لم يبقَ بينَ الخَافِقَينِ أَديبُ
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لم يبقَ بينَ الخَافِقَينِ أَديبُ ... اِلاَّ لهُ بــــأَوابــــدي تَهــــذِيْــــبُ
أَخفيتُ عن فَطِنِ العقولِ فضيلةً ... نَمّتْ عليَّ كما يَنِمُّ الطِيْبُ
يَعدو عليها السّارقونَ كأَنَّها ... شَرخُ الشبابِ عدا عليهِ مَشِيْبُ
والدهرُ فيه عِبرةٌ لمجربٍ ... لو كانَ ينفعُ عندهُ التَّجرِيْبُ
يا دارُ بينَ الرقْمتينِ وبابلٍ ... شُقتْ عليكِ من السَّحَابِ جُيْوبُ
وأَجاد تربك وابلٌ متعهِدٌ ... من أَنْ تَروِّعه صباً وجنَوبُ
وصلتْ بلا رَمقٍ اليكَ لواغبٌ ... لهبوبهنَ على الرسومِ دَبْيبُ
باتت تلومُ على النَّزاهَةِ والغِنى ... عن كلِّ حبسٍ ما لهُ مَحسُوْبُ
انْ كانَ مُعطى النَّبلِ ممدوحاً به ... فالمستنيلُ بأخذهِ مَسبُوْبُ
واهاً لطيبِ العَيْشِ في ظلِّ الغِنى ... والعِــــزِّ لولا أَنَّهــــُ مــــوهــــوْبُ
لاِريَّ أَو تَروَى الصوارم والقنا ... فكم المطيُ من الحياضِ تَلُوْبُ
يا حبذا ماءُ الفراتِ لو انَّه ... يَشفي غليلَ الشاربِ المشروْبُ
في الموتِ من أَلمِ المذلَّةِ راحَةٌ ... انَّ الشَّقِيَّ حياتُه تَعذيْبُ
ولقد طعنتُ دُجى الظلامِ بِمَرجَمٍ ... يُغنيهِ عن اِدلاجهِ التَّأْويْبُ
ومغردٍ كالأُفعوانِ تَخَاله ... نشوانَ يَخفِقُ حولَه الأُركوْبُ
قد نالَ بالطلبِ العُلا وكأَنَّه ... يَخشى عليها الفوتَ فهو طَلوْبُ
واذا انتضاهُ السيرُ قالَ لعينِهِ ... يا عينُ مالكِ في الرقادِ نَصيْبُ
طلبُ السلامةِ بالرجال مُقَصِّرٌ ... ومَن السَّليمُ ويومُهُ مكتوْبُ
بَرَدَتْ على عضِّ الهَوانِ جلودُهم ... وأَخوكَ اِنْ لانَ الحديدُ صَليْبُ
حازَ الشجاعةَ والقناعةَ فاستَوى ... في عينهِ المكروهُ والمَحْبُوْبُ
وَعَصَى الملوكَ فَطاوَعته نَجيبةٌ ... غابَ الصَّديقُ وما تكادُ تَغِيْبُ
لبِسَتْ من الجَوزاءِ كل ودِيْقَةٍ ... ما يُستطاعُ شِهَابُها المَشْبُوْبُ
واذا تنبهَتِ الرياحُ تَنَفَّسَتْ ... فيها كما ينتفسُ المكْرُوْبُ
انَّ العِراقَ ولا أغشكَ ثَلَّةٌ ... قد نامَ راعيها فأينَ الذّيْبُ
بنيانها نهبُ الخرابِ وأَهلُها ... سوطُ العذابِ عليهم مَصبوْبُ
ملكوا وسامَهُمُ الدنيةَ معشرٌ ... لا العقلُ راضَهُم ولا التأديبُ
كل الفضائلِ عندهم مَرْذولةٌ ... والحرُّ فيهم كالسماحِ غَرِيْبُ
أَفلا فتىً يسمو الى حاجاتِه ... صُعداً كما يَترفَّعُ الالهُوْبُ
يدعو الى ظلِّ اللواءِ عصابةً ... كالنحلِ فارقَ بينَها اليَعْسُوْبُ
من كل أدبٍ فارسٌ متلبِبٌ ... يَعدو به متمطرٌ يَعبُوْبُ
قَرعوا ظَنابيبَ الركابِ وانما ... لبناتِ أَعوج يُقرعُ الظُنْبُوْبُ
واستودعوا كبدَ السماءِ عَجَاجَةً ... فوقَ المجرةِ ذَيلها مَسْحُوْبُ
أَينَ المنوهُ في الحقائقِ باسْمِهِ ... كافي الكفاةِ الواهبُ المرَهُوبُ
أَمْ ليسَ بعدَ أَبي شُجاعٍ طَالبٌ ... في هذهِ الدنيا ولا مَطْلُوْبُ
وَيُلمهَا فرصاً على أَمثالِها ... يَقوى الضَّعيفُ ويغلِبُ المَغْلُوْبُ
يا راكباً بلّغْ مجاورَ سَاوَةٍ ... أَنَّ الطريقَ مُدَيَّثٌ دعبُوبُ
وانفخْ لاسماعيلَ انْ لاقيتَه ... كلماتِ مَوجدةٍ لهنَّ نُدُوبُ
أَدعوكَ يا كافي الكفاةِ لِعِلَّةٍ ... أَعيتْ وليسَ لها سواكَ طَبِيبُ
ومعودةِ العوادِ مَجَّ سِبارَها ... جُرحٌ على أَيدي الأُساةِ رَحيبُ
يُجرى الربيعُ عِنانَ كلِّ مُغَاوِرٍ ... فيقولُ طاعَنَ بالاناةِ أَرِيبُ
فاذا أَناخَ القُرُّ قلنا حازمٌ ... بالغزوِ ينتظر الثلوجَ تذوبُ
كم تظلم الآمالَ وهي فسيحةٌ ... فيكم ويحمِلُ ظِلَعهُ المنكوبُ
قد طالما وأَبيكَ علَّلنا المُنى ... زمناً بقربكَ والرجاءُ حَبيبُ
فمتى أَراكَ من الحزونةِ ناصِلاً ... يَنجابُ عنك ضبابُها الغِرْبيبُ
تَهدي الجحافلَ حاسراً عن سُنَّةٍ ... تُغني عن البيضاءِ حينَ تغيبُ
لم يبقَ غيرُكَ في الزمانِ مُؤَمَّلٌ ... يُدعى لكشفِ مُلِمَّةٍ فَيجيبُ
نوهتَ باللقبِ الذي لقبتَه ... وسِواكَ نوه باسمِهِ التَّلقِيبُ
لا يكبرونَ عليكَ كثرةَ جمعِهم ... انَّ الجسورَ يخونُه المَرغُوبُ
سَوِّمْ جيادَكَ وارمهِ بنَظيرهِ ... تطمحْ اليكَ نواظرٌ وقُلُوبُ
ولقد بلوتَ الناسَ فيما رُمتَهُ ... فعلمتَ ما تُجزى به وتُثيبُ
هيهاتَ أَنْ يَخفى عليك مُواربٌ ... منهم وأَنتَ على القُلُوبِ رقيبُ
خلِّ الهُوينا للضعيفِ مطيةً ... انَّ الهُوينا ظهرُها مركوبُ
واعزمْ عزيمةَ فاتكٍ لم ينهَه ... عن همهِ التصعيدُ والتصويبُ
لا يبلغُ الغَايَاتِ الا نافِذٌ ... ماضٍ كعاليةِ القَناةِ نجيبُ
ملانُ من بُغضِ الحياةِ وحبِّها ... ينبي عليهِ الطبعُ والتركيبُ
وموزعٌ بينَ الفوارسِ رمحَهُ ... في كلِّ زورٍ منهم أُنبوبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التجريب: جرب: الجَرَبُ: مَعْرُوفٌ، بَثَرٌ يَعْلُو أَبْدانَ الناسِ والإِبِلِ. جَرِبَ يَجْرَبُ جَرَباً، فَهُوَ جَرِبٌ وجَرْبان وأَجْرَبُ، والأُنثى جَرْباءُ، وَالْجَمْعُ جُرْبٌ وجَرْبى وجِرابٌ، وَقِيلَ الجِرابُ جَمْعُ الجُرْبِ، قَال … (لسان العرب)
- الخافقين: خفق: الخَفْقُ: اضْطِراب الشَّيْءِ العَرِيض. يُقَالُ: راياتُهم تَخْفِق وتَخْتَفِقُ، وَتُسَمَّى الأَعلامُ الخَوافِقَ والخافِقاتِ. ابْنُ سِيدَهْ: خَفَقَ الفؤَاد والبرْق والسيفُ والرايةُ وَالرِّيحُ وَنَحْوُهَا يَخْفِقُ ويَخْ … (لسان العرب)
- الرسوم: رسم: الرَّسْمُ: الأَثَرُ، وَقِيلَ: بَقِيَّةُ الأَثَر، وَقِيلَ: هُوَ مَا لَيْسَ لَهُ شَخْصٌ مِنَ الْآثَارِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا لَصِقَ بالأَرض مِنْهَا. ورَسْمُ الدَّارِ: مَا كَانَ مِنْ آثَارِهَا لَاصِقًا بالأَرض، وَالْجَمْع … (لسان العرب)
- السارقون: سرق: سَرَق الشَّيْءَ يسْرِقه سَرَقاً وسَرِقاً واستَرَقَه؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وَأَنْشَدَ: بِعْتُكَها زانِيةً أَوْ تَسْتَرِقْ، ... إنَّ الخبيثَ للخبيثِ يَتَّفِقْ اللَّامُ هُنَا بِمَعْنَى مَعَ، وَالِاسْمُ السَّر … (لسان العرب)
- تربك: ترب: التُّرْبُ والتُّرابُ والتَّرْباءُ والتُّرَباءُ والتَّوْرَبُ والتَّيْرَبُ والتَّوْرابُ والتَّيْرابُ والتِّرْيَبُ والتَّرِيبُ، الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، كُلُّهُ وَاحِدٌ، وجَمْعُ التُّرابِ أَتْرِبةٌ وتِرْبانٌ، عَنِ اللِّح … (لسان العرب)
- تروعه: ترع: تَرِعَ الشيءُ، بِالْكَسْرِ، تَرَعاً وَهُوَ تَرِعٌ وتَرَعٌ: امتَلأَ. وحَوْضٌ تَرَعٌ، بِالتَّحْرِيكِ، ومُتْرَعٌ أَي مَمْلوء. وكُوزٌ تَرَعٌ أَي مُمْتَلِئ، وجَفْنة مُتْرَعة، وأَتْرَعه هُوَ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ: وافْتَرَشَ … (لسان العرب)
- تلوم: تلم: التَّلَمُ: مشَقُّ الكِراب فِي الأَرض، بِلُغَةِ أَهل الْيَمَنِ وأَهل الغَوْر، وَقِيلَ: كُلُّ أُخْدُودٍ مِنْ أَخاديد الأَرض، وَالْجَمْعُ أَتْلامٌ، وَهُوَ التِّلامُ وَالْجَمْعُ تُلُم، وَقِيلَ: التِّلامُ أَثَرُ اللُّومَ … (لسان العرب)