من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب الحادي والسّتون في ذكر الاستدلال بالبرق، والحمرة في الأفق، وغيرهما على الغيث
قال أبو عمرو تقول العرب في السّحابة: تنشأ إن تبهزت متنكبة ووميضها ضعيف يخفى مرّة ويظهر أخرى، فقد أخلفت ومعنى تبهّزت: تقطّعت والبهز حفر تكون في الأرض، ومعنى تنكّبت: عدلت عن القصد، ومنه النّكباء في الرّياح.
وحكي عن أبي عبيدة قال: قلت لأعرابي: ما أسحّ الغيث؟ قال: ما ألقحته الجنوب ومرته الصّبا، ونتجه الشّمال، وإذا كان السّحاب أبيض يبرق بضوء فذاك دليل مائه، ويقولون: إذا رأيت السّماء كأنه بطن أتان قمراء، فذلك الجود. قال الشّاعر:
وأضحى يحطّ المعصمات حزيرةوأصبح رجّاف اليمامة أقمرا
الرّجاف: ما رجف من السّحابة. وقال آخر: وهو المتنخّل الهذلي يذكر مطرا شعرا:
تمدّ له حوالب مشعلاتتجلّلهنّ أقمر ذو انعطاط
قالوا: وإذا كانت السّحابة تبرق كأنها حولاء ناقة، وهو ما يخرج مع الولد فذلك من علامات.
وإذا كانت السّحابة نمرة فهي خليقة بالمطر لذلك قال قائلهم: أرينها نمرة- أركها مطرة. والنّمرة التي ترى سحابها صغارا بتداني بعضها من بعض، ويكون كلون النّمر، وإذا كان السّحاب بطيئا في سيره، فذاك دليل على كثرة مائه ولذلك قال الهذلي يصفه:
وأقبل مرّا إلى بحدلسباق المقيد يمشي رسيفا
وقال عبيد:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالرّاح
جعل له هدبا يتدلّى لثقله ودنّوه من الأرض.
شعر:
فمن بنحوته كمن بعقوتهوالمستكنّ كمن يمشي بقرواح
ومثله قول الآخر:
أسدف منشقّ عراه فذو الأدماثما كان كذي الموئل
الأسدف: الأسود وجعل عراه ينشقّ بالماء والدّمث: السّهل اللّين، والموئل: المكان المرتفع الذي يئل النّاس إليه من السّيل.
وروي أن المعقّر البارقي سأل ابنته عن السّحابة وقد كفّ بصره، وإنمّا سمع صوت رعدة فقالت: أرى سحما عفاقة، كأنّها حولاء ناقة ذات هيدب دان وسير وان فقال: يا بنية وائلي بي إلى جنب قفلة، فإنها لا تنبت إلا بمنجاة من السّيل. القفل: ضرب من الشّجر لا ينبت إلا مرتفعا من السّيل وإذا كان السّحاب أصهب إلى البياض فذاك دليل على أنه لا ماء فيه وعلى الجدب. قال النابغة شعرا:
صهباء ظمّاء أبين البين عن عرضيزجين غيما قليلا ماؤه شبما
وقال أمية بن أبي الصّلت يذكره شدّة الزّمان في الشّتاء:
وشوّذت شمسهم إذا طلعتبالجلب هفا كأنّه الكتم
شوّذت: عليت وعمّمت، ويقال للعمامة المشوّذ والجلب: سحاب لا ماء فيه، والهف: الرّقيق. وذلك من علامات الجدب.
وقد يعترض في الأفق حمرة بالغداة والعشيّ من غير سحاب في الشّتاء فيستدلّ به على قلّة الخير وشدّة الزّمان. وقال النابغة شعرا:
لا يبرمون إذا ما الأفق جلّلهصرّ الشّتاء من الإمحال كالآدم
يريد: لا يخلون في هذا الوقت، والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في المسير. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبهالشيبان أو ملحان فاليوم أشهب
وقال الفرزدق:
يغضّون بأطراف العصيّ تلفّهممن الشّام حمر الضّحى والأصائل
يريد حمر الآفاق: أوّل النّهار وآخره، فهذه الحمرة التي بيّنتها ودللت عليها بشواهدها
من الشّعر وغيره هي التي تدلّ على الجدب.
وقد يستدلّ بالحمرة إذا اشتدّت جدا في السّحاب المخيّل وإنّما تكون من شعاع الشّمس عند الطّلوع وعند الغروب على المطر. والفرق بينهما أنّ تلك تكون بغير سحاب أو تكون مع شيء رقيق منه، وحمرة الغيث تكون شديدة عند الطّلوع وعند الغروب في سحاب متكاثف مخيل. والحمرة التي يشير إليها إنما هي من قرص الشّمس لأنّك تراه في المشرق والمغرب للغبار والبخار، والضّباب المعترض بينك وبينها أحمر وأصفر للهواء الملابس لها، وقد توجد النّار تختلف على قدر اختلاف النعظ الأزرق والأبيض والأسود.
وذلك كلّه يتغيّر في مرأى العين بالعرض الذي يعرض للعين، وعلى قدر جفوف الحطب ورطوبته، وعلى قدر أجناس العيدان والأدهان تجدها حمراء أو صفراء أو خضراء.
ولذلك يوجد برق السّحاب مختلفا في الحمرة والبياض على قدر المقابلات والأعراض، وتجد السّحابة بيضاء، فإذا قابلت الشّمس بعض المقابلة فإن كانت السّحابة غربيّة والشّمس منحطة، رأيتها صفراء ثم حمراء ثم سوداء تعرض العين لبعض ما يدخل عليه، وقال الفلتان الفهمي في النّار:
ويوقدها شقراء في رأس هضبة
وقال مزرّد:
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدتبعلياء يشز للعيون النّواظر
وقال الراعي وهو يريد أن يصف لون ذئب:
كدخان مرتجل بأعلى تلعةغرثان حزم عرفجاء ميلولا
المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد وهو يشويها وجعله غرثان لأنه لغرثه لا يميز الرّطب من اليابس، فهو يشويها بما حضره، وأدلّة هذا الكلام كلّه ليكون لون الدخان ولون الذئب الأطحل متّفقين، فأما شيم البروق فكانوا يقولون: إذا بلغت سبعون برقة انتقلوا ولم يبعثوا رائدا لثقتهم بالمطر، وإذا كان البرق عندهم وليفا وثقوا بالمطر. والوليف: الذي يلمع لمعتين. قال الهذلي شعرا:
لشمّاء بعد أشتاب النّوىوقد بتّ أجنبت برقا وليفا
وإذا تتابع لمعانه كان مخيلا للمطر.
ويقال: ارتعج البرق إذا كثر وتتابع. وقال الرّاجز شعرا:
سحّا أهاضيب وبرقا مرعجايجاوب الرّعد إذا تبّوجا
وإذا تتابع بلمعتين لمعتين شبّه بلمع اليدين. قال امرؤ القيس شعرا:
أصاح ترى برقا أريك وميضهكلمع اليدين في حبيّ مكلّل
الحبي: السّحاب المشرف، مكلّل بعضه على بعض.
ويقال: مكلّل بالبرق وإذا كان خفوا كان دليلا على الغيث. وقال حميد بن ثور شعرا:
خفا كاقتذاء الطّير وهنا كأنّهسراج إذا ما يكشف اللّيل أظلما
واقتذاء الطّير: تغميضها أعينها وفتحها إيّاها، كأنّها تلقي القذى منها، وكلّهم يجعل البرق يمانيا ولا يجعله أحد شاميا، لأنّ الشّامي أكثره خلّب عندهم، وهذا يدلّ على أنّ المطر للجنوب لأنّها يمانية. وقال آخر شعرا:
ألا حبّذا البرق وحبّذاجنوب أتانا بالعشيّ نسيمها
ويقال: أوسم البرق إذا بدا وألاح إذا أضاء ما حوله. وأنشد لأبي ذؤيب شعرا:
رأيت وأهلي بوادي الرّجيعمن آل قيلة برقا مليحا
ويقال: أوسمت المرأة؛ إذا بدا ثديها ينوء. قال أبو عبد الله وقال العقيلي: إذا رأيت السّماء قد اصحامت فكأنها بطن أتان قمراء. ورأيت السّحاب متدليا كأنه اللّحم الثنت، مستمسك منه ومنهرت، فحينئذ الغياث. وقال أبو صالح الفزاري: كنا نقول: إذا رأيت البرق في أعلى السّحابة أو في جوانبها فهي بإذن الله ماطرة غير مخلفة، وإذا رأيت البرق في أسافلها فقد أخلفت.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع