من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب السّادس والخمسون في ذكر الكواكب اليمانية والشّامية وتميز بعضها عن بعض
وذكر ما يجري مجراه من تفسير الألقاب.
واعلم أنّ القوم لمّا أرادوا تميز الكواكب قسموا الفلك قسمين، وسمّوا أحد النّصفين جنوبيّا، وهو الذي يلي الجنوب، وسمّو النّصف الآخر شماليّا وهو الذي يلي الشّمال، وسمّوا كلّ ما وقع في النّصف الجنوبي من البروج والكواكب جنوبيّة، وسمّوا ما وقع في النّصف الشّمالي من البروج والكواكب شماليّة، وسمّت العرب تلك الشّمالية شاميّة، والجنوبية يمانية، والمعنيان واحد، لأنّ مهبّ الشّمال عندهم من جهة الشّام، ومهبّ الجنوب من ناحية اليمن ولذلك جعلوا ما بين رأس الحمل إلى رأس الميزان من البروج شاميّة. وجعلوا ما بين رأس الميزان إلى رأس الحمل من البروج يمانية. وكذلك جعلوا ما بين الشّرطين من المنازل إلى السّماك شاميّة، وجعلوا ما بين الغفر إلى الرّشاء يمانية. فكلّ كوكب مجراه ما بين القطب الشّمالي إلى ما بين مدار السماك الأعزل أو فويقه قليلا فهو شاميّ، وكلّ كوكب مجراه دون الفلك إلى ما يلي القطب الجنوبي فهو يماني. والنّسران أحدهما الطّائر والآخر الواقع وهما شاميّان. فأما الواقع فهو منير، وخلفه كوكبان منيران، يقولون: هما جناحاه، وقدّامه كواكب يقال لها: الأظفار. وأمّا الطّائر فهو إزاء الواقع، وبينهما المجرّة، ولا يستتر إلا خمس ليال. وأمّا قول ذي الرّمة شعرا:
يحبّ امرؤ القيس العلى أن ينالهاوتأبى مقاريها إذا طلع النّسر
فإنّما يذمّهم بأنهم لا يطعمون في الشّتاء، والمقاري الجفان.
قال أبو حنيفة: وكذلك مدار الكوكب الذي تسميه العرب: الفرد وهو قريب من الفصل بين شاميّ الكواكب ويمانيّها. وقول عمر بن أبي ربيعة في سهيل بن عبد الرّحمن:
وتزوّجه الثّريا العبلية من بني أميّة، يضرب لهما كوكبي سهيل والثريّا مثلا فقال:
أيّها المنكح الثّريا سهيلاعمرك الله كيف يلتقيان؟
هي شاميّة إذا ما استقلّتوسهيل إذا استقلّ يمان
وقال آخر في نعت سهيل إذا طلع صباحا:
أراقب لمحا من سهيل كأنّهإذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف
وقيل: هو كوكب ذكر نكاح، حريص عليه، وربما طلع في اللّيلة الواحدة مرّتين، ويغيب مرّتين. ويقال: غيبته بعد طلوعه لدنوّه من كوكبتيه وصاحبتيه.
وحكي عن بعض علماء العرب: النّظر إلى سهيل يشفي من البرسام، ولذلك يقول مالك بن الرّيب:
أقول لأصحابي ارفعوني فإنّنييقرّ بعيني أن سهيل بدا ليا
ويقال: سهيل أشفق الكواكب على الغرباء وأبناء السبيل، وبين رؤية سهيل بالحجاز وبين رؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة، وقالت الهند: إذا نظر ناظر إلى سهيل عند نهيق الحمار وبه صداع عوفي. من خرافات العرب: أنّ سهيلا طلع بأرض العراق وقابل الزّهرة، فضحكت إليه وقالت: ألست الذي يقال فيك إنّك كنت عشارا فمسخك الله شهابا، عقوبة لك؟ فأجابها وقال: ليس كلّ ما يقوله النّاس حقا، فقد قالوا فيك: إنّك كنت امرأة فاجرة فمسخك الله كوكبا مضيئا يحكم في خلقه.
فأمّا معرفة الشّرقيّ من الكواكب والغربي فيجب أن تعلم أنّ الكواكب إذا كانت خلف الشّمس بخمس عشرة درجة فهي شرقية في ذاتها إلى ما تباعدت. وإذا كانت قدّام الشّمس بخمس عشرة درجة فهي غربيّة في ذاتها إلى ما تباعدت. والكوكب الشّمالي إذا جاز رأس جو زهرة إلى أن يبلغ ذنبه، والجنوبي إذا جاز ذنب جو زهرة إلى أن يبلغ إلى رأسه.
وأمّا معنى اقتران الكوكبين فهو مسامتة أحدهما الآخر، لأنّ أحدهما أعلى من صاحبه، وفلكه خلاف فلك الآخر، فيسامت أحدهما صاحبه فيحاذيان موضعا واحدا من ذلك البرج، ويتحرّكان على سمت واحد، فيراهما النّاظر مقترنين لبعدهما من الأرض، وبين أحدهما وصاحبه في العلو بعد كثير فبهذه العلّة صار اقتران الكوكبين، وهذا كما يقال:
البروج المتصادفة إذا اتفقت في جميع الجهات، كالبروج النّارية مثل الحمل- والأسد- والقوس- والجوزاء- والميزان- والدّلو. والبروج المتعادية: وهي المتضادة في كل وجه كالحمل- والسّرطان- لأنّ أحدهما ناري والآخر مائي. ومن هذا النوع قولهم: البروج الجامعة إذا دلّت على صلاح الحال. والبروج المبدّدة إذا دلّت على التّبديد والبروج
المعطية: تدل على اليسار والإحسان. والبروج الآخذة تدل على خلافه ومما يبيّن ما ذكرناه في سهيل قوله:
إذا ما نجوم اللّيل آضت كأنّهاهجأين يطلعن الفلاة صوادر
شآمية إلّا سهيلا كأنّهفنيق غدا عن شوله وهو جافر
ألا ترى أنّه جعل يمانيا إذ كان مداره في شق اليمن. وجعل الثّريا شآمية إذ كان مدارها في شق الشّمال. وقال آخر في سهيل:
فمنهنّ إدلاجي إلى كلّ كوكبله من عماني النّجوم نظير
فجعله عمانيا إذ كان مجراه في ذلك الشّق، كما جعل الأول يمانيا وفي معنى قوله:
فنيق غدا عن شوله وهو جافر. يقول الآخر شعرا:
وقد لاح للسّاري سهيل كأنّهقريع هجان يتبع الشّول جافر
شبّه في انفراده بفحل انقطع عن الضّراب فتنحّى عن الإبل وتركها. وقال آخر:
إذا سهيل لاح كالوقودفردا كشاة البقر المطرود
فهذا يريد وبيصه وشعاعه وانفراده كما قال غيره يريد التّهيّج، قال شعرا:
حتى إذا لاح سهيل بسحركعشوة القابس ترمي بالشّرو
وقال آخر يصف ثور وحش:
فبات عذوبا للسّماء كأنّهسهيل إذا ما أفردته الكواكب
العذوب: القائم الذي لا يطعم. وقال آخر في انفراده:
من يك ذا مال يكاشر لمالهوإن كان أنأى من سهيل الكواكب
يعارض عن مجرى النّجوم وينتحيويسري إذا يسرين غير مصاحب
وقال آخر يصف رفقاء تجمّعوا:
وفتية غيد من التّسهيدنبتهم من مهجع مورود
والنّجم بين الغمّ والتّعريدإذا سهيل لاح كالوقود
فردا كشاه البقر المطرودولاحت الجوزاء كالعنقود
كأنّها من نظر ممدودبالأفق انظامان من فريد
الإنظام: القلائد ينظم فيها، والفريد: الشّذر، وإذا نظرت إلى الجوزاء وهو على الأفق
فتأملت نظمها رأيتها أشبه شيء بما وصف. وهذا من حسن التّشبيه، وهذا كما شبّهوا الكوكبين المتدانيين اللّذين على منطقة الجوزاء بالعذبة، والعذبة في اللغة طرف السّوط، وما أرسل من شراك النّعل، وكذلك عذبة العمامة والغصن، والعذبة الطّرادة أيضا. وكما قال بعضهم: راية السّماك يعني رمحه، ويسمى السّماك وحده حارس السّماء، لأنّه يرى أبدا لا يغيب تحت الشّعاع فلا طلوع له ولا غروب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع