تجاوز إلى المحتوى

من «نور الطرف ونور الظرف» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

فاتحة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه الثقة الحمد لله الذي لا فضل إلا منه، ولا طول إلا من لدنه، وصلى الله على كاشف الغمة عن الأمة، نبي الرحمة، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

وصل الله بسيدي (الجليل) جناح الصنع الجميل، وواصل لديه السول، وأوصل إليه المأمول، وعمر بحبه ربوع أنسي، وأمطر بقربه ربيع نفسي، وأراه بناظر فهمه في مرآة علمه الصقيلة الساحة والأرجاء، الصافية من دنس الأقذاء، أن ما أبديه وأظهره، غير ما أطويه وأضمره، من ناطق الود، عن صادق العهد، وخالص الحب، عن مخلص القلب، كالنقطة في البحر، والذرة في القفر. (شعر):

يا من عقدتُ بحبِّهِدونَ الورى حبلَ اعتلاقي
فأخذتُ منه بموثقِ الأك??راب مشدود العراقي
لم يرقْ جارُ أبي دؤادٍ معقلاً، أنا منكَ راقِ
أجني بهِ ثمرَ المنىغضَّ الجنى عذب المذاقِ
في حين أمَّنني الرَّدىووقى من الحدثانِ واقِ
قيَّدتَ مطلقَ همَّتيوملكتَ لي رقَّ اشتياقي
فالقلبُ موقوفٌ عليكَالدَّهرَ وهو إليكَ تاقِ
وافى كتابكَ مشرقاًبحلى معانيهِ الدِّقاقِ
وأنا في الجّوابِ مقصرٌعن رومِ أسباب اللِّحاقِ
ولو أنَّ مطبوعَ الحجازِيمدُّ مصنوع العراق

وملكت ذاكَ فسقتُهُ بقريحتي خيرَ المساقِ

لسعيتُ مرخى الذيلِ بالتقص??ير محلولَ النطاقِ
لا أستقلُّ مشمراًأجري إلى قصبِ السباقِ
ليس الرقيقُ من الرَّكيكولا الزُّلالُ من الزُّعاقِ

أنا لا أزال أطال الله بقاءك، وأدام نعماءك أطأ بساط كرمك، وأطالع من بسيط نعمك، ما أقابل به كريم عهدك، وأقبل عليه من صميم ودك، وأقابل معه من عظيم مجدك، وأجتلي فيه من زهر أنعامك واقتفائك، وأجتني له من ثمر إكرامك واحتفائك، ما أقول إذا غمر صدري، وبهر فكري: اللهم نصراً، على ما لا أطيق له شكراً، من فضل ينتظم بأخيه، ويلتئم مع ما يليه، مما يكثر أعداد تواليه، ويقل اعتداد مواليه، وهو بخنصر الفخر محسوب (و) في صفحة الدهر مكتوب، يقرأ في أعلام الإنعام، طرازاً على الأيام، يحني بصفائح الصحائف وأسنة الأقلام، قبل أن تمحى آثاره، وتنطفئ أنواره، فلا زلت راتعاً في زهرة رياضك، شارعاً في غمرة حياظك، فإنها رياض لا تغض جفون غضارتها، ولا تغيض عيون نضارتها، وحياض تصدر القلوب الصادية عن مواردها الصافية، وقد رويت غللها، وشفيت عللها، إذا جرعها الفراق من مر مذاقه، وسقاها الدهاق من زعاقه:

قرأتُ على قلبي كتابكَ إذ أتىوقلتُ له: هذا أمانكَ في الدَّهرِ

به يرجع نافرك، إذا طار طئرك، ولا يسكن لاعجك، إذا هاج هائجك، فهو العوذة للهاجس، من خطر الوساوس، والراحة للنفس، من فقد الأنس، والشفاء للقلب، من طول الكرب، إذا كان معلم الجمال، وعلم الكمال، وباعث الجذل، ودافع الوجل، وحضور السرور، وذهاب الأوصاب، والمحذور، فياله من طرس، أحيا حشاشة نفس، وكتاب أماط مضاضة اكتئاب، فقلت لما رأيت ما يكاد يبيض الحبر من نوره، ويعبق المسك من كافوره: (شعر)

نقشتَ بحالِكِ الأنقاس نوراًجلا لعيوننا نوراً وزهرا
للشاعر أبو إسحاق الحُصْري، اقرأ القصيدة
فدبِّج من بسيطِ الفكر روضاًأنيقاً مشرقَ الجنبات نضرا
للشاعر أبو إسحاق الحُصْري، اقرأ القصيدة
لو استسقى الغليلُ به لأروىأو استشفى العليلُ به لأبرا
هفا عطرُ الجنوبِ له نسيمٌأقول إذا أناسمُ منه نشرا
للشاعر أبو إسحاق الحُصْري، اقرأ القصيدة
نثرتَ لنا على الكافورِ مسكاًولم تنثُرْ على القرطاسِ حبرا
للشاعر أبو إسحاق الحُصْري، اقرأ القصيدة

أمرت فيه أعلى الله أمرك، وأسنى قدرك قلباً لا يتقلب إلاّ في طاعتك وصباً لا يتصرف إلا في مرضاتك، أن يمد يد الاختيار والاستجادة، لما يقع منك بحسب الإشارة والإرادة، من تصنيف كتاب لطيف، ينظم نظم العقود، ويرقم رقم البرود، في مقطعات أدب كقراضة الذهب، من شذور منثور، وعيون موزون، ترتاح الأرواح إلى خفة أرواحها، وكثرة غررها وأوضاحها، ولطف متونها وحواشيها، وحسن عيونها ومعانيها، المشرقة التذهيب، المونقة التهذيب، التي إذا جلبت للطبع الذكي، وجليت على السمع الكفي، هزته أريحية الكريم إذا انتشى بماء الكروم: (شعر):

بسماعٍ أرقَّ من دمعة الصبِّوشكوى المتيَّم المهجور
تجتني الأذن منه أحسن مماتجتني العينُ من وجوهِ البدور
يشغلُ الفهمَ منظرٌ ثمَّ نطقٌفهو يصغي بظاهرٍ وضمير
صافح الأذنَ بالذي تشتهيهِفأذاقَ النفوسَ طعم السُّرورِ

وقلت: اجعله كالمختصر في الكتاب الموسوم بزهر الآداب وثمر الألباب، الذي ضمنته كل لطيفة، ونظمته بكل طريفة، فجاء بديع الغرر، رفيع الدرر، صحيح الحوك، مليح الحبك. (شعر):

ألذُّ من النجوى وأطيبُ نفحةًمن المسكِ مفتوقاً وأيسر محملا
أخفُّ على روحٍ وأثقلُ قيمةًوأقصر في سمعِ الجليس وأطولا

ليكون لما استعاره من حليه، ولبس من حلله، وأخذ من صفاته، وسلك من سبله، كالأنموذج له والمدخل إليه، والمعرف به، والمنبه عليه، فيكون المطلع على أغراضه ومقاصده، والمتصفح لمصادره وموارده، كالعارف بما في ذاك والواقف على ما هناك، فقديماً دلت الأوائل على الأواخر، وعرفت البواطن من الظواهر.

فأجبتك إلى ما إليه أشرت، على ما أحببت وآثرت، من غرائب العجائب، وظرائف اللطائف، وجواهر النوادر، وقرنت الفصول بالأصول، وضممت الأشعار إلى الأخبار، ووشحتها بالمستندر والمختار من كلام ملوك النظم والنثر، من أفراد أهل العصر، الذين قهروا السابقين، وبهروا اللاحقين، بكريم عنصر البلاغة وصميم جوهر البراعة، والتهاب الإبريز في إغراب التطريز، (شعر):

من كلِّ معنىً يكادُ الميتُ يفهمهُحسناً ويعبدهُ القرطاسُ والقلمُ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «من كل معنى يكاد الميت يفهمه»

والنفوس قد طبعت على استطراف ما سمعت، مما لم يتكرر فيتكدر، ويتوالى على الأسماع، فتمجه الطباع، وتكثر روايته، فتمل حكايته، ولو كنت أعلم غيب ما لديك، لما أوردت شيئاً مما وقع إليك، من حديث ولا قديم، وفي نثير ولا نظيم، ولكنني أجهد جهدي، وأبذل ما عندي. (شعر):

فإن وقفتْ بي قدرتي دونَ همَّتيفمبلغُ نفسٍ عذرها مثل منجحِ

ومع علمي أنك أغرق في الفهم نصولاً، وأعرق في العلم أصولاً، فلعله يمر بك في تضاعيف هذا التأليف شيء تستندره، مما تؤثره، فيكون عيي سعيداً، ويقع سهمي سديداً، ببلوغ الزلفى من حبك، والقربى من قلبك، وتلك أمنيتي حتى ألقي منيتي التي لا أتعداها ولا أتمنى سواها.

وفيما ألقي إليك في هذا الكتاب، الذي هو "نور الطرف ونور الظرف"، المختار الكثير مما ليس في الكتاب الكبير، وإنما كان كالمخ من سبيكته، والمح من تريكته، لأنه يحذو حذوه، وينحو نحوه، في ملاحة النثر. ورجاحة الشعر، دون الاستلاب لنفيس مطارفه، والاجتلاب لنفوس طرائفه، وإنما يدل عليه، ويهدي إليه، بدليل الاقتدار على جميل الاختيار، [إذا الاختيار] ميسم العقل، ومعلم الفضل، وهو باب يتصافى ولا يتنافى، ويتشاكل ولا يتنافر، ويتعارف ولا يتناكر، فإذا عرض هذا المختصر على نيران الفكر، وعجم بإنسان النظر، (شعر):

فكان كالذَّهبِ المعروف مخبرهُيزيدُ في السبكِ للدينارِ ديناراً

وكذلك جميع ما صنفته، وكل ما ألفته، وإن أجريت إلى غير لك، في جميع المسالك، (شعر):

فلستُ بأوّلِ ذي همَّةٍدعتهُ لما ليسَ بالنائلِ

وأنا أقسم بالله يميناً ما كنت أوليها، لو خفت حنثاً فيها، ما حركني الأشر، ولا أدركني البطر، ولا ملكني الإعجاب، فأقول في مثل هذا الكتاب، (شعر):

والمرء يُفتنُ بابنهِ وبشعرهِلكنَّ هذا فتنةُ العقلاءِ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «نفسي الفداء لمن إذا جرح الأسى»

وإني لأرضى من الوبل بالذهاب، بل من الغنم بالإياب، وحسب العاقل أن يسلم دون أن يغنم، لما يعلم من تحكك المعارضين أو تحرك المناقضين، (شعر):

وإنّ امرأً أمسى وأصبحَ سالماًمن الناسِ إلاّ ما جنى لسعيدُ

لا سيما فيما ليس بمعجزٍ ولا معوزٍ، وإنما هي فروع تنتزع وتنقل، لا أصول تخترع وتوصل. وليس للناقل من الفضل أكثر من تجويد النقل، وقد قالوا: "اختيار المرء وافد عقله، ورائد فضله"، وقالوا: "اختيار الكلام أشد من نحت السلام"، وقال حكيم اليونانيين: "لكل شيءٍ صناعة وصناعة الاختيار صناعة العقل" وأنشدوا (شعر):

قد رضيناكَ باختيارك إذا كان دليلاً على اللبيبِ اختيارهُ

وقال بعض المحدثين:

قالوا: خذ العينَ من كلٍّ فقلتُ: همُفي العينِ فضلٌ ولكن ناظر العينِ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

حرفانِ في ألفِ طومارٍ مسوِّدة=وربَّما لم تجد في الألف حرفينِ

ولم أوغل في هذا الكتاب كما أوغلت في "زهر الآداب وثمر الألباب" من تعليق المعاني بما تعلق بأفنانها، وتشبث بأغصانها، وتسرب في شجونها، وتشرب من عيونها، إذ لو توفرت في التصريف على ما يوجبه التصنيف في تلك التصاريف، لأخللت بالإحسان في الافتنان، فنثرت ما سطرت على غير تبويب، وجمعت ما صنفت على غير ترتيب، وذلك أقرب لنشاطك، وأوجب لانبساطك.

ولعل ما تركت أولى مما أدركت، إذ كان قليلاً من كثير، وثماداً من بحور، ولكن إذا لم يخص المؤلف وجهاً يقصده، ولا فناً يعتمده، فكل الكلام تمتد إليه حباله وتنثال عليه رماله، فإنما حقه انتقاء ما اتصل بناظره، واقتفاء ما وصل إلى خاطره، إذ لا معنى يقتضيه دينه، إلا وغيره يقتضيه عينه.

وقد خفت أن أخرج بصدر الكتاب إلى معيب الإسهاب. والداعي إلى الإطالة وإن صارت إلى الملالة، والاستمتاع في مكتبتك بلذة مخاطبتك التي هي أجمل من وصل المهجور، وأفضل من أمن المذعور، (شعر):

وأحسنُ موقعاً منّي وعنديمن البشرى أتتْ بعد النَّعيِّ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»

وهذا حين أبتدي وبالله أهتدي.

حدثني أبو محمد الحسن بن القاسم قال: حدثنا أبو الخير رواحة بن عبد الله الهاشمي بالري قراءةً عليه، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا يموت بن المزرع عن خاله أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قال: يحب للرجل أن يكون سخياً لا يبلغ التبذير، حافظاً لا يبلغ البخل، شجاعاًُ لا يبلغ الهوج، محترساً لا يبلغ الجبن، حيياً لا يبلغ العجز، ماضياً لا يبلغ القحة، قوالاً لا يبلغ الهذر، صموتاً لا يبلغ العي، حليماً لا يبلغ الذل، منتصراً لا يبلغ الظلم، وقوراً لا يبلغ البلادة، نافذاً لا يبلغ الطيش.

ثم رأيت رسول الله ﷺ قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله ﵇: "خير الأمور أوساطها". فعلمت أنه ﵇ أوتي جوامع الكلم.، (وعلم) فصل الخطاب.

قلت أنا: وليس بعض كلامه ﷺ بأولى من بعض بالتقديم، ولا أحق بالإجلال والتعظيم، وإنما بدأت بكلمته تيمناً ببركته.

وأنا أحذف أسانيد ما رويته، وآتي بمتون ما رأيته، إذ هي الغرض المطلوب من استمالة القلوب، بما تحويه من سحر البيان، وسر البرهان.

وقد قال الجاحظ يصف كلام النبي ﷺ: استعمل التوسط وهجر الغريب ورغب عن الهجين، فلم ينطق إلا عن حكمة، ولم يأت إلا بكلام حف بالعصمة، وسدد بالتأييد، وهو الكلام الذي ألقى الله ﷿ عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والجلالة والإفهام، وقلة عدد الحروف، مع قلة حاجة السامع إلى معاودته، فلم تسقط له كلمة، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم إلا أفحمه. خطيب بذ الناطقين، وحاز قصب السابقين، لم يلتمس إسكات الخصم بنا لا يعرفه الخصم، ولم يحتج إلا بالصدق، ولم يطلب الفلج إلا بالحق، لا يلمز، ولا يهمز ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر، فلا يسمع الناس كلاماً أعم نفعاً، ولا أقصد لفظاً، ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً، ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلامه ﷺ.

كان علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام هجا علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة، جلس يوماً للمظالم فمرت عليه في جملة القصص رقعة فيها مكتوب:

وافى ابنُ عيسى وكنتُ أضغنُهُأشدُّ شيءٍ عليَّ أهونهُ
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة
ما قدر الله ليسَ يدفعهُوما سواهُ فليس يمكنُهُ
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة

فقال (علي) بن عيسى: صدق ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبداً.

وكان ابن بسام فصيح اللسان، صحيح البيان، جميل الثناء، خبيث الهجاء، ولم يكن له حظ في التطويل، وإنما تحسن مقطعاته، وتندر أبياته، وهو القائل:

أما ترى اللّيلَ قد ولَّتْ غيابُهُوعارضُ الفجرِ بالإشراقِ قد طلعا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
فاشربْ على وردةٍ قدمتْكأنَّها خدُّ ريمٍ فامتنعا

وقال يرثي علي بن يحيى بن (أبي) منصور بن المنجم:

قد زرتُ قبركَ يا عليّ مسلِّماًولك الزِّيارة من أقلِّ الواجبِ
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
ولو استطعتُ حملت عنكَ ترابهُفلطالما عنّي حملتَ نوائبي
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

وقد أنشد هذين البيتين أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، قال: أنشدني علي بن سليمان السلمي لنفسه، فأنشدهما وزاد (فيهما):

ودمي، فلو أني علمتُ بأنَّهُيروي ثراكَ، سقاهُ صوبُ الصائبِ
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
لسفكتهُ أسفاً عليكَ وحسرةًوجعلت ذاك مكانَ دمعٍ ساكبِ
ولئن ذهبتَ بملءِ قبركَ سؤدداًفجميلُ ما أوليتَ ليس بذاهبِ

وقال ابن بسام أيضاً:

كم قد قطعتُ إليك من ديمومةٍنُطفُ المياه بها سوادُ الناظرِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «كم قد قطعت إليك من ديمومة»
في ليلةٍ فيها السماءُ مرِذَّةٌسوداءْ مظلمةٌ كقلبِ الكافرِ
والبرقُ يخفقُ من خلالِ سحابهِخفقَ الفؤادِ لموعدٍ من زائرِ
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
والقطرُ منهلٌّ يسحُّ كأنّهدمعُ المودِّع إثر إلفٍ سائرِ

ومن ظريف ما في هذا المعنى قول بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشئ حيث يقول:

خليليَّ هل للمزنِ مهجةُ عاشقٍأم النَّارُ في أحشائها وهي لا تدري
أشارت إلى أرضِ العراقِ فأصبحتْوكاللُّؤلؤِ المنثورِ أدمعها تجري
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
سحابٌ حكتْ ثكلى أُصيبتْ بواحدٍفعاجت له نحوَ الرِّياضِ على قبرِ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
تسربلُ وشياً من خزوزٍ تطرَّزتمطارفها طرزاً من البرقِ كالتّبرِ
فوشيٌ بلا رقمٍ ونقشٌ بلا يدٍودمعٌ بلا عينٍ وضحكٌ بلا ثغر
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

وكتب أبو الفتح محمود بن الحسين السندي المعروف بكشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك بقوله:

هو يومُ شكٍّ يا عليُّوأمرهُ مذ كان يحذرْ
والجوُّ حلَّتهُ ممس??كةٌ ومطرفة معنبرْ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «هو يوم شكّ يا «علـ»
والماءُ فضيُّ القميصِوطيلسان الأرضِ أخضرْ
نبت يصعِّدُ زهرهُفي الرّوضِ قطر ندىً تحدَّرْ
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة
ولنا فضيلاتٌ تكون ليومنا قوتاً مقدَّر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «هو يوم شك علي»
ومدامةٌ صفراءُ أدركَ عهدها كسرى وقيصر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «هو يوم شك علي»
فانشط لنا لنحثَّ مِنْكاساتنا ما كانَ أكبرْ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «هو يوم شكّ يا «علـ»
أو لا فإنّكَ جاهلٌإن قلتَ: أنَّك سوف تعذرْ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «هو يوم شك علي»

وقال علي بن العباس الرومي:

من عذيري مِنْ أضعفِ النّاس ركناًوبعينيهِ صولةُ الحجَّاجِ
شادنٌ يرتعي القلوبَ ببغدادَ ولا يرتعي الكلا بالنّباحِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شجوُ قلبي من سائر الخلق شاجي»
ولئن قلتُ: شادنٌ إنَّ قلبيلأسيرٌ لغادةٍ مغناجِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شجو قلبي من سائر الخلق شاجي»
أقبلتْ والربيعُ يختالُ في الرَّوضِ وفي المزنِ ذي الحيا الثَّجَّاجِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شجو قلبي من سائر الخلق شاجي»
ذو سماءٍ كأدكنِ الخزّ قد غيم??ت وأرضٍ كأخضر الديباجِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شجو قلبي من سائر الخلق شاجي»
فتجلّى عن كل ما يُتمنّىموعد الكذْ خذاةِ والهيلاجِ
فظللنا في نزهتين وفي حس?نينِ بين الأرمالِ والأهزاجِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شجو قلبي من سائر الخلق شاجي»
بفتاةٍ تسرُّنا في المثانيوعجوزٍ تسرُّنا في الزُّجاجِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شجو قلبي من سائر الخلق شاجي»
أخذتْ من رؤوسِ قومٍ كرامٍثأرها عند أرجلِ الأعلاجِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شجو قلبي من سائر الخلق شاجي»

وقال بعض أهل العصر، وهو أبو محمد الحسن بن (علي) بن وكيع:

قمْ فاسقني والخليجُ مضطربٌوالريحُ تثني ذوائبَ القصبِ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
كأنَّها والرِّياحُ تعطفهاصفُّ قناً سندسيَّةِ العذبِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «قم آسقني والخليج مبتسم»
والجوُّ في حلَّةٍ ممسَّكةٍقد طرَّزتْها البروقُ بالذَّهبِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «قم آسقني والخليج مبتسم»

وقال:

وسحابٍ إذا همى الماءُ فيهألهبَ الرَّعدُ في حشاهُ البروقا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
مثلُ ماءِ العيونِ لم يجرِ إلاّظلَّ يُذكي على القلوب حريقا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الفتح علي بن محمد البستي:

يومٌ له فضلٌ على الأيّامِمزجَ السَّحابُ ضياءهُ بظلامِ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «يوم له فضل على الأيام»
فالبرقُ يخفقُ مثلَ قلبٍ هائمٍوالغيم يبكي مثلَ طرفٍ هامِ
وكأنَّ وجهَ الأرضِ خدُّ متيَّمٍوصلت سجامُ دموعهِ بسجامِ
للشاعر الباجي المسعودي، اقرأ القصيدة
فاطلبْ ليومك أربعاً هنَّ المنىوبهنَّ تصفو لذَّة الأيّامِ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «يوم له فضل على الأيام»
وجهُ الحبيبِ ومنظراً مستشرفاًومغنياً غرداً وكأس مدامِ

ومن مجموع ألفاظ أهل العصر في الربيع وحسن منظره، وفضل أحواله (وطيب) مخبره:

أسفر الربيع عن ظلٍ سجسج، وروضٍ مدبجٍ، فعطر السهول والوعور، وعطل المسك والكافور. تبرجت الأرض للنظارة، وبرزت في معرض الحسن والنضارة. قد حلت يد الأمطار أزرار النوار، وأذاع النسيم أسرار الأزهار. والرياض كالعرائس في حليها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيها وأنماطها، ناشرة حبرها ورياطها، كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد، روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها، وتبرجت في ظلل الغمام شجراؤها، وتفاوحت بنوافح المسك أنوارها، وتعارضت بغرائب النطق أطيارها، أشجارٌ كأنَّ الحور أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلتها عقودها، انظر إلى طرب الأشجار لغناء الأطيار. يوم سماؤه كالخز الأدكن، وأرضه كالديباج الملون، يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مونقة أشجاره، مغردة أطياره، ونحن في غب سماء قد أقلعت بعد الارتواء، وأقشعت عند الاستغناء، والنبت خضل ممطور، والنقع ساكن محصور. ريش ريش النسيم، وابتل جناح الهوى، وضربت خيمة الغمام، واغرورقت مقلة السماء، قام خطيب الرعد، ونبض عرق البرق، كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوقٍ، سحاب حكة المحب في انسكاب دموعه. والتهاب ضلوعه. سحابة يضحك عن بكائها الروض، وتخضر لسوادها الأرض.

وقال أبو العباس النامي يمدح سعد الدولة أبا المعالي شريف بن سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء بن عبد الله بن حمدان:

كأنَّ مرآةَ فهمِ الدَّهر في يدهِيرى بها غائبَ الأشياءِ لم يغبِ
ما يرفعُ الفلكُ السَّامي سماءَ عُلاًإلاّ علاها شريفٌ كوكبُ العربِ
يا من بعينِ الرِّضى يلقى مؤملهُوالبخلُ يطبقُ أجفاناً على الغضبِ
أغربتَ في كلِّ معنىً طيبٍ حسنٍفليس ذكركَ في أرضٍ بمغتربِ
لو يكتبُ المجدُ أسماءَ الملوكِ إذاًأعطاكِ موضع "بسم الله" في الكتبِ

أخذ قوله: " لو يكتب المجد.. البيت" من قول أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله (في ناقة):

وناقةٍ في مهمةٍ رمى بهاهمٌّ إذا نامَ الورى سرى بها
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «عرج على الدار التي كنا بها»
فهي أمامَ الركبِ في ذهابهاكسطر "بسم الله" في كتابها
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «عرج على الدار التي كنا بها»

ومن ظريف ما جاء في ذكر اسم الله، وإن لم يكن في هذا المعنى، قول بعض أهل العصر، وهو أبو سعيد الرستمي:

أفي الحقِّ أن نُعطى ثلاثونَ شاعراًويحرمَ ما دون الرِّضى شاعرٌ مثلي
كما سامحوا عمراً بواوٍ زيادةًوضويق "بسم الله" في ألفِ الوصل

دخل أبو دلف العجلي على المأمون، فقعد بينه وبين الحسن بن سهل، وكان عليه المأمون مغضباً، فقال: أنت الذي يقول فيه علي بن جبلة العكوك:

إنَّما الدُّنيا أبو دلفبين مبداهُ ومحتضره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا ولَّى أبو دلفٍولَّت الدُّنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فقال: يا أمير المؤمنين شهادة زورٍ، وقول غرور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، أصدق منه وأعرف بي ابن أخت لي حيث يقول:

ذريني أجوبُ الأرضَ في طلب الغنىفما الكرجُ الدُّنيا ولا النَّاس قاسم

وأنا كما قال بكر بن النطاح: شعر

أبا دلفٍ إنَّ الفقير بعينهلمن يجتدي جدوى يديك ويأمله
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
أرى لكَ باباً مقفلاً متمنعاًإذا فتحوه عنك فاللُّؤم داخله
كأنَّك طبلٌ رائعُ الصَّوتِ معجبخلاءٌ من الخيرات قفر مداخله
وأعجب شيءٍ فيك تسليم أمرهإليكَ على جهلٍ وأنَّك قابله

فأسفر له عن وجه الرضا، وقال [له] أخبرني عن عبد الله بن طاهر، فقال: أمين غيب، نصيح حرب، يستعذبه وليك إذا رام جوده، ويشرق به عدوك إذا عجم عوده، يرد معضلات الأمور بأيده، ويعرف مخبأة الصدور بكيده، وإنه في الشجاعة لكما قال العباس بن مرداس السلمي: (شعر)

أشدُّ على الكتيبةِ لا أباليأحتفي كانَ فيها أم سواها
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ألا من مبلغ عني خفافا»

وفي الجود كما قال زهير:

تراه إذا ما جئتهُ متهلِّلاًكأنَّك مُعطيهِ الذي أنتَ سائله
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فقال بعض الحاضرين: ما أفصحه على جبليته! فقال [الحسن بن سهل]: إن بالجبل قوماً أمجاداً، لهم ألسنة لا يفل غربها، ويراعة لا ينكسر قلبها وإنهم ليوفون السيف حقه يوم النزال، ويعطون اللسان حظه عند المقال، وإن أبا دلف منهم.

وكان أبو دلف كريماً وسيماً، صريحاً فصيحاً، وهو القائل:

الحربُ تضحكُ عن كرِّي وإقداميوالخيلُ تعرفُ آثاري وأيَّامي
سيفي مُدامي وريحاني مثقَّفتيوهمَّتي مقةُ التَّفصيل للهامِ
وقد تجرَّد لي بالحسن ذو بدعٍأمضى وأشجع مني يوم إقدامي
سلَّت لواحظهُ سيف السِّقام علىجسمي فأصبح جسمي ربع أسقامي

وقال أيضاً:

أحبُّكِ يا جنانُ وأنتِ منّيمحلُّ القلبِ في جسدِ الجبان
ولو أنّي أقول: محلُّ روحيلخفتُ عليكِ بادرة الزَّمانِ
لإقدامي إذا ما الخيلُ جالتوهابَ كماتها حرَّ الطعانِ

وكان أبو دلف يتعشق قينة بمدينة السلام، فإذا شخص إلى الحضرة ألم بها، فأتى في بعض الأوقات، كمتقدم العادات، فمشى فرسه على طرف طيلسان بعض التجار فقده، فأخذ بعنانه، وقال: يا قاسم ليس هذا كرجك، هذه حضرة أمير المؤمنين، الشاة والذئب فيها يشربان من ماء واحد، فثنى عنان فرسه راجعاً إلى الكرج، ولم يسلم على السلطان، ولا ودع الإخوان، وكتب إلى صاحبته يقول:

قطعتْ عن لقائكِ الأشغالوهمومٌ تترى عليَّ ثقال
في بلادٍ يهانُ فيها عزيزُ ال??قوم حتى تنالهُ الأنذال
حيثُ لا مدفعٌ بسيفٍ عن الضييم ولا للجياد فيه مجال
ومقامُ العزيزِ في بلد الهونِ إذا أمكن الرّحيل محال
فعليكِ السَّلام يا ظبية الكرخِ أقمتم وحان منّا ارتحال
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة

كتب بعض أهل العصر، وهو شمس المعالي بن وشمكير ملك جيلان وجرجان إلى بعض أصدقائه: كتبت أطال الله بقاء مولاي وما في جسمي جارحة إلا تود لو كانت يداً نكاتبه، أو لساناً يخاطبه، أو عيناً تراقبه، أو قريحة تعاتبه، بنفس ولهى، وبصيرة ورهى، وعين عبرى، وكبد حرى، منازعة إلى ما يقرب منه، وتمسكاً بما يتصل بي عنه، ومثابرة على أمل هو غايته، وتعلقاً بحبل عهد هو نهايته، وخاطري يميل نحوه ويحنو، ونفسي تأمل حنوه وترجو، وتقول: أتراه؟ بل لعله وعساه، يرق لنفسي قد تصاعد نفسها، ويرحم روحاً قد فارقها روحها ومؤنسها، فكيف بقلبه لو عاين صورة هذه صورتها، وشاهد مهجة هذه جملتها، فليرفق جعلت فداه بمن عاند برحاً عظيماً، وكابد قرحاً أليماً، وليرق لكبد مزقها البعاد، وعين أرقها السهاد، وأحشاء محرقة بنار الفراق، وأجفان مقرحة، بمدمعها المهراق، وقلب في أوصابه مقلب، ولب في عذابه معذب، ولو أني سعدت فأعطيت الرضى، وخيرت فاخترت المنى، لتمنيت أن أتصور صورتك، وأطالع طلعتك، فأمثل لها مثالي لتراه، وأخبر بكنه حالي [ومعناه]، أترفق ما أزله الدهر إلي، وأتلطف لإماطة ما أفاضه علي، وأشكو بعض ما نابني من نوائبه وغوائله، وأعلقني في أشراكه وحبائله، فإن كان ما رجوته مدركاً مبذولاً، وما بذلته مؤهلاً مقبولاً، وإلا تضرعت إلى الله تعالى في الخلاص، وسألته أن يأخذ لي بالقصاص، فوالله العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، ما لي طاقة بما تجدده الساعات من مقيم الاشتياق ومقعده، ولا استطاعة لما تؤكده الأوقات من أليم الفراق ومكمده، فإن عطف إلي استعطافي، وعاد إلى عيادتي وإلطافي، وأنعم في جوابي بمجاوبتي، وشفع في تشفيعي لمأربتي، واهتز اهتزاز المشوق إذا عوتب، ورجع رجوع الموموق إذا كوتب، كان كمن أعاد نفساً في نفسه، ونشر ميتاً من رمسه، وحقن مهجة قد أراقت خالص دمها المسفوح، وأحرز دمعاً قد دمي جفنه المقروح، فلا يرغب جعلت فداه عن الأجر في مداواة عليل، ولا يغفل عن المساعدة في شفاء غليل. وليعلم أن الأوقات إذا انجلت وتعضت، والساعات إذا ترحلت وقوضت، تمده بما شكا، وتزيده مما حكى، وقد رجوت أن يتأمل رسالتي، ويتصور بالغيب حالتي، تأملاً يجرر فيه أذيال إحسانه ويسحبها، وينشر أثواب امتنانه ويصحبها، ويتطول بالطول في المكاتبة، ويعود إلى الفضل في المخاطبة، بما يبرئ عليلاً، ويشفي غليلاً، ويفك أسيراً، ويحيي قتيلاً (إن شاء الله، والسلام).

وكتب إليه جواباً عن جواب رسالته هذه:

وصل كتاب مولاي، جعلني الله فداه في النوائب كلها، مفصلها ومجملها، فأوصل نعمةً جددت الوصل، وأعادت الطول والفضل، وسادت ما تقدم من أخواتها رفعة وجلالاً، وعلت على ما سلف من أترابها علية وجمالاً، وذكرت كل ما قدم عن نعمه، وتقدم من كرمه، لا لقصور عن الأولى فيما يتلوها ويؤكدها، ولا لفتور عن الأخرى فيما ينشرها ويجددها، لكن لكل جديد لذة تستطاب، ولكل قادم فرحى في المآب، ولكل غريب دولة في الأحباب، وطرفة في الأزمان والأحقاب.

وأقبل علي بالسرور بإقباله فملك عناني، واسترقني بقدومه بأرق أجفاني، وغمرني ما يغمر الصب بمن يهواه، وسرني ما يسر الوامق بمن يراه، وعاد علي عائد بالبشاشة يعتادني، وطرقني طارق (بالمسرة) ينتابني، واجتمعت المسار في قلبي فتزاحمت وتلاصقت وتآلفت البشائر في صدري فتلاءمت وتضايقت، واستخفني الطرب في كل نوب، وحف بناحيتي من كل أوب، فيالها نعمةً زادت في الأمل ففسحته، وعمرت الصدر وشرحته، ويا لها منّة حلت العقد وأرضته، وباعدت الهجر وأوهته، ويا لها يداً أيدت الأفضال وهذبته، وأوصلت الوصال وقربته، أحيا الله من أحيا نفسي بقدومها ووفودها، وأبقى من استبقاني برجوعها وورودها، وخفف ظهر من أثقل ظهري بحملها، وأضعف جوارحي بنقلها، فالحمد لله الذي رده إلى عادته المألوفة بعد جماحه، وعطفه علي عادة ظني فيه ومخيلتي له، إلى أيامه الغر وأوقاته الزهر، التي تفوق أيام الشباب حسناً وبهجة، وإشراقاً وجدة، وساعاته التي هي أشهى من مسارقة النظر، ومخالسة القبل، وعيشه الذي ينسي سكرة الصب، ولذة الحب، وعهده الذي يوفي العهد، وينجز الوعد، وكتابه الذي هو أحسن من رياض الزهر، واشغف من العيون المراض، وأبهج من قدوم الغائب. وأزكى من الروض العازب، فكأن الأيام عفت آثار ما صنعه الهجر، ومحت نوافثها من الصدر، فأخمدت ناراً كان الغدر أومض شعاعها، وسكنت نفساً كان الشوق هاج نزاعها، وقد كنت أتصور ذلك وأعلمه، وأتخيل موقعه وأتوسمه، قبل أن تقربه الزلفى، وتتواتر به البشرى، من رجوعه إلي، وانعطافه علي، فكان برقه غير جهام، وحسامه غير كهام، وأملي فيه محققاً، وظني به مصدقاً، والله يكفيني نوائب الهجر، ويقيني غوائل الغدر، ويقيمه على هذه الخليقة الوسيمة، ويجريه على هذه الطريقة المستقيمة، ولا يخيب فيه حسن ظنوني، ولا يكدر فيه صفاء يقيني، (إن شاء الله والسلام).

وشمس المعالي القائل وقد جرت عليه نكبة:

قل للذي بصروف الدَّهرِ عيَّرناهل عاندَ الدَّهرُ إلاّ من له خطرُ
أما ترى البحرَ تطفو فوقهُ جيفٌويستقرُّ بأقصى قعرهِ الدُّررُ
فإن تكن عبثتْ أيدي الزَّمانِ بناونالنا منْ تمادي بؤسهِ ضررُ
ففي السَّماءِ نجومٌ ما لها عددوليس يُكْسَف إلاّ الشمسُ والقمرُ

وأما بيته الثاني فمن قول ابن الرومي:

دهرٌ علا قدرُ الوضيعِ بهوغدا الرفيعُ يهينهً شرفهْ
كالبحر يرسُبُ فيهِ لُؤلُؤهُسفلاً وتطفو فوقهُ جيفهْ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دهر علا قدر الوضيع به»

أكثر ابن الرومي من هذا المعنى، ومن جيد ما قاله منه قوله:

لمْ يضحكِ الشيبُ في فوديهِ بل كلحاسمِّ القبيح من الأسماء ما قبحا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لم يضحك الشيب في فوديه بل كلحا»

في قصيدة يقول فيها:

قالت: علا النَّاسُ إلاّ أنت، قلت لهاكذاكَ يسفلُ في الميزان ما رجحا

وقوله: "ففي السماء نجوم" في البيت الأخير من قول أبي تمام:

إنّ الرِّياح إذا ما استعصفتْ قصفتْعيدان نجدٍ ولم يعبأنَ بالرَّتم
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
بناتُ نعشٍ ونعشٌ لا كسوف لهاوالشَّمس والبدر منه الدَّهر في الوقم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إلياس كن في ضمان الله والذمم»

ولشمس المعالي وقد أهدى إليه عضد الدولة سبعة أقلام:

قد بعثنا إليك سبعة أقلامٍ لها في البهاء حظٌّ عظيم
مرهفاتٍ كأنَّها ألسنُ الحيّياتِ قد حاز حدها التقويم
وتفاءلت إن ستحوي الأقاليم بها كلُّ واحدٍ إقليم

وأهدى أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلاباً بقدر الدرهم محكم الصنعة، وكتب إليه:

أهدى إليكَ بنو الحاجاتِ واحتفلوابمهرجانٍ عظيمٍ أنتَ تعليه
لكنَّ عبدك إبراهيمَ حين رأىسموَّ قدركَ عن شيءٍ يدانيه
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
لم يرضَ بالأرضِ يهديها إليك فقدأهدى لك الفلكَ الأعلى بما فيه
للشاعر أبو إسحاق الصابي، من قصيدة «أهدى إليك بنو الحاجات، واختلفوا»

وأهدى أبو أسامة الكاتب في يوم نوروز إلى بعض إخوانه سهماً وديناراً ودرهماً، ووردة، وكتب إليه:

لا زلتَ كالوردِ نضيرَ الميسمِونافذاً مثل نفوذِ الأسهم

في عزِّ دينارٍ ونجح درهمِ

ولشمس المعالي في الرقيق من الشعر قوله:

ما ضرَّهم لو أسعدوا أو أرفقواوتعمَّدوا لصنيعِ ما هو أليقُ
ما كنتُ أملكُ غيرَ نفسٍ حرَّةٍرُهنتْ وأحسبُ أنَّ رهنيَ يغلقُ
أنا معدنُ الياقوتِ جسمي أصفرٌومدامعي حمرٌ وقلبيَ أزرق

وهذا البيت ينظر إلى قول محمد وكيع في فحواه دون نجواه، ولفظه دون معناه، وهو:

جوهري الأوصافِ يقصرُ عنهكلُّ وصفٍ وكلُّ ذهنٍ دقيق
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «جوهري الأوصاف يقصر عنه»
شاربٌ من زبرجدٍ وثنايالؤلؤٍ فوقها فمٌ من عقيق
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «جوهري الأوصاف يقصر عنه»

ولأبي العباس عبد الله بن المعتز بالله في هذا النوع من الأبيات:

كأنَّ عذاريهِ على قمرٍ علىقضيبٍ على دعصٍ رطيب الثَّرى ندي
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ومستنصر يزهى بخضرة شارب»
تبسَّمَ إذا ما زحتهُ فكأنَّماتكشَّف دُرٌّ عن حجاب زبرجد

وقال الشريف العقيلي:

ومعذرينَ كأنَّ نبتَ خدودهمأقلامُ مسكٍ تستمدُّ خلوقا
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «ومعذرين كأن نبت خدودهم»
قرنوا البنفسجَ بالشَّقيق ونظَّمواتحت الزبرجد لؤلؤاً وعقيقا
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «ومعذرين كأن نبت خدودهم»
فهمُ الذين إذا الخليُّ رآهموجدَ الهوى بهم إليه طريقا
للشاعر الشريف العقيلي، من قصيدة «ومعذرين كأن نبت خدودهم»

وما أملح ما قال كشاجم:

وعذَّبني قضيبٌ في كثيبٍتشارك فيه لينٌ واندماج
للشاعر كشاجم، من قصيدة «بليت ولج بي وجدي بظبي»
أغارُ إذا دنت من فيهِ كأسٌعلى درٍّ يقبّلهُ زجاج
للشاعر كشاجم، من قصيدة «بليت ولج بي وجدي بظبي»

وشعر شمس المعالي يضعف عن نثره، ولكن الشيء يدخل في شفاعة غيره.

ومن الحسن في وصف الحسن قول ابن المعتز بالله:

ليلٌ وبدرٌ وغصنُشعرٌ ووجهٌ وقدُّ
خمرٌ ودرٌّ ووردريقٌ وثغرٌ وخدُّ

وقال بعض الظرفاء:

شادنٌ خدُّهُ وعيناهُ وردي ونرجسي
إن يبجد لي بخمرِ فيهِ فقد تمَّ مجلسي

وقال كشاجم:

أيا نشوانُ من خمرٍ بفيهمتى تصحو وريقك خندريس
للشاعر كشاجم، من قصيدة «أيا نشوان من خمر بفيه»
أرى بك ما أراه بذي انتشاءٍألحَّ عليه بالكأس الجليس
للشاعر كشاجم، من قصيدة «أيا نشوان من خمر بفيه»
تورَّدُ وجنةٍ وفتور طرفٍتمِّرضه وأعطافٌ تميس

وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفتح عثمان بن جني النحوي:

غزالٌ غيرُ وحشيٍّحكى الوحشيُّ مقلته
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة
رآه الوردُ يجني الوردَ فاستكساه حلَّته
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة
وشمَّ بأنفهِ الرَّيحانَ فاستهداهُ زهرته
للشاعر ابن جني، اقرأ القصيدة
وذاقت ريقه الصَّهباءُ فاختلستهُ نكهته

وقال ابن المعتز بالله:

قد صادَ قلبي قمرٌيسحرُ منهُ النظرُ
بوجنةٍ كأنَّمايقدح منها الشَّررُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد صد قلبي قمر»
وشاربٍ قد همَّ أونمَّ عليه الشَّعر
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد صد قلبي قمر»
ضعيفةٌ أجفانهوالقلب منه حجر
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد صد قلبي قمر»
كأنَّما مقلتهمن فعلهِ تعتذر
الحسن فيه كاملٌوفي الورى مختصر

وقد قال ابن وكيع في المعنى الأخير من هذه الأبيات:

صوَّرهُ خالقنا جامعاًلكلِّ شيءٍ حسنٍ بارع
فكلُّ حسنٍ في جميع الورىمختصرٌ في ذلك الجامع
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «صورة خالقه جامعا»

وقد قال ابن الرومي في مثل هذا المعنى:

لا شيءَ إلاّ وفيه أحسنهفالعينُ منهُ إليه تنتقل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لا شيء إلا وفيه أحسنه»
فوائدُ العينٍِ فيه طارفةٌكأنّّما أخرياتُها الأُوَلُ

وقال ابن وكيع:

عشقت من لا ألامُ فيهِ ومايخلو من اللَّومِ كلُّ من عشقا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
رأي الهوى في سواهُ مختلفٌوأنتَ تلقاهُ فيه متفقا
فكلُّ قلبٍ إليه منصرفٌكأنّما من جميعها خُلقا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عشقت من لا ألام فيه ولا»

ألم فيه بقول مخارق بن إبراهيم الموصلي: "كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني كلاً بما يشتهيه".

وأخبرني بعض المصريين قال: كان ابن وكيع يهوى غلاماً نصرانياً بتنيس، فلامه [فيه] بعض إخوانه وقال له: مكانك في العلم والأدب، وشرف الأصل والمركب [والمنصب] بحيث اشتهر في كل مكان، وظهر على كل لسان، وقد بلغت من الغرام بهذا الغلام إلى غاية تسوء وليك فيك، ويسر بها معاديك، فقال له: ويحك أرأيت من عليه لحيت، قال: لا، وأقبل الغلام وهما يتراجعان في الكلام وهو في صورة:

ليس فيها ما يقالُ لهاكملتْ لو أنَّ ذا كملا
كلُّ جزءٍ من محاسنهاكائنٌ من حسنهِ مثلا

فقال له العاذل عندما بهره جماله، وجهره في كماله: لو في هذا ظهر أمرك، لقام عند الناس عذرك، فقال لوقته:

أبصرهُ عاذلي عليهولم يكنْ قبل ذا رآهُ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فقال لي: لو هويتَ هذاما لامك النَّاسُ في هواهُ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
قل لي: إلى منْ عدلتَ عنه؟فليس أهلُ الهوى سواهُ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فصار من حيثُ ليس يدرييأمرُ بالحبِّ من نهاه

والوكيعي مشرق الفكر، مونق الشعر، رائق الطلاوة، فائق الحلاوة، وهو القائل:

زادني في دجى الظلامِ البهيمِقمرٌ بات مؤنسي ونديمي
بحديثٍ كأنّهُ عودةُ الصِّحةَ في الجسم بعد يأسِ السَّقيم

تتلقّى القلوبُ منه قبولاً=كتلقّي المخمورِ بردَ النسيمِ وهذا كقوله:

ظفرتُ بقبلةٍ منه اختلاساًوكنتُ من عين الرَّقيبِ على حذارِ
ألذَّ من الصَّبوحِ على غمامٍومن بردِ النسيمِ على خُمارِ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وله:

غُصنٌ ظلَّ مثمراًبظريفٍ من الثَّمر
ما رأى الناسُ قبلهُغُصناً أثمرَ القمر
قال لي إذا عجبتُ منهـ: ألا تحسنُ النظر؟
لا تقسْ غرسَ ربِّنابالذي يغرسُ البشر

ومن ألفاظ أهل العصر في محاسن الغلمان والمعذِّرين: شادنٌ يضحك عن الأقحوان، ويتنفس عن الرَّيحان، كأنَّ قدَّهُ خوط بانٍ، سكرانُ من خمر طرفه، وبغداد مشرقة، من حسنه وظرفه، الشكل أجمع من حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه الفلك بعنايته، فصاغه الله من ليله ونهاره، وحلاه بنجومه وأقماره، ونقشه ببدائع آثاره، ورمقه بنواظر سعوده، وجعله بالكمال أحد جدوده، له طرة كالغسق، على غرة كالفلق، جاء في غلالةٍ تنم بما يستره، وتجفو مع رقتها عما يظهره، له وجه بماء الحسن مغسول، وطرف يميل السحر مكحول، وثغر حمي حماية الثغور، وجعل ضرة لقلائد النحور، وما هو إلا خال في خد الظرف، وطراز على علم الحسن، ووردة في غصن الدهر، ونقش على خاتم الملك، وجهه عرس، وصدغه مأتم، ووصله جنة، وهجره جهنم، وإن كانت عقرب صدغه تلسع، فترياق ريقه ينفع، إذا تكلم تكشف حجاب الزمرد العتيق، عن سمطي الدر الأنيق. لعب ربيع الحسن في خده، فأنبت البنفسج في ورده.

قال أبو المقدام الأسدي: سالت علينا سائلة من طيئ، وكان غلام منا يختلف إلى جارية منهم فيتحدث إليها، فخرج يوماً في طلب إبل له، فأرسلوا رائدهم، فرجع وإذ هم ينفضون الأنماط، وقد قوضوا العمد، وأجمعوا على الظعن، فأنشأ الغلام يقول:

متى ما يقلْ أهلي: أقيموا، وتصبحيرهينةَ برقٍ بالشَّقيقة لاحق
أمت كمداً من لوعةِ الحبِّ أو أكنكذي البثِّ أبلاه جلاءُ الأصادق

فقلت له:

فهلاَّ وفي الأيَّام ويحكَ غرَّةٌشكوتَ وفي الواشينَ عنكَ سكونُ
ولكن كتمتَ الحبَّ حتى تقطَّعتْقوى الوصلِ واستولى عليه قرينُ

وهذا يضاهي قول القطامي، وهو عمرو بن شييم التغلبي:

قطعت إليكَ بمثل جيدِ جدايةٍحسنٍ معلَّقُ توميتهِ مطوَّق
هلاَّ طرقتِ إذ الحياةُ لذيذةٌوإذ الزَّمان جديده لم يخلقِ
أو قبل ذلك عندَ غرَّاتِ الصِّباوالعيش غضٌّ صفوه لم يرنقِ
بخلتْ عليك فما تجودُ بنائلٍإلاّ اختلاس حديثها المتسرقِ
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقال علي بن محمد العلوي:

يا حبّذا الدهرُ إذ نُسقى مسرَّتهصرفاً ونمزج إنجازاً بميعادِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «يا أيها الراكب المستعجل الغادي»
وإذا نبيت وقلبانا قد اتفقاجاري عناقٍ وإسعافٍ وإسعادِ
بسرَّ من را سقاها الله ما شربتْمن رائحٍ ضاحكٍ بالمزنِ أو غادِ
فليت دهري بها عادت بشاشتهحتى نُموِّه إصلاحاً بإفسادِ

يضاهي هذا المعنى قول جحظة:

إن كنت تنكر ذلّتي وتلدّديوسقامَ جسمي وامتداد عذابي
فانظر إلى جسمي الذي موهتُهُللناظرينَ بكثرة الأثوابِ

وقال أيضاً:

أأيامك تهتز اهتزاز الغصن الرطبِ

تذكرتَ وفي تذكارها نصبٌ من النَّصب

لياليكَ وأيامكَ ظلُّ اللَّهو والعجب

تروق الأعينَ النجلَ وتصبي كبد المصبي

وتختالُ من النضرة في أرديةٍ قشب

زمانٌ كارتشاف الصَّبِّ للمرتشف العذب

صفاء الشُّرب لا يعقب إلاّ كدر الشُّرب

وقال أيضاً:

واهاً لأيام الوصالِ بعدنَ عن عهد قريبِ
أيام شرخُ شبابهِريّانُ معتدل القضيب
أيام كان من الغواني لي السّوادُ في القلوبِ
لو يستطعن جعلنهبين المخانقِ والجيوبِ
حتى نهاه عن الصِّباونهى الصِّبا وضحُ المشيب
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
فكفاه عيبُ الشَّيبِ أنينظرنَ منه إلى العيوبِ
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً:

واهاً لأيامِ الشبابِوما لبسن من الزَّخارف
وذهابهن بما عرفتمن المناكر والمعارف
أيام ذكركَ في دواوين الصِّبا صدرُ الصحائف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
واهاً لأيامي وأيّام النقيات المراشف
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
الغارسات البانَ قضّباناً على كثبِ الرَّوادف
والجاعلات البدرَ مابين الحواجب والسَّوالف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
أيّام يُظهرنَ الخلاف بغير نيّات المخالف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
وقف النَّعيمُ على الصِّباوزللتُ عن تلكَ المواقف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

وقال بعض أهل العصر، وهو أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحيم الزلزالي:

نظرةٌ كانت لحتفي سبباًجلبَ الحينُ لها ما جلبا
ضحكت أسماءُ من ذي لمَّةٍضاحك الأشيب منها الأشيبا
إنما يعرف أيام الصبامن صبا في غير أيّامِ الصِّبا

وقال أبو حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع:

زمان الصِّبا ليتَ أيامنارجعنَ لنا السَّالفات القصارا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
زمانَ عليَّ غرابٌ غدافٌفطيَّره الدَّهر عنّي فطارا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
ولا يبعدُ الله ذاك الغرابَوإن هو لم يبقِ إلا ادِّكارا
وهازئةٍ إذ رأت كبرةًتلفعَ رأسي بها فاستنارا
أجارتنا إنَّ ريبَ الزمانِقبلي أعيا الرجالَ الخيارا
فإما تري لمَّتي هكذافأكثرت مما ترينَ النِّفارا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
فقد ارتدي وحفةً ظلةًوقد أشغف الفتياتِ الخفارا
قد كنتُ أسحبُ فضل الرداءِوأُرخي على العقبين الإزارا
ورقراقةٍ لا تطيق القيامَ إلاّ رويداً وإلاّ انبهارا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
كأنَّ على الشمسِ منها الخمارإذا هي لاثت عليهِ الخمارا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
خلوت بها نتجارى الحديثَفحيناً علاناً وحيناً جهارا

وقال ابن المعتز بالله:

سقياً لظلِّ زمانيوعصرهِ المحمودِ
ولَّى كليلة وصلٍقُدّامَ يومِ صدودِ

وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:

إلى كم أروحُ إلى حسرةٍوأغدو إلى سقمٍ واصب
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
وأرجو غداً فإذا ما أتىبكيتُ على أمسهِ الذاهبِ
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
قطعت حبالك من واصلٍوأظهرت زهدك في راغبِ
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
وقد صرت أرضى بلينِ اللِّحاظِوأقنع بالموعد الكاذبِ
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

ومن أناشيد إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

ألا يا حبذا جنباتُ سلمىوجاد رياضها جودُ السِّحابِ
خلعت بها العذارَ ونلت منهامنايَ بطاعة أو باغتصابِ
أسومُ بباطلِ طلبات لهويويعذرني بها عصرُ الشباب

قال يحيى بن خالد لكلثوم بن عمرو العتابي، وكان لا يبالي أي ثوبيه لبس، وقد رأى عليه بزة دنيئة: يا أبا عمرو ما لك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنما يرفع المرء أدبه وعقله، لا حليه وحلله، لحى الله امرءاً يرضى أن يرفعه هيئتاه: جماله وماله، لا والله حتى يشرفه أصغراه: لسانه وقلبه، ويعلو به أكبراه، همته ولبه.

وقال مالك بن طوق العتابي: يا أبا عمرو رأيتك كلمت فلاناً فأقللت كلامك، قال: نعم كانت معي حيرة الداخل وفكرة صاحب الحاجة، وذل المسيألة، وخوف الرد وشدة الطمع.

وكان العتابي جيد العقل واللسان، حسن العبارة والبيان، في النثر الرائع والشعر البارع، وقلما اجتمع هذا.

ولما دخل على الرشيد قال له: تكلم يا عتابي، فقال له: يا أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبساس، لا يمدح المرء بأول صوابه، ولا يذم بأول خطابه، لأنه بين كلام زوره، أو حصر اعتوره.

وهو القائل في الرشيد:

أوافي أميرَ المؤمنين بهمَّةٍتوقَّلُ في نيلِ المعالي فنونها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
رعى أمَّةَ الإسلام فهو إمامهاوأدى إليها الحقَّ فهو أمينها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
مقيمٌ بمستنِّ العُلا حيث تلتقيطوارقُ أبكارٍ الخطوب وعونها
وما كلُّ موصوفٍ له الحقُّ يهتديولا كلُّ من أمَّ الصُّوى يستبينها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وله يذم رجلاً بقوله:

وكمْ نعمةٍ آتاكها الله جزلةٍمبرّأةٍ من كلِّ خلقٍ يذيمها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فسلطتَ أخلاقاً عليها ذميمةًتعاورنها حتى تفرَّى أديمها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ولوعاً وإشفاقاً ونطقاً من الخنابعوراءَ يجري في الرجال نميمها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
وكنتَ امرءاً لو شئت أن تبلغ المدىبلغت بأدنى نعمةٍ تستديمها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ولكنْ فطامَ النفسِ أثقلُ محملاًمن الصخرة الصَّماء حين ترومها
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «وكنت امرءاً لو شئت أن تبلغ الندى»

وله في البرامكة:

إنَّ البرامكَ لا تنفكُ أنجيةًبصفحةِ الدِّين من نجواهم ندبُ
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
تخرمت حججٌ عشرٌ ومنصلهممضرَّج بدمِ الإسلام مختضبُ

فيما بعد ما بين هذا وبين قول أبي جعفر، محمد بن مناذر الصبيري، مولى لبني صبير بن يربوع بن تميم فيهم:

أتانا بنو الأملاكِ من آل برمكفيا طيبَ أخبارٍ ويا حسن منظر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
لهم رحلة في كلِّ عامٍ إلى العداوأخرى إلى البيتِ العتيق المطهَّر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
فتظلم بغدادٌ وتجلو لنا الدُّجىبمكّةَ وما حجُّوا ثلاثة أقمر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقتْبيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلاّ لجودٍ أكفهموأقدامهم إلاّ لأعوادِ منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلَّت صعابهُوحسبك من راعٍ له ومدبر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ترى الناس إجلالاً له كأنّهمغرانيقُ ماءٍ تحت بازٍ مصرصر

قال أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي: قال لي الرشيد: هل تعرف كلمات جامعات لمكارم الأخلاق، يقل لفظها، ويسهل حفظها، تكون لأغراضها لفقاً، ولمقاصدها وفقاً، تشرح المستبهم، وتوضح المستعجم، قلت: يا أمير المؤمنين، دخل أكثم بن صيفي حكيم العرب على بعض ملوكها فقال: إني سائلك عن أشياء ما تزال بصدري معتلجة، وما تزال الشكوك عليها والجة، فأنبئني عنها بما عندك منها، فقال أكثم، أبيت اللعن، سألت خبيراً، واستنبأت بصيراً، والجواب يشفعه الصواب، فسل عما بدا لك، قال: ما السؤدد؟ قال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة، قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى، وبذل الندى، قال: فما المجد؟ قال: حمل المغارم، وابتناء المكارم، قال؛ فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء، في الشدة والرخاء، قال: فما العز؟ قال: شدة العضد، وكثرة العدد، قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل، وإجابة السائل، قال: فما الغنى؟ قال: الرضى بما يكفي، وقلة التمني، قال: فما الرأي؟ قال: لب تعينه تجربة، قال له الملك: أوريت زناد بصيرتي، وأذكيت نار خبرتي، فاحتكم، قال: بكل كلمة هجمة من الإبل، قال هي لك.

قال الأصمعي: فقال لي الرشيد: ولك عندنا بكل كلمة بدرة، [قال]: فانصرفت بثمانين ألف درهم.

كتب بعض أهل العصر، وهو أبو بكر الخوارزمي إلى بعض إخوانه جواباً: قرأت كتابك العذب الموارد والمصادر، الحلو الأوائل والأواخر، الذي نثره غرر، ونظمه درر، ونشره مسك وعنبر، يقطر منه ماء الكتابة، وتنسم منه روائح البلاغة، وتهب من ألفاظه رياح الخطابة، وينطق عنه لسان الفصاحة، وقد شكرتني أيدك الله على قضاء حق لم يسعني إلا أن أقضيه، وعلى أداء دين لم يجز لي إلا أن أوفيه، وزعمت إني عرفتك من جهلك، ونبهت لذكرك من لم يكن انتبه لك، لا وحق الحق، فإنه الواجب على الخلق، ما رأيت أحداً لا يعرفك إلا منن لا يعرف القمر طالعاً، والفجر ساطعاً، والبرق لامعاً، والبحر زاخراً، والفلك دائراً، وهل يخفى على الناس النهار؟ وهل يستتر علم في رأسه نار؟ وقد شكرتك على هذا الشكر، فلا تعد لغيره آخر الدهر.

وله اعتذار عن تخلف المكاتبة:

أتاني مع الرُّكبانِ ظنٌّ ظننتهلففتُ له رأسي حياءً من المجد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

كتابي إلى مولاي أطال الله بقاءه، وحفظ به على الزمان بهاءه، وأدام عزه، وعلاه، وأراه في أوليائه، وأعدائه ما تمناه، وجعل الأيام إلى مطالبه سفراءه، والسعود بحاجاته كفلاءه، والأقدار غرماءه، وأنا من الحياء عليلٌ، ومن الشربة التي سقانيها ثقيل، وخماري منها عريض طويل.

ذكر سيدي أني قطعت مكاتبته تناسياً له وتهاوناً به وإعراضاً عنه، وجهلاً بما كان في يدي منه، وقد صدقته في الأولى، ولم أسلم له في الأخرى، أما المكاتبة فقد انقطعت، والمودة ما ضيعت، والعهد بمائه، وعلى صفائه، ولكن للأيام في قطع علائق الحبال، وأسباب الوصال، أفعالاً بعضها من ذنوب الإنسان، وبعضها من ذنوب الزمان، وقد أقررت التقصير، والتزمت تبعة الذنب بالمعاذير، فإن كنت أسأت حين قصرت، فقد أحسنت حين أقررت، وإن عققت لما لم أقم لمودة سيدي بعنايتها، ولم أرعها حق رعايتها، فقد أجملت لما وفرت عليه بسهمه الفضل، وخليت له في السبق الخصل، وبسطت لسانه بالعدل، فوضع قلمه كيف شاء من الملام، وركض على ما أراد من حلبة الكلام، فلولا أنه وجد بجنابي تراباً لما تمرغ، ولولا أنني أجررته بإساءتي رسن البلاغة لما أبلغ.

وله استبطاء:

يا أطيبَ النَّاس ريقاً غير مختبرإلا شهادةَ أطرافِ المساويكِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»
قد زرتنا مرةً في الدَّهرِ واحدةًعودي ولا تجعليها بيضة الدِّيكِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»

زارني أيده الله نصف زورة، ثم هجرني مدة فترة، فليت شعري ما الذي أنكر من أحوالي، وما الذي سخط من أفعالي وأقوالي، فأقلع عنه، وأتوب منه، ما أحب يا سيدي أن تكون خفيف ركاب الملال، قصير خطوة الوصال، لا يدوم لإخوانه على حال، وهذا وهو بالأمس يعلم إخوانه كيف يرب الود، وكيف يحفظ العهد، وكيف يرعى الغيب، وكيف يراض على الوفاء القلب، وما أتهم عليه غير عيني، فإني قد أصبته بها، فأبعدته بسببها، فمن ألون وأنا المشكو الشاكي، وبم أتداوى وأنا المرمي الرامي، سقى الله ليالي لقيت فيها سيدي، فلقد كانت قليلة، إلا أنها كانت جليلة وقصيرة، لكن حسرات فقدها طويلة، وأظنني لم أشكر عليها الدهر فسلبنيها، ولم أعرف قدر النعمة فأدبني فيها (شعر):

قلبتُ لها ظهرَ الزَّمانِ وبطنهفلم ألق من أيامها عوضاً بعدُ

وإني لأخشى أن أتعلم من سيدي السلوة، وأن أقارضه الجفوة، فيعديني بدائه، ويغريني بقلة وفائه، فيجمع علي ألم الفراق، ويسلبني كرم التلاق، وإنما القلوب عيون تتراءى، ووجوه تتلاقى، وتجار تتبايع وتتشارى.

ومن شعره قوله:

ما أثقل الدهرَ على منْ ركبهْحدَّثني عنهُ لسانُ التجربة
لا تحمدِ الدَّهر لشيءٍ سبَّبهفإنه لم يتعمد للهبه
وإنما أخطأ فيك مذهبهكالسَّيلِ إذ يسقي مكاناً خربه

والسُّمُّ يستشفي به من شربه

وكان رافضياً غالياً، في مرتبة الكفر عالياً، أخبرني من رآه بنيسابور، وقد كظه الشراب فطلب فقاعاً فلم يجده فقال: لعن من قال

إذا أَعوزَ الفقَّاع لمّا طلبتههجوتُ عنيقاً والدَّلامَ ونعثلا

فإذا كان يهتف بهذه الجملة لغير علة، فكيف به مع تقريع العلل، وتوسيع الأمل، ممن يطابقه على كفره، ويوافقه على شره.

وكان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف ببديع الزمان قد اشرقه بريقه، ووعر عليه السهل من طريقه، وسأطلع إليك فيما بعد إن شاء الله مما جرى بينهما قطعة، وألمع لك في أخبارهما بلمعة، فرماه الخوارزمي ببغض عليٍّ رضوان الله عليه، وأغرى به الطالبيين فقال البديع:

يقولونَ لي ما تحبُّ الوصيَّ؟فقلت: الثرى بفم الكاذب
أحبُّ النبيَّ وآل النبيِّوأختص آلي أبي طالب
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقولون لي ما تحب النبي»
وأعطي الصحابة حقَّ الولاءوأجري على سنن الواجب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
فإن كان نصباً ولاءُ الجميعفإني كما زعموا ناصبي
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
وإن كان رفضاً ولاء الوصيِّفلا برح الرفض من جانبي
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
فلله أنتم وبهتانكمولله من عجب عاجب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
يرى الله سري إذا لم تروهُفلمْ تحكمون على الغائبِ؟
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
فإن كنتمُ من ولاةِ الوصيِّعلى العجب كنتُ على الغاربِ
أعزُّ النبيَّ وأصحابهفما المرءُ إلاَّ مع الصاحب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
أيرجو الشَّفاعة من سبَّهمْبل المثلُ السُّوء للضارب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
حنانيكَ من طمع باردٍولبَّيكَ من أمل كاذب
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «يقولون لي لا تحب الوصي»
يوقَّى المكاره قلب الجبانِوفي الشُّبهان يدُ الحاطب

لفظة الوصي استعملها الشيعة بدعواهم فكثر بها نطق من سواهم.

وقال أبو بكر الخوارزمي:

عليكَ بإظهارِ التجلُّدِ للعداولا تظهرنَّ منك الذُّبول فتحتقرا
ألستَ ترى الرَّيحانَ يشتُّم ناضراًويُطرحُ في الميضاةِ إمّا تغيَّرا

ومن شعره أيضاً:

لا تصحب الكسلانَ في حاجاتهكم صالحٍ بفساد آخر يفسد
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «لا تصحب الكسلان في حاجاته»
عدوى البليدِ إلى الجليدِ سريعةكالجمرِ يوضع في الرَّمادِ فيخمد
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «لا تصحب الكسلان في حاجاته»

وهكذا كقول الوكيعي:

لا تُلفينَّ مقارناًمن لا يزينكَ في الصِّحاب
فالثوب ينفضُ صبغهُفيما يليهِ مكن الثيابِ

وقال الخوارزمي لبعض أخوانه:

رأيتكَ إنْ أيسرت خيَّمت عندنالزاماًَ وإن أعسرتَ زرتَ لماما
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
فما أنتَ إلاّ البدرُ إن قلَّ ضوؤهأغبَّ وإن زاد الضياءُ أقاما
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا»

وأنشد أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ولم يسم قائله:

ولكنَّ الجواد يا أبا هشامٍنقيُّ الجيب مأمونُ المغيب
بطيءٌ عنك ما استغنيت عنهوطلاَّعٌ عليك مع الخطوب
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
إذا أمرٌ عراكَ حماك منهوعاد به على عطنٍ رحيب
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

قال: وهذا ضد قول الآخر:

وإذا دعوت أخا إخائكِ عند نائبةٍ تنوبُ
ألفيتهُ أحد الخُطوبِ إذا تتابعت الخطوبُ

والمعنى الأول كقول إبراهيم بن العباس الصولي:

أسدٌ ضارٍ إذا مانعتهوأبٌ برٌّ إذا ما قدرا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
يعرفُ الأبعدُ إن أثرى ولايعرفُ الأدنى إذا ما افتقرا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وإبراهيم بن العباس القائل:

أميلُ مع الذِّمام على ابن عمّيوآخذُ للصَّديقِ من الشقيق
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وإن ألفتني ملكاً مطاعاًفإنك واجدي عبد الصَّديق
أفرق بينَ معروفي ومنّيوأجمعُ بين ماليَ والحقوقِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

قال أبو محمد عبد الله بن درستويه النحوي: قال لي البحتري يوماً وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد، وسلكنا مسلكاً في المذاكرة: أشعرت أني سبقت الناس إلى قولي:

سقى الغيثُ أكنافَ الحمى في محلةٍإلى الحقفِ من رملِ الحمى المتقاودِ
ولا زال مخضرُّ في الرَّوضِ يانعٌعليه بمحمرٍّ من النَّورِ جاسدِ
يذكِّرني ريَّا الأحبَّةِ كلّماتنفَّسَ في جنحٍ من اللّيلِ باردِ
شقائقُ يحملنَ الندى فكأنَّهُدموعُ التصابي في خدودِ الخرائدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»
ومن لؤلؤٍ في الأقحوانِ منظَّمٍعلى نكتٍ مصفرَّةٍ كالفرائد
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»
كأنَّ يد الفتح بن خاقانَ أقبلتتليها بتلك البارقات الرَّواعدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»

فاستحسن بذلك المبرد استحساناً أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرطبة، والعبارة العذبة لأحد تقدمك، ولا تأخر عنك، فاعترته أريحية جربها رداء العجب، فكأنه أعجبني ما يعجب الناس من مراجعة الكلام، فقلت: يا أبا عبادة إنك لم تسبق إلى هذا، بل سبقك قولك: شقائقُ يحملن الندى.. البيت، سعيد بن حميد الكاتب في قوله:

عذب الفراق لنا قبيلَ وداعناثم اجترعناه كسمٍّ ناقعِ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
فكأنَّما أثرُ الدُّموعِ بخدِّهاطلٌّ سقيطٌ فوقَ وردٍ يانع

وشركك فيه صاحبنا أبو العباس الناشئ بما أنشدنيه آنفاً:

بكتْ للفراقِ وقد راعنيبكاءُ الحبيبِ لفقدِ الديارِ
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
كأنَّ الدُّموعَ على خدِّهابقيَّةُ طلٍّ على جُلَّنارِ
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وما أساء أبو الحسن علي بن العباس الرومي، بل أحسن في زيادته عليه إذ يقول:

لو كنتَ يومَ الوداعِ شاهدناوهنَّ يطفئنَ لوعةَ الوجدِ
لم ترَ إلاّ دموعَ باكيةٍتسفحُ من مقلةٍ على خدِّ
كأنَّ تلكَ الدموعَ قطرُ ندىًيقطرُ من نرجسٍ على ورد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما يوم بين الحبيب بالسعد»

وسبقك أبو تمام إلى الخروج فقال:

من كلِّ زاهرةٍ ترقرق بالنَّدىفكأنَّها عينٌ عليه تحدَّرُ
تبدو ويحجبها الجحيم كأنَّهاعذراءُ تبدو تارةً وتخفَّرُ
خلقٌ أطلَّ من الرَّبيع كأنَّهخلقُ الإمام وهديه المتيسّرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
في الأرضِ من عدلِ الإمام وجودهِومن النَّباتِ الغضّ سرجٌ توهر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
ينسى الربيعُ وما يروضُ وفعلهأبداً على مرِّ الليالي يذكر

فشق ذلك عليه، وحل حبوته [ونهض]، فكان آخر عهدي من مؤانسته وغلظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح في حالي عنده.

وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن يونس المصري في نحو أبيات البحتري الأول:

سقى الغيثُ أخيافَ اللوى كلّما سقىبصوبٍ من المزنِ الكنهورٍِهامل
إذا ضربتْ ريحٌ جمانَ سحابةٍغدا وهو حليٌ للرياض العواطلِ
به خفق برقٍ ليس بين جوانحٍوسواس رعدٍ ليس بين مفاصلِ
إذا كاد درُّ القطر يلمسُ نبتهُتلقَّاه درُّ النَّورِ بين الخمائل

وكان أبو الحسن لطيف الصنع، رهيف الطبع، متصرفاً في العلوم، مختصاً بأحكام النجوم، أنشدني له بعض المصريين يصف قينة:

غنَّت فأخفتْ صوتها في عودهافكأنَّما الصوتان صوتُ العودِ
غيداءُ تأمر عودها فيطيعهاأبداً ويتبعها اتّباعَ ودودِ
أندى من النُّوّارِ صبحاً صوتهاوأرقُّ من نشرِ الثَّنا المعهودِ
فكأنَّما الصوتان حين تمازجاماء الغمامة وابنة العنقودِ

وأنشدني له في غلام يهواه قوله:

يجري النسيمًُ على غلالةِ خدِّهوأرق منهُ ما يمرُّ عليهِ
ناولته المرآة ينظر وجههُفعكستُ فتنة ناظريهِ إليه

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نور الطرف ونور الظرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.