من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب التّاسع والخمسون في ذكر أفعال الرّياح لواقحها- وحوائلها- وما جاء من خواصها في هبوبها وصنوفها
قال مؤرخ من خواص الجنوب: أنّها تثير البحر حتى يسودّ، وتظهر كلّ ندى كائن في بطن الوادي حتى يلتصق الأرض، وإذا صادفت بناء بني في الشتاء والأنداء أظهرت نداه وحسنه، حتى يتناثر ويطيل الثّوب القصير، ويضيق الخاتم في الإصبع، ويسلس بالشّمال والجنوب تسرى باللّيل. تقول العرب: إنّ الجنوب قالت للشمال: إنّ لي عليك فضلا أنا أسري، وأنت لا تسرين. فقالت الشّمال: إنّ الحرة لا تسري وقال الهذلي:
قد حال دون دريسة ماويةمسع لها بعضاة الأرض تهزيز
الماويّة: التي تهبّ بالنّهار كلّه إلى اللّيل ثم تسكن، قال الله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
أي: سبّحي النّهار كلّه. ومسع الشّمال والدّريس: الثّوب الخلق، والشّمال تستذري منها بأدنى شيء، ويسترك منها رحلك، وذرى الشّجرة والجنوب لا يستر منها شيء، وربما وقع الحريق بالبادية في اليبيس، فإن كانت الرّيح جنوبا احترق أياما، وإن كانت شمالا فإنّما يكون خطأ لا يذهب عرضا. وللشّمال ذرى الشّجرة، وذلك أن يجتمع التّراب من قبلها فيستذري بالشّجر، فإن كان الشّجر عظاما كانت لها جراثيم، وإن كانت صغارا ساوى التّراب غصونها، ولا ذرى للجنوب ترى ما يلي الجنوب منها عاريا مكشوفا. والشّمال تذمّ بأنّها تقشع الغيم وتجيء بالبرد، وتحمد بأنها تمسك الثرى، وتصاحب الضّباب، فتصبح عنها كأنّها ممطورة، وتصبح الغصون وتنظف وأكثر ما يكون عن غب المطر، فإذا ارتفعت الشّمس ذهب النّدى وتقطع الضّباب وانحسر، وليس من الرّياح أدوم في الشّتاء والصيف من الشّمال، كما أنّه لا شيء منها أكثر عجاجا وسحابا، لا مطر فيه وهي هيف، تقشر الأرض، ويحرق العود من النكباء التي بين الجنوب والدّبور التي تهبّ من مغيب سهيل.
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
جمع ملقحة على لواقح. قال: ورأيت العرب تجعل الرّياح لقاحا للرّياح لأنها تنشىء السّحاب وتقلّبه وتصرفه وتحلّه. قال الطّرماح وذكر بردا استظلّ به:
قلق لأفنان الرّياح للاقح منها وحائل
فاللاقح: الجنوب لأنّها تلقح السّحاب، والحائل: الشّمال لأنّها لا تنشىء سحابا، وكما سمّوا الجنوب لاقحا سمّوا الشّمال عقيما، لأنّها عندهم لا تحمل كما تحمل الجنوب.
وقال كثير: ومرّ بسفساف التّراب عقيمها.
وقال أبو وجزة:
حتّى سلكن الشّوى منهنّ في مسدمن نسل جوّابة الآفاق مهداج
يذكر حميرا وردت ماء يقول: أدخلت قوائمها في الماء، وهذا الماء من نسل جوّابة الآفاق، أي ريح تجوب البلاد، أي هي أخرجته من الغيم واستدرّته، فجعل الماء لها نتاجا ولدا، فالرّياح على هذا هنّ اللّواقح.
وأكثر العرب تجعل الجنوب هي التي تنشىء السّحاب، وتسدّده وتصف بواقي الرّياح بقلّة المطر، والهبوب في سني الجدب. قال أبو كثير الهذلي:
إذا كان عام مانع القطر ريحهصبا وشمال قرة ودبور
فأخبر أنّ هذه الثّلاثة لا قطر معها، وأنّ القطر مع الجنوب.
وقال طرفة:
وأنت على الأدنى شمال عريةشآميّة تزوي الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرّةتدأب منها مزرع ومسيل
فأخبر أنّها إذا لم تكن باردة كان معها القطر، ولعلّ الهذلي أراد مثل هذا فاكتفى بذكر الشّمال ووصفه. وقال آخر:
فسائل سبرة الشّجعيّ عنّاغداة تحاليا نجوا جنيبا
والنّجو: السّحاب، والجنيب: الذي أصابته جنوب، فشبه حفيفهم في القتال بحفيف المطر، وقال المسحل:
حار وعقّت مزنة الرّيحوالعارية العرص ولم يشمل
حار: تحيّر وتردّد، وعقّت: قطعت، ولم يشمل: أي لم تصبه الشّمال فيقشعه.
وقال أبو كثير:
حتّى رأيتهم كأنّ سحابةصابت عليهم لم يشمل ودقها
وقال آخر من هذيل:
مرتها النّعامى ولم تعترفخلاف النّعامى من الشّام ريحا
النّعامى: الجنوب، ومرتها: استخرجت مطرها، ومن الشّام: يريد الشّمال، فهذه كلّها تجعل العمل في المطر للجنوب، وتجعل الشّمال يقشع السّحاب، ويسمّونها محوة، لأنّها تمحو السّحاب.
قال العجّاج:
سغر الشّمال الزّبرج المزبرجاقد بكرت محوة بالعجاج
فدمّرت بقية الزّجاج
السّغر: القشر، والزّبرج: السّحاب.
وكان الأصمعي يحكي عن العرب: أنّ ما كان من أرض الحجازة فالجنوب هي التي تمري السّحاب فيه والشّمال تقشعه. وما كان من أرض العراق، فالشّمال تمري فيه السّحاب ويؤلفه، ولم يقل إنّ الجنوب تقشعه، ولا أنّه لا عمل لها فيه. قال: وأحسبه أراد أنّ الشّمال والجنوب تفعلان ذلك جميعا بأرض العراق دون الحجاز، وعلى هذا وجدت بعض الشّعراء. قال الكميت، وكان ينزل الكوفة:
مرته الجنوب فلمّا اكفهرّحلّت عزاليه الشّمال
فجعل الجنوب تستدرّه والشّمال تحلّه. وقال عدي وكان ينزل الحيرة وينتقل في أرض العراق: وجيء بعد الهدو يزجيه شمال كما يزجي الكسير فاستدرّت به الجنوب على الحرير، فالجنوب سيره مقصور، يريد لثقله وجعل الشّمال تسوقه والجنوب تستدرّه، لأنّ الجنوب عند أهل الحجاز وما يليه هي التي تأتي بالغيث حتّى جعلوها مثلا للخير. قال حميد:
ليالي أبصار الغواني وسيرهاإليّ وإذ ريحي لهنّ جنوب
وعلى حسب تيمّنهم بالجنوب وتصييرهم إيّاها مثلا للخير، تشاؤمهم بالشّمال وتصييرهم إيّاها مثلا للشر. قال أبو وجزة يذكر امرأة:
مجنوبة الأنس مشمول مواعدها
جعلها لا تفي بوعدها كالشّمال لا تأتي بالغيث. قال زهير شعرا:
جرت سحّا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللّقاء
وقال بعضهم: أراد جرت الطّير بها من ناحية الشّمال، ولذلك قيل: اليمن والشّؤم، فاليمن من اليمن، والشّؤم من اليد الشّؤمى، قال: وقد يتشاءمون بها من جهة البرد، قيل لبعضهم: ما أشدّ البرد؟ فقال: ريح جربياء في أثر عماء، في غب سماء. والجربياء:
الشّمال والعماء: السّحاب يريد شمالا هبّت بعد مطر، وقيل لآخر: أيّ الأيام أقرّ فقال:
الأحصّ الورد، والأزب الهلوف.
قال أبو عمرو: الأحص الورد: يوم تطلع شمسه، وتصفو شماله، ويحمر فيه الأفق، ولا يجد لشمسه مسا. والأحص: التي لا سحاب فيه كالرأس، والأحص: الذي لا شعر عليه، قال والهلوف: يوم تهبّ فيه النّكباء تسوق الجهام والصراد لا تطلع شمسه، والأزب:
من الإبل الكثير الوبر.
يقال: لحية هلوفية إذا كانت كثيرة الشّعر، واليوم إذا كان بهذه الصفة كان ذا زمهرير، وكانوا يقولون مع هذا: إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض وإذا ذخرت الأودية بالماء كثرت الثّمر، والمؤتفكات: الرّياح البوارح وهي شمال حارّة في الصيف، وذات عجاج، سمّيت لتقلّبها العجاج، مؤتفكات ولا أحسبهم أنّ لها عملا في ذلك، وإنّما يريدون أنّ عضوفها، إذا اشتدّ وكثر كان ذلك إمارة الزّكاء، ويجوز أن يكونوا أرادوا بالمؤتفكات الرّياح كلّها إذا اشتدّت.
قال بعض الحكماء: الرّياح على ثلاثة أضرب: منها ما هي من الملائكة وصفتها أن تكسح من الأعلى إلى الأسفل، وتهبّ صافية ثم تنقطع، ومنها ما هي حركة الجو، وصفتها دوام هبوبها صافية، وكدرة سفلا وعلوا.
وروى طاوس في خبر يرفعه: لا تسبّوا الرّياح ولا المطر ولا الرّعد ولا البرق، بعثن رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين. وفي حديث آخر: لا تسبّوا الرّيح فإنّها من نفس الرّحمن. وفي آخر: ما هلك قوم ولا عاش آخرون إلا بهبوب الرّياح ودرور السّحاب.
وذكر بعضهم أنّ الروم تسمّي الأمطار والرّياح نقالات الدّول. وعن سفيان الثّوري:
الدّعاء عند هبوب الرّياح وتحت المطر لا يرد.
وقال بعضهم: النّسيم الطّيب صديق الرّوح، قال: والرخاء: ريح سليمان وكانت تحمل عرشه، وقيل: النّسيم بدو كلّ ريح، يقال: نسمت الرّيح.
ويروى عن عبد الله بن عباس أنه قال: الرّياح في كتاب الله ثمان: أربع منها رحمة:
النّاشرات والمبشّرات والذّاريات والمرسلات، وأربع منها عذاب: القاصف والعاصف والعقيم والصّرصر.
وقال الحكماء: الجنوب ريح، ذكر سعد شرقي حار لاقح يقوّي السّحاب ويفجّر الأمطار، ويلقح الأشجار.
وقال؛ راح تمرّ به الصّبا ثم انتحى فيه شؤوب جنوب، منفجر ويسمّى الأرنب والنّعامي.
ويروى عن جعفر بن محمد أنّه قال: إنّ الجنوب تخرج من الجنة وتمر بالنّار فيصيبها وهجها، فما فيها من حرّ فمن ذاك، وهي ريح بروج الرّبيع، كما أنّ الشّمال ريح بروج الصّيف، وهي أبرد الرّياح.
ويروى عن جعفر بن محمد الشّمال: تمر بالجنّة جنّة عدن فتأخذ من طيب عرفها، فتمرّ بها على أرواح الأبرار والصّديقين. والدّبور تهيج الرياح وتثيرها وهي أشد الرّياح على ركاب البحر، ولا تهب إلا عاصفا، وهي التي أرسلت على قوم عاد.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور»، وهي ريح بروج الخريف. والصّبا لطيب نسيمها وهبوبها لقبت بريح العشّاق.
وقال ابن دمية:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجدفقد زادني مسراك وجدا على وجد
وقال امرؤ القيس:
إذا قامتا يضوع المسك منهمانسيم الصبا جاءت بريح القرنفل
وقال آخر:
أريد لأنسى ذكرها فيهيجنينسيم الصّبا من حيث ما يطلع الفجر
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها
هي الصّبا. وقالت العرب: عصف الجنوب في الخريف دليل النّقمة، وعصف الدّبور في الرّبيع دليل العذاب، وعصف الشّمال في الشّتاء دليل الوفاء، وعصف الصّبا في الصّيف دليل البؤس. وقيل في الدّبور: هي ريح بروج الشّتاء.
وقالت الحكماء: مهبّ الجنوب من مطلع الشّمس إلى زوالها، ومهبّ الشّمال من مطلع الشّمس إلى غروبها. ومهبّ الدّبور من مغرب الشّمس إلى شطر اللّيل. ومهبّ الصّبا من شطر اللّيل إلى طلوع الشّمس، لا تطلع هذه في هذه ولا هذه في هذه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع