير ذلك، ويقال للعائف الحازي، وكان أصل التّطير في الطّير، وكذلك الرّجز بأصواتها وعددها والتغلّي والتّنسف، ثم صاروا إذا عاينوا الأعور والأعضب والأبتر زجروا وزجروا بالسّنوح والبروح. وقد تقدّم فيه كلام وقال رؤبة:
يشقى به العرّان حتّى أحسباسيدا مغيرا أو لياحا مغربا
اللّياح: الثّور الأبيض، وكانوا يتشاءمون بالمغرب وقال:
قد علم المرهتون الحمقىومن تجزي عاطسا أو طرقا
ألا نبالي إذ بدرنا الشّرقاأيوم نحس أم يكون طلقا
وقال:
وقد أغتدي قبل العطاس بهيكلسديد مسك الجنب فعم المنطق
وقال:
وخرق إذا وجّهت فيه لغزوةمضيت ولم يحسبك عنه الكوادس
الكداس: العطاس وكانوا يتطيّرون منه. وكانوا إذا عطس العاطس قالوا: قد أنجمنا أي منعنا. وقال ابن الأعرابي: يقال: عطست فلانا النّجم أي أصابه الهلاك الذي يتطيّر فمات، قال والنّجم أيضا دويبة صغيرة. وقال ذو الرّمة:
ولا أبالي النّجم العواطسا
وقال طرفة:
لعمري لقد مرّت عواطس جمةومرّ قبيل الصّبح ظبي مصمع
قال عواطس لأنّه رأى أشياء مما يتشاءم بها، فجعل كلّ واحد كالعاطس وجعل الظّبي مصمعا: وهو الصّغير الأذن استقباحا له. وقيل: المصمع: المسرع. قال:
وعجراء دفث بالجناح كأنّهمع الفجر شيخ في بجاد مقنّع
فإن تمنعي رزقا لعبد يصيبهولن تدفعي بؤسي وما يتوقع
قال الفرزدق:
إذا وطنا لمغتنيه ابن مدركفلقيت من طير العراقيب أخيلا
ويقال: صبّحهم بأخيل: أي بشؤم. ويقال: بعير مخيول: إذا وقع الأخيل على عجزه فقطعه. وقال الأعشى:
انظر إلى كفّ وأسرارهاهل أنت إن أوعدتني صابر
جعله مثلا لأنّهم كانوا ينظرون إليها يستدلّون بها. وقال جرير في طريقته:
وما كان ذو شغب يمارس عيصنافينظر في كفيّه إلا تندّما
العيص: الأكمة شبّه حسبهم بها، ومعنى ينظر في كفيه أي إذا تعيف علم أنّه لاق شرا.
وقال المرقم السّدوسي مخالفا لهم شعرا:
ولقد غدوت وكنت لاأغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم
الواق: الصّرد، والحاتم: الغراب. وأنشد الجاحظ:
ولست بهيّاب إذا شدّ رحلهيقول: عداتي اليوم واق وحاتم
ولكنّه يمضي على ذاك مقدماإذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم
الخثارم: المتطهّر من الرّجال.
قال الجاحظ: ولإيمان العرب بباب الطّيرة والفأل عقدوا التمائم والرّتائم وعشّروا إذا دخلوا القرى كتعشير الحمار، واستعملوا في القداح الآمرة والنّاحية والمتربّص، وهي غير قداح الإيسار ويشتقّون من اسم الشيء المعاين أو المسموع ما يقيمون به العادة في ذلك، فجعلوا الحمام مرة من الحمام ومرة من الحميم، ومرة من الحمى. وجعلوا البان مرّة من البين، ومرّة من البيان.
وقال الحارث بن حلزة، وكان ينكر الطّيرة: يا أيها المزمع ثم انثنى. الأبيات وقد مرّت في باب العيافة والقيافة. وأنشد المفضّل شعرا:
تغتال عرض الرّويّة المذالةولم ينطعها على غلاله
إلّا بحسن الخلق والنّبالهآذن بالبين صريد الصّاله
فبات منه القلب في البلبالهينزو كنز والطّير في الحباله
صريد: تصغير صرد، وأضاف إلى الصّالة، وهذا كما يقال: غراب البين.
ولقي النبي ﷺ حضرميّ بن عامر في ناس من قومه فنسبهم النّبي ﷺ وقال: «من أنتم؟» فقيل: نحن بنو الزّنية فقال ﵇: «بل أنتم بنو الرّشدة» فقالوا: لا نرغب عن اسم أبينا، ولا نكون مثل بني محوله، يعنون بني عبد الله بن غطفان. قال: «بل أنتم بنو عبد الله فسمّوا بني محوله».
وما ذكرناه في هذا الباب كاف في موضعه، وقد استقصيت الكلام في فنونه وشعبه في كتابي المعروف (بعنوان الأدب) وذلك في الباب الجامع لذكر الرّموز والعادات. وهو باب كثير الفوائد، غريب الموارد.
وفي الحديث: أنه كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة، واعترض بعضهم عليه فقال: إذا كان الفأل لا يوجب إلّا مثل ما توجب الطّيرة فيما يرجى أو يخاف، فلا فصل بينهما وذاك أن قول القائل يا واجد وأنت باغ، لا يوجب أمرا بخلاف ما يوجبه قوله: يا مضلّ، لأنّ مطلوبك على ما كان عليه لا حقيقة تبدّله، ولا مجاز يغيّره، فيؤدّي الحالتين على طريقة واحدة. قلت: إن تسمع كلمة في نفسها مستحسنة وتكون قد أحدثت من قبل طمعا في أمر من عند الله تعالى فيعجبك سماعك لها إذ كان الطّمع خلاف اليأس، ولأنّ الكلمة واقفته.
ومثاله أن تسمع وأنت خائف يا سالم، فالفأل لا يوجب السّلامة، ولكن كأنّه يبطل اليأس، ويدفع سوء الظّن، والرّجاء بالله وحسن الظّن به محمود مندوب إليه، وإذا ظنّ أنّ المرجو من حيث وافق تلك الكلمة كالأقرن، ففرح بذلك فلا بأس عليه. وإذا كان الأمر على هذا فالطّيرة بعيدة من هذا، وكذلك المتطيّر فيما يأتيه أو يذره وهذا ظاهر.
وحكى الجاحظ عن الأصمعي، قال: هرب بعض البصريّين من بعض الطّواعين فركب حمارا ومضى بأهله نحو سفوان، فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه ويقول: لن يسبق الله على حمار، ولا على ذي ميعة مطار أن يأتي الحتف على مقدار، قد يصبح الله أمام السّاري، فلمّا سمع ذلك رجع بهم، ومن أعجب ما لهم قول الشّاعر:
فإن يبرأ فلم أنفث عليهوإن يفقد فحقّ له الفقود
وقول آخر:
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمتفطعنة لاغس ولا بمغّمر
لأنّ ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّهم كانوا إذا شكوا سلامة رميهم رقوا نبالهم برقية، ونفثوا فيها نفث السّواحر في عقد ما يبرمونه من سحرها. وهذا كما اعتقد في النّيران وهي كثيرة ينسب بعضهم إلى العجم، وبعضهم إلى العرب وفي أثنائها نيران الدّيانات حتى عبدت. ويذكر هنا ما يأخذ كتابنا هذا منه بحظ، فقد استقصى الجاحظ القول فيها، وذكر أحوال المعظمين لها والمستهينين بها وقد قال الله تعالى في ذكر الثّقلين: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
وليس يريد أنّ التعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة، ولكنّه أراد التّحذير بخلقه لها والوعيد بها غير إدخال النّاس فيها، وإحراقهم بها، وفي ذلك نعمة من الله مجدّدة، إذ كان حال من حذر مخالفا بحال من أهمل وترك وما يختاره. وقال الشاعر يد الخصب شعرا:
في حيث خالطت الخزامي عرفجايأتيك قابس أهله لم يقبس
ومن أمثالهم: في كلّ شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. وفي الجاهلية الأولى إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد البلاء، واشتدّ الجدب، واحتالوا إلى استمطار جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السّلع والعشر ثم صعدوا بها في جبل وعر وأشعلوا فيها النّار وضجّوا بالدعاء والتّضرع، وكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب السّقيا. لذلك قال أمية بن أبي الصّلت:
سنة أزمة تخيل بالنّاسترى للعضاة فيها صريرا
سلع ما ومثله عشر ماعايل ما وعالت البيقورا
ويقال: بقر وباقر وبيقر وبيقور وبقير. وقال بعضهم: تقرّبوا بذلك، كما تفرّد بعضهم بقربان تأكله النّار فإنهم كانوا يأتون بالقرابين ويوقدون نارا عظيمة وتدنى تلك القرابين في لخلف منها وهم يطوفون حولها ويتضرّعون، فإذا أكلت النّار وقد أشعلوها تلك القرابين عدّوا ذلك قبولا لها، وإسعافا بالمطالب منها. وأنشد القحذمي للورل الطّائي في لاستمطار:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلعةذريعة لك بين الله والمطر
وعلى ذكر النّار فللعرب منها ما يذكر في الرّموز. ومنها ما يجعل علامة لحوادث كحذر. ومنها ما يضرب بذكره مثل، أو يعقد به ديانة، أو يقام به تشبيه وسنّة، والجاحظ قد
أثار الرّهج في جمعها ووصفها، والكلام عليها وعلى المتدّينين بعبادتها، وأنا أذكر منها هنا ما يكتفى به إن شاء الله تعالى.
قال الجاحظ: قال الله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
النار من أكبر الماعون، وأعظم المرافق، ولو لم يكن فيها إلّا أنّ الله تعالى جعلها الزّاجرة عن المعاصي، لكان في ذلك ما يزيد في قدرها ونباهة ذكرها وقال تعالى: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
فالعاقل المعتبر إذا تأمل قوله تعالى: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً
تصوّر ما فيها من النّعم أولا ومن النقم آخرا. وقد عذّب الله تعالى الأمم بأنواع العذاب ولم يبعث عليهم نارا لأنّه جعلها من عذاب الآخرة.
قال: ومن النّيران بعدما ذكرها من أنّ العرب في الجاهليّة كانت تستمطر بالنّار التي كانوا يوقدونها عند التّحالف، فلا يعقدون حلفهم إلّا عندها، وكانوا يقولون في الحلف:
الدّم الدّم والهدم الهدم لا يزيده طلوع الشّمس إلا شدّا، وطول اللّيالي إلا مدّا، وما بلّ البحر صوفة، وما أقام رضوى في مكانه، إذ كان جبلهم رضوى أو ما أنفق من مشاهير بلادهم يؤكّدون العقود بمثل ذلك، وعلى هذا ما ورد في الخبر أنّ النبي ﷺ قال للأنصار لمّا أرادوا أن يبايعوه، فقال أبو الهيثم بن التّيهان: إنّ بيننا وبين القوم حبالا نحن قاطعوها ونخشى إن الله أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: «لا بل الدّم الدّم، والهدم الهدم، واللّدم اللّدم» أي حرمتي مع حرمتكم أطلب الدّم بطلبكم، وأعفو بعفوكم، فأجرى الكلام ﷺ على ما كان يجرونه حينئذ عند التّحالف وقال الشّاعر:
ثم الحقي بهدمي ولدمي: أي أصلي وموضعي. والهدم متحركا المهدوم. وقال أوس يصف عيرا:
إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجههكما صدّ عن نار المهول حالف
وكان قوم اختلفوا عند نار فغشوها حتّى محشتهم النّار، فسمّوا المحاش. لذلك قال النّابغة يخاطب رئيسهم.
جمع محاشك يا يزيد فإنّنيجمّعت يربوعا لكم وتميما
ونار أخرى: وهي التي كانوا يوقدونها خلف المسافر والزائر الذي لا يريدون رجوعه.
لذلك قال بشار:
صحوت وأوقدت للجهل ناراوردّ عليك الصّبيّ ما استعارا
ونار أخرى توقد لجمع النّاس للحرب، وتوقّع جيش عظيم. قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد في خزازىرفدنا فوق رفد الرّافدينا
ونار أخرى: وهي نار الحرّتين وهي نار خالد بن سنان، ولم يكن في بني إسماعيل نبيّ قبله، وهو الذي أطفأ الله تعالى به نار الحرّتين، وكان حرّة ببلاد عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، وكانت طيّء ينفش بها إبلها من مسيرة ثلاث، وربّما ندرت منها العنق فتأتي على ما تقابله فتحرقه. وإذا كان النّهار فهي دخان يفور فبعث الله تعالى خالد بن سنان ﵇، فأطفأها وله قصة مرويّة.
وروي أنّ ابنته قدمت على رسول الله ﷺ فبسط لها رداءه وقال: «هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه» وأنشدوا شعرا:
كنار الحرّتين لها زفيرتصمّ مسامع الرّجل البصير
ونار أخرى وهي التي أطفأها خالد بن الوليد لمّا أرسله رسول الله ﷺ إليها، وكان السّادن احتال حتى رماه بشرر يوهمه أنّه لتعرّضه لها فقال: كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك، فكشف الله تعالى ذلك الغطاء برسول الله ﷺ.
فأما نيران السّعالي والجن والغيلان فلها شأن آخر. والنّار التي توقد للظّباء وصيدها معلومة.
ومن النّيران المذكورة نار أبي حباحب، ونار الحباحب أيضا، وقيل أبو حباحب رجل كان لا ينتفع به في ماعون ولا في موقد نار، فجعل ناره مثلا لكلّ نار تراها العين، ولا حقيقة لها عند التماسها ونسبت إليه. وقال القطامي:
ألا إنّها نيران قيس إذا شتوالطارق ليل مثل نار الحباحب
ويشبه نار الحباحب نار البرق.
ونار اليراعة، واليراعة: طائر صغير يصير باللّيل كأنّها شهاب قذف أو مصباح يطير.
وكانوا ربّما أوقدوا نارا واحدة وربّما أوقدوا نيرانا عدة، وربّما أوقدوا نارين. فالواحدة توقد للقرى، ويستدلّ بها الضّالّ والمتحيّر في الظّلمة في اللّيل البهيم. والمطعام يوقد اللّيل كلّه في الشّتاء. ولذلك قال الشّاعر شعرا:
له نار تشبّ بكلّ وادإذا النيران ألبست القناعا
وما أن كان أكثرهم سواماولكن كان أرحبهم ذراعا
وقال مزرد:
وشبّت له ناران نار برهوةونار بني عبد المدان لدى الغمر
فامّا الإكثار من النيران في مجمعهم فكما يكثرون من الذّبح فيه مخافة أن يجزرهم
جازر، فيستدل بقلّة الذّبح والنّيران على قلّة العدد وضعف العدد، وهذا من مكائدهم.
ومن أحسن ما قيل في نار الضّيافة قول الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرةإلى ضوء نار في بقاع يحرق
تشبّ لمقرورين يصطليانهاوبات على النّار النّدى والمحلّق
رضيعي لبان ثدي أمّ تقاسمابأسحم داج عوض لا نفرق
وقول الحطيئة أحسن منه وهو:
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
ونار أخرى وهي نار الميسم: ويقال: ما نارك؟ فيقول: علاطة أو خباطة، أو كذا لذلك قال بعض الحزاب:
تساكني الباعة أين دارهاإذ زعزعوها فسمت أبصارها
فكلّ دار لأناس دارهاوكلّ نار المسلمين نارها
قد وفرّنا قسط هذا الباب لفوائده، وقد أتى الجاحظ على ذكر نيران العرب والعجم ونيران الدّيانات، فبلغ الغاية، ولم يترك لمتتبّع مقالة، وإن كان أخلّ بذكر نارين، إحداهما:
نار الغدر، وهي التي أرادها زبير في قوله شعرا:
وتوقد ناركم شررا ويرفعلكم في كلّ مجمعة أواء
والثانية: نار الوشاة: وهي التي أرادها أبو ذؤيب في قوله:
أبى القلب إلا أمّ عمرو فأصبحتتحرّق ناري بالشّكاة ونارها
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع