تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

الباب الثّامن والخمسون في معرفة أيام العرب في الجاهلية وما كانوا يحترفونه ويتعايشون منه

وذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم.

اعلم أنّ احتراف العرب في الجاهليّة وقرب الإسلام على وجوه خمسة: قود الكتائب- وجرّ الغارات- وشنّها على القبائل حين كان الزّمان من عزيز- وأخذ الرؤساء منهم المرباع- وما يجري مجراه من الصّفية والفضول والنّشيطة، وصنوف الاحتكام منهم. ثم الوفادات على الملوك في فكّ الأسرى- وحقن الدّماء وحمل الدّيات- وإصلاح ذات البين وغيرها، ثم ترقيح العيش من ظهور الإبل وبطونها ونتاج الخيل، ثمّ غراس النّخل- لذلك روي عنه ﷺ: «خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة».

وروي أيضا: الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» إلى كثير تركناه لشهرته، كقوله ﷺ: «ارتبطوا إناث الخيل، فإنّ ظهورها حرز وبطونها كنز». وكقوله ﷺ: «الخيل تعدو بأحسابها فإذا كان يوم الرّهان عدت بحدود أربابها» وكقوله: «جعل رزقي في أطراف الأسنة» يعني من الغزو، ثم طبقة العسفاء والجمّالين وهذه حرفة يرغب عنها كرامهم وصرحاؤهم فهذه وجوه مكاسبهم، ومعالم حرفهم عليها تدور أزمنتهم قبل الإسلام وبها شافهت ما داناه.

ثم صارت في الإسلام على أربع طبقات:

الأولى: مهاجرون يقبضون الدّواوين ويحفظ بهم البيضة فيغزون الثّغور ويقاتلون العدو. حكي عن جعفر بن محمد قال: قال علي ﵁، قال رسول الله ﷺ: «الخير في السّيف والخير مع السّيف والخير بالسّيف».

والثانية: مقيمون يعتملون سوارح الإبل وروائحها، ويتبعون مساقط الكلام، ومدافع المطر، ويكرّون عواملهم إلى الأمصار والكور ويتواردون الأرياف وجوانبه الخضر.

والثّالثة: طبقة مقيمة في مياهها ومحاضرها ومرابعها ومزالفها، راضية من العيش بما يحفظ عليهم التّجمل وينفي عنهم التقشّف والتّبدل، فيتّجرون فيما يعتنون جلبا، وينقلون ما به يقضون أربا.

والرّابعة: العسفاء والأجراء ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الخيل العراب تراث أبيكم إسماعيل فاقتنوها واركبوها، وكان أول من ركبها إسماعيل وبنوه، وكانوا اثني عشر رجلا يسمّون الفوارس». قال أسد بن مدركة منتميا في شعره إلى إسماعيل ﵇.

أبونا الذي لم يركب الخيل قبلهولم يدر شيخ قبله كيف يركب
وعوّدنا فيما مضى من ركوبهافصرنا عليها بعده نتلقّب
لعمرك ما عمّاي شمر ويبهسولكنّما عمّاي بكر وتغلب
فإن يك أقوام أضاعوا آباءهمسفاها فما ضلّت ربيعة أكلب

وروي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ هذه الخيل كانت وحشا في الفلوات، لها أجنحة في مواضع أكتافها» قال: وكان في دور العجم مثل خلق الخيل صورا لها كالأجنحة في مواضع أكتافها تسمّى بالفارسية درواسف وتفسيرها بالعربية ذو الأجنحة من الخيل، فلم أعرف معناه حتى سمعت هذا الحديث، قال ثم ذللت لاسماعيل وكانت معه في جرهم فلمّا توفّاه الله عادت وحوشا إلى مواضعها، حتى جاء زمن داود فذلّلت له ثم ورثها سليمان، وكان يعجب بها وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ

وكان أصحاب النّخل أكثر دعة وأرفع عيشا، وأندى جنابا وأحضر نفرا من أرباب الإبل، إذ كانت الإبل أشدّ امتهانا لأهلها وابتذالا لمتخذيها مع ما يلحقها عند سقوط الغيث، ونبات البقل، ودرور الألبان من الفارة والنّدود والشّرود مع الكلف اللّاحقة من لوازم الرّعاء والتّحفظ من الحزابة والسّلة ومع ما ينالها في شهب السّنين من السّواف وسائر العاهات، وفي استقبال بارد الرّياح من الأدواء المهلكة، وتلحقها من عدوة السّباع الضّارية، حتى أنّ ربّها يمسي غنيا مكثرا ويصبح فقيرا مدقعا.

والخيل ثلاثة أصناف: فمنها ملوك الخيل التي لا تجارى، وهي تسبق بعنقها وكرمها وحسبها مع حسنها وتمام خلقها واستوائها وهي الرّوابع. والصّنف الثّاني المضامير: وهي سباع الخيل المتعالية اللّحوم، وخلقتها غير خلقة الأولى لكنها أخفّ وأرقّ منها. والصّنف الثّالث: ضباع الخيل قوّية شديدة تحمل الزّاد والمزاد في السّهل والجبل، وهي الغلاظ الشّداد، مع جودة الأنفس، لأنّ الغليظ أحوج إلى شدّة النّفس من غيره.

وقال أبو داود الإيادي يصف الجواد من الخيل بصفة جامعة يستغنى بها عن تخصيص المفردات بما يحمد منها:

وقد أغروا بطرف هيكل ذي ميعة سكب

ذو ميعة؛ أي جري سائل، وكذلك السّكب، ويقال: فرس سكب وبحر وحت.

أسيل سلجم المقبل لا شخت ولا جأب السّلجم: الطويل والشّخت: الدّقيق، والجأب: الغليظ يريد أنه بين وصفين.

طويل طامح الطّرف إلى مفزعة الكلب يريد أنه يسمو بطرفه إلى حيث يفزعه الكلب من الصّيد إذا طلبه.

مسح لا يواري العير منه عصر اللهب اللهب: شق في الجبل أي من إشراقه يراه، وإن كان مستسرا فيه بشيء.

مكر سبط العذرة ذي عفو وذي عقب العذرة: شعر النّاصية، والعقب: آخر الجري.

كشخص الرّجل العريان فعم مدمج العصب العصب: إدماج الخلقة.

له ساقا ظليم خاضب فوحى بالرّعب الخاضب: الذي قد رعى الرّبيع.

وقصري شبح الإنسان بناح من الشّعب الشّعب: الملتوية القرون.

ومتنان خطانان كزحلوق من الهضب الزّحلوق: الأملس وكذلك الزّحلوف.

يهزّ العنق الأجرد في مستأمق الشّعب الأجرد: يريد به المحكم الأمر.

من الحارك مخشوش بجنب مجفر رحب

أي أدخل: في الجنب. والجفر: الواسع.

ترى فاه إذا أقبل مثل السّاق الجدب السّلق: الأرض المتجرّدة من النّبات.

نبيل سلجم اللّحيين صافي اللّون كالقلب القلب: السّوار.

جواد الشّدّ والإحضار والتّقريب والعقب عريض الخدّ والجبهة والصّهوة والجنب يخد الأرض خدّ الصّمل سلط وأب الصّهوة: مقعد الفارس، والصّمل: الشّديد من الحوافر، والوأب: التّعب.

صحيح النّسر والحافر مثل الغمر القعب له بين حواميه نسور كنوى القسب القسب: التمر الرّديء.

وأرساغ كأعناق ضباع أربع غلب والمستفرغ: الميعة بعد النّزع. والجذب: الميعة النّشاط.

يعني الخاضب الأخرج في ذي عمد صهب وعير العانة القب الحماص النّحص الحقب يزيز البيت مربوطا ويشفي قرم الرّكب فبهذه الصفات وما يشبهها يختار جياد الخيل. وقال مرار بن منقذ يفضّل النّخل على سائر ما يحترف منه إذا أخرج الحقوق منها، قال شعرا:

كأيّن من فتى سوء تراهيعلك هجمة حمرا وجونا
يضنّ بحقها ويذمّ فيهاويتركها لقوم آخرينا
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «وكائن من فتى سوء تريه»
وإنّك لن ترى إبلا سواناوتصبح لا ترين لنا لبونا
فإنّ لنا حظائر ناعماتعطاء الله ربّ العالمينا
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «وكائن من فتى سوء تريه»
طلبن البحر بالأذناب حتّىشربن جمامة حتّى روينا
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «وكائن من فتى سوء تريه»
تطاول محزمي صددي أشتىبوايك لا يبالين السّنينا
كأنّ فروعها في كلّ ريحجوار بالذّوائب ينتصينا
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «وكائن من فتى سوء تريه»
بنات الدّهر لا يحفلن محلّاإذا لم تبق سائمة يقينا
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «وكائن من فتى سوء تريه»
يسير الضّيف ثم يحلّ فيهامحلا مكرما حتى يبينا
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «وكائن من فتى سوء تريه»
فتلك لنا غنا والأجر باقفغضّى بعض لومك يا ظعينا ب
نات بناتها وبنات أخرىصواد ماصحين وقد روينا

ولأحيحة بن الجلّاح في مثله:

لقد لامني في اشتراء النّخيلقومي فكلّهم يعذل
وأهل الذي باع يلحونهكما عذل البائع الأوّل
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يلومونني في اشتراء النخيل»
هو الظلّ في الصّيف حقّ الظلّيلوالمنظر الأحسن الأجمل
تغشى أسافلها بالجنوبويأتي حلوبتها من عل
وتصبح حيث تبيت الرّعاءوإن ضيّعوها وإن أهملوا
ولا يصبحون يبغونهاخلال الملا كلّهم يسأل
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يلومونني في اشتراء النخيل»
فعمّ لعميكم نافعوطفل لطفلكم يؤمل

وقال كعب بن زهير يذمّ الغنم، وقد اتّخذ مالا ومعيشة، شعرا:

يقول حيّان من عوف ومن جشميا كعب ويحك لم لا تشتري غنما
من لي منها إذا ما جلبة أزمتومن أويس إذا ما أنفه رذما
أخشى عليها كسوبا غير مدّخرعاري الأشاجع لا يشوي إذا ضغما
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «يقول حياي من عوف ومن جشم»
إذا تولّى بلحم الشّاة نبّذهاأشلاء برد ولم يجعل لها وضما
إن يغد في شيعة لا يثنه نهروإن غدا واحدا لا يتّقي الظّلما
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «يقول حياي من عوف ومن جشم»
وإن أغار فلا يحلى بطائلةفي ليلة ابن جمير ساور العظما
إذ لا يزال فريش أو مغيبةصيداء تنشج من دون الدّماغ دما

الكسوب: يعني به الذّئب. لا يشوي: أي لا يصيب غير المقتل وقوله: لا يثنيه نهر:

أي نهار، يقال: ليلة نهرة أي مضيئة. وقوله: في شيعة: يعني أصحابه من الرّباب، وابن جمير: أظلم ليلة في الشّهر، وهي التي لا يطلع القمر فيها من أولها إلى آخرها. والعظم:

السّخال التي قد فطمت. يقول: جاء يطلب الكبار فلما لم يجدهنّ ساور الصّغار. والمغيبة:

التي قد دنت من الموت، وفيه بقية. والصّيداء: التي قد التوت عنقها وتنشج: أي ما لها نشج وصوت من الدّم.

قد ذكر بما اقتصّ كيف كان أصل خيل العرب، فأمّا النبي ﷺ فكان له خمسة أفراس:

الظّرب- والسّكب- واللّزار- واللّجاف- والمرتجز، سمّي به لحسن صهيله.

ثم خيل أصحابه كان لجعفر بن أبي طالب فرس أنثى يسمّى سبحة يقال اسمها سمحة، وكان عرقبها يوم استشهد وهو أول من عرقب الخيل في الإسلام، كانت تحته يوم استشهد في غزوة مؤتة. ولحمزة بن عبد المطلب فرس من بنات العقال قال فيه شعرا:

ليس عندي إلّا السلاح ووردفارح من بنات ذي العقال
أتّقي دونه المنايا بنفسيوهو دوني تغشى صدور العوالي

وفي هذا ألمّ بقول الآخر:

أقيه بنفسي في الحروب وتقيبها دية إنّي للخليل وصول

وكان تحت الزّبير بن العوام يوم بدر فرس يسمّى اليعسوب. وتحت المقداد بن الأسود فيه فرس يقال له: ذو العنق، ولأبي ذر فرس يسمى الأجدل، ولمحمد بن مسلمة فرس يسمّى ذا الجناح، ولعبّاس بن مرداس فرس يسمّى العتيد، ولعكاشة بن محصن فرس يقال له: أطلال كانت تحته يوم القادسيّة، وتحدث أنّ النّاس أحجموا عن عبور نهرها أو خندقها، وكان عرضها أربعين ذراعا، فصاح بها فخلفته وثبا، حتى قال أهل النظر: ذلك من معجزات النّبي ﷺ.

وسبّاق: خيل العرب مشاهير. كأعوج الكبير، وأشقر مروان. والزّعفران فرس بسطام بن قيس، وثادف واليحموم وزهدم وإنّما المراد التّنبيه على مكاسب صميم العرب وفضلائهم، والإشارة إلى ما تنطوي عليه أيّامهم في الجاهلية وقبيل الإسلام، وفيمن صحب النّبي ﷺ.

وأما فرسان العجم فلم يذكر لهم خيل ولا فرس سابق إلا أدهم اسفنديار- وشبديز كسرى- ورخش رستم- وذكروا عنها أحاديث ظريفة.

فأمّا الشجاعة والصّبر على المجاهدة فناهيك ما روي عن رسول الله ﷺ، وما حكي عن قول القائل: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله ﷺ، وما قاله عبد الملك بن مروان في حديث عمرو بن ود. خرج عمرو يوم الخندق معجبا بخيلائه، فبرز له أبو الحسن فضربه ضربة سطحه بها، وكان لمثلها فعالا. وقيل لعلي: هل رأيت أحدا؟ قال: نعم الوليد بن عتبة كان حدثا، فضربته ضربة على رأسه فبدرت منه عيناه.

وممّا يشهد لما آثرناه عن العرب من حسن تفقّدهم للخيل، واشتغالهم بمصالحها واشتراكهم في إيثارهم إيّاها على أنفسهم، والتّوفر على مناقبها ومذامها لما يرجونه من جميل العقبى، منها: ما روي عن امرئ القيس وعلقمة بن عبدة العجلي. وذكر أنهما تنازعا فى الشّعر واحتكما إلى أم جندب، امرأة امرئ القيس، وادّعى كلّ منهما أنّه أشعر من

صاحبه، فقالت قولا شعرا في صفة الخيل على رويّ واحد، فقال امرؤ القيس في قصيدته:

خليليّ مرّا بي على أمّ جندبلتقضي حاجات الفؤاد المعذّب
للسّوط الهوب وللساق درةوللزّجر منه وقع أخرج متعب

وفي نقيضها قال علقمة:

فولّى على آثارهنّ بحاصبوغيبة شؤبوب من الشّد ملهب
فأدركهنّ ثانيا من عنانهتمرّ كمرّ الرائح المتحلّب

فحكمت لعلقمة على امرئ القيس، وقالت: أما أنت فحمدت نفسك بسوطك وزجرك ومريك إيّاها بساقك. وأما هو فإنه أدرك فرسه الطّريدة ثانيا من عنانه لم يمرّه بساق، ولم يضربه بسوط، ولم يزجره بنده، فقال امرؤ القيس: ما هو أشعر مني ولكنّك تعشقينه فطلّقها. وقال طفيل شعرا:

وللخيل أيام فمن يصطبر لهاويعرف لها أيّامها الخير يعقب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

وقال مالك بن نويرة شعرا:

جزائي دوائي ذو الخمار وصنعتيبما بات مطويّا بنّي الأصاغر
رأى أنني لا بالقليل أهورهولا أنا عنه بالمواساة ظاهر
للشاعر مالك بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

أهوره: أي لا أظنّ القليل يكفيه، يقول: هو يهار بكذا ويهابه: أي يتهّم ويزن. قوله:

ولا أنا عنه ظاهر: من قولك: ظهرت لجاجة فلان إذا لم يعن بها. وقال عنترة لامرأة:

لا تذكري مهري وما أبليتهفيكون جلدك مثل جلد الأجرب

يعني: أنه إن آذته ضربها حتى يظهر عليها أثر الضّرب.

شعر:

إنّ الغبوق له وأنت مسوءةفتأوّهي ما شئت ثم تحوّبي
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «لا تذكري مهري وما أطعمتهُ»
فذوقوا كما ذقنا غداة محجرمن الغيظ في أكبادنا والتّحاوب
كذب العتيق وماء شن باردإن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «لا تذكري مهري وما أطعمته»
إنّ الرجال لهم إليك وسيلةإن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «لا تذكري مهري وما أطعمته»
ويكون مركبك القعود ورجلهوابن النّعامة يوم ذلك مركبي
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوةأقرن إلى شر الرّكاب وأجنب
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «لا تذكري مهري وما أطعمته»

وقد قال بعض الرواة: لم يكن قوم أشد عجبا بالخيل، ولا أعلم بها، ولا أصنع لها

ولا أطول لها ارتباطا، ولا أهجى لمن لم يتّخذها، أو اتّخذها وأهزلها، ولا أمدح لمن اتّخذها وأكرمها منهم.

وكذلك أضيفت إليهم بكلّ لسان- ونسبت إليهم بكلّ مكان- وفي كلّ زمان- حتى قالوا: هذا فرس عربي، ولم يقولون: رومي، ولا هندي، ولا فارسي فحصنوها تحصين الحرم، وصانوها صون المهج، ليبذلوها يوم الرّوع ويأمنوا بها أوان الخوف، وليجعلوها درّية يوم اللّقاء، ووصلة إلى درك الثّأر حتى قالوا: إنّ الحصون الخيل، لا مدر القرى، كما قال الآخر شعرا:

ولمّا نأت عنّا العشيرة كلّهاأنخنا فخالفنا السّيوف على الدّهر
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

وكانوا يصبرون على مؤنتها في الجدب، ويغتبقون الماء القراح في الأزل ويؤثرونها على العيال بالصّنيعة، ليكافئ عند الطلب، أو الهرب، ولذلك قال الأشعري مالك الجعفي:

لكن قعيدة بيننا محفوةباد جناجن صدرها ولها غنى
تقفي بعيشة أهلها وثابةأو جرشع عبل المحازم والشّوى

وقال خالد بن جعفر الكلابي:

أريغوني أراغتكم فإنّيوحذفة كالسّجى تحت الوريد
أسوّيها بنفسي أو بحرّوألحفها ردائي في الجليد
أمرت الرّاغبين ليؤثروهالها لبن الحلوبة والصّعود

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأزمنة والأمكنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.