من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب السّابع والخمسون في ذكر الفجر- والشّفق- والزّوال ومعرفة الاستدلال بالكواكب وتبيين القبلة
روي عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
قال: عمدت إلى عقالين أحدهما أبيض، والآخر أسود، فجعلتهما تحت وسادي، فلما تقارب مرّ اللّيل جعلت أنظر إليهما فلم يتبيّن لي شيء، فلمّا أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فضحك وقال:
«وسادتك إذن لعريض اللّيل والنّهار، إذن تحت وسادتك إنّما ذلك اللّيل والنّهار».
وروي عن عليّ ﵁ أنّه صلّى الفجر ركعتين ثم جلس على مجلس له ثم قال: هذا حين تبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
واعلم أنّ الفجر فجران: أحدهما قبل الآخر: فالفجر الكاذب يستدقّ صاعدا في غير اعتراض، ويسمى ذنب السّرحان لدقته، ولا يحلّ شيئا ولا يحرّمه، وإنّما يؤذن بقرب النهار. وقال الخليل: الفجر ضوء الصّباح وقد انفجر الصّبح، والفجر المعروف منه. يقال:
ما أكثر فجره وفي التّنزيل: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
لأنّ الحجر كان يفجر منه الماء في اثني عشر موضعا عند نزولهم، فإذا ارتحلوا غارت مياهها.
والفجر الثّاني: هو الصّادق والمصدّق، قال أبو ذؤيب يذكر الثّور والكلاب شعرا:
شغف الكلاب له الضّاريات فؤادهفإذا يرى الصّبح المصدّق يفزع
وإنما قال: يفزع لأنّه وقت القائض الفجر الثّاني هو المستطير المنتشر الضّوء ومع طلوعه يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. قال أبو داود:
فلمّا أضاءت لنا سدفةولاح من الصّبح خيط أنارا
وقال آخر:
نميت إليها والنّجوم شوابكتداركها قدّام صبح مصدّق
والصّبح- والصّباح- والإصباح واحد. وفي التّنزيل: فالِقُ الْإِصْباحِ
والصّبيح: الحسن الوجه. وكذلك الصّبحان، وقد صبح صباحة والحق الصّابح البيّن، وقد صبح الحق يصبح صبحا. والمصباح السّراج وكما قيل: وجه صبيح قيل أيضا وجه مسرج. قال: وفاحما ومرسنا مسرجا.
وكذلك الشّفق شفقان: أحدهما قبل الآخر، ومثالهما من أول اللّيل مثال الفجرين من آخره، فالأول هو الأحمر وإذا غاب حلّت صلوة العشاء الآخرة. والثّاني: هو الأبيض والصلاة جائزة إلى غروبه وهو يغرب في نصف اللّيل وآخر أوقات العشاء الآخرة نصف اللّيل.
والزّوال: يشار به إلى ما دلّ الله تعالى عليه بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
ودلوك الشّمس: غروبها وزوالها، فدلّ بالدّلوك على صلوة الظّهر، وعلى صلوة المغرب، ودلّ بقوله: إلى غسق وهو الظّلام على صلوة العشاء الآخرة. وقال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
وهي العصر، وجعلها الوسطى لأنّها بين صلوتين في النّهار وصلوتين في اللّيل. وقال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
فدلّ على صلوة الصّبح. وكان رسول الله ﷺ يصلّي الظّهر إذا دحضت الشّمس. يراد إذا زالت، وأصل الدّحض الزّلق وذاك أنها لا تزال ترتفع حتى في جوّ السّماء فتراها تقف شيئا ثم تنحطّ، فحينئذ تزول وتحول الظّل من جانب إلى جانب، ويسمّى فيئا. قال رسول الله ﷺ: «أمّني جبرائيل مرّتين فصلّى الظّهر حين مالت الشّمس قيد الشّراك، وصلّى العصر وظلّه مثله، وصلّى المغرب حين رفعت الشّمس وصلّى العشاء حين غاب الشّفق، وصلى الصّبح حين طلع الفجر، فلما كان الغد صلّى الظّهر وظلّه مثله، وصلّى العصر وظلّه مثلاه، وصلّى المغرب حين رفعت الشّمس، وصلّى العشاء حين ذهب ثلث اللّيل، وصلّى الغداة فأسفر بها وقال: الوقت ما بين هذين». ويروى أنّه قال: إنّ الصلاة فيما بينهما. فقوله ﷺ حين مالت الشّمس قيد الشّراك: يريد أنّها زالت، فصار للشخص فيء يسير قدر الشّراك، وليس يكون هذا في كل بلد إنما يكون في البلد الذي يتنقل فيه الظّل عند الزّوال، فلا يكون فيء أصلا.
وقال الرّاجز:
إذا زقا الحادي المطيّ اللّغباوانتقل الظّل فصار جوربا
وقال ابن مقبل وذكر فرسا:
يبني على حامييه ظلّ حاركهيوم توقّده الجوزاء مسموم
والحاميان: جانبا حافره. والحارك: فروع كتفيه وإذا قام ظلّ كل شيء تحته صار ظل الحارك على حاميي حافره، فالحجاز وما يليه يتنقل فيه الظّل، فأما البلد الذي تزول فيه الشّمس، وللشّخص ظلّ فإنّه يعرف به قدر الظّل الذي زالت عليه، فإذا زاد عليه مثل طول الشخص فذاك آخر وقت الظّهر، وأوّل وقت العصر، فإذا زاد عليه مثلا طول الشّخص فذلك آخر وقت العصر، على ما روي في الحديث. فأمّا قول الشّاعر:
إني على أوني وانجراريأؤمّ بالمنزل والدّراري
فالأون: الرّفق والانجرار: سير الإبل وعليها أحمالها وهي ترعى وأؤم: يريد أقصد بمنازل القمر وكبار الكواكب فأهتدي. وقال ذو الرّمة وذكر الإبل:
تياسرن عن جري الفراقد في السّرىويا منّ شيئا عن يمين المغاور
يعني: أنّهن قصدن وسطا فيما بين الفرقدين وبين المغاور، وهي المغارب وذلك أنّ ابتداء المغارب قريب من منحدر بنات النّعش وقال لناقة:
فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّهايمينا ومهوى النّسر من عن شمالك
فإنما يصف سمت جهة وأجراها أنّه يريد في مسيره ما بين منحدر النّسر للمغيب وبين الفرقدين، فإذا أردت الاهتداء بالنّجوم فاعرف البلد الذي تؤمّه وفي أي أفق هو، فإن كان في ناحية المشرق كخراسان وما صاقبها، استقبلت منازل الشّمس والقمر، إن كان مسيرك ليلا والسّماء مضحية وجعلت الجدي وبنات النعش على يسارك والشّعريين وسهيلا عن يمينك، وإن كنت في ناحية المغرب استدبرت منازل القمر وجعلت الجدي، وبنات نعش وراءك والشّعريين وسهيلا عن يسارك. وإن كان في ناحية اليمن جعلت منازل القمر على يمينك وجعلت الجدي وبنات نعش أمامك، وسهيلا وراءك، فإذا أنت فعلت ذلك فأنت على سمت الوجه الذي تريد إن كنت على الطّريق غير راجع ولا جائز وإن كان مسيرك ليلا والسّماء غائمة استدللت أيضا بالمشرق والمغرب، فإن اشتبها عليك استدللت على المشرق بنسيم الصّبا وروحها، فإنّها تأتي من ناحيته وعلى المغرب بريح الدّبور وحرّها في الصّيف.
وأمّا القبلة فالاستدلال عليها بالجدي: وذلك أن تجعله حذاء منكبك الأيمن، أو أخدعك، وإن كان مسيرك نهارا، فبالشّمس، فإنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة المسافر.
وقال محمد بن كناسة: إذا سقط منزل من منازل القمر بالغداة عند نوئه فعدّ منها سبعة أنجم على موالاة العدد، فالسّابع هو القبلة إلى أن يسقط العقرب. فإذا سقطت العقرب فالنّعائم قبلة. والبلدة بعد تلك السّاعة قليلا قبلة. ثم يعود الحساب فإذا سقط سعد الذّابح فالحوت قبلة وهو السّابع. ومثال ذلك أنّه إذا سقط الشّرطان كان السّابع منه الذّراع وهو
القبلة. وإذا سقط البطين فالنّثرة قبلة. وإذا سقطت الثّريا فالطّرف قبلة. وإذا سقطت الدّبران فالجبهة قبلة. وإذا سقطت الهقعة فالزّبرة قبلة، وإذا سقطت النّثرة فالسّماك قبلة، وإذا سقط الطّرف فالغفر قبلة، وإذا سقطت الجبهة فالزّباني قبلة. وإذا سقطت الزّبرة فالإكليل قبلة، ثم يقع الشّك في القبلة عند سقوط الصّرفة- والعوّاء- والسّماك- والغفر- والزّباني- والإكليل- والقلب- والشّولة- والنّعايم- والبلدة.
وذلك لأنّ العقرب تسقط جميعا فلا يستقيم الحساب على سبعة أنجم، غير أنّه إذا سقطت العقرب كلّها كانت النّعايم قبلة. ثم البلدة قبلة والقبلة قريب منها. ثم يسقط سعد الذّابح فيكون رأس الحوت قبلة. وهو مذموم بالكف الخضيب ويرجع الحساب إلى السّابع.
وقال ابن كناسة في ذلك وذكر طريق مكة، قال شعرا:
يوم النّجوم السّابعات من الّتيتأوّب إلا أن تأوّب عقرب
فإن هي آنت فالنّعايم آبهاوبلدتها ثم السّوابع أصوب
قال: وكواكب العقرب أربعة: منازل تطلع في الأوقات التي بيّنت وتسقط كلّها في وقت واحد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع