من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
٦٥ وقال دريد بن الصمة
واسم الصمة معاوية الأصغر بن الحارث بن معاوية بن بكر بن علقمة بن جداعة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان.
قال أبو عبيدة: غزا عبد الله بن الصمة، أخو دريد بن الصمة، [ومعه دريد] غطفان، فأصاب منهم إبلاً [عظيمة]، فاستاقها واطردها. فقال [له] دريد: [النجاءٍ]، إليك، فإنك قد ظفرت [فأبى عليه. وقال]: لا أبرح حتى أنتقع نقيعتي. والنقيعة: ناقة تنحر وسط الإبل، ثم يقسمها الرئيس على أصحابه. فأقام عبد الله وعصى أخاه. فتبعته فزارة،
فقاتلوه، فقتل عبد الله وارتث دريد في القتلى. فلما كان في بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: إني أرى عينه تبص. فنزل إلى سبته، فإذا هي ترمز، فقال: أعد عليه، قبحه الله، ثم طعنه طعنةً، خرج بها دمٌ، كان قد احتقن. قال دريد: فأفقت عندها. فلما جاوزا نهضت، فما شعرت إلا وأنا بين عرقوبي جمل امرأةٍ، من هوازن. فقالت: من أنت؟ أعوذ بالله منك، ومن شرك. قال: لا بل من أنت، ويلك؟ قالت: أنا امرأة من هوازن. قال دريد: وأنا من هوازن. أنا دريد بن الصمة. وكانت المرأة في قوم مجتازين، لا يشعرون بالوقعة. فضمته، وعالجته، فأفاق.
فلما كان من العام المقبل أتاهم [بالصلعاء، فقتل] ذؤاب بن أسماء. فلما أقبلت [فزارة قال للربيء: انظر]، ما ترى؟ قال: أرى [خيلاً، عليها رجالٌ، كأنهم صبيان، أسنتها عند آذان خيولها]. قال: هذه فزارة. ثم قال: انظر، ما ترى؟ قال: أرى خيلاً عليها رجالٌ، كأنما غمست في الجسد. قال: هذه أشجع، لا تنثني. ثم قال: انظر،
ما ترى؟ قال: أرى رجالاً يجرون رماحهم، سوداً، يخدون الأرض بأقدامهم. قال: هذه عبس. فاقتتلوا، فكان الظفر لهوازن. وقتل دريد ذؤاب بن أسماء، ونفاهم عن الصلعاء. فذلك قوله في عصيان عبد الله أخيه وقومه له، ويرثي عبد الله أخاه.
قال أبو عبيدة: وكان لعبد الله ثلاثة أسماء، وثلاث كنى. فأسماؤه: عبد الله وخالد ومعبد. وكناه: أبو فرعان، وأبو ذفافة، وأبو أوفى.
أرث جديد الحبل، من أم معبدبعاقبةٍ، وأخلفت كل موعدِ
"أرث": صار رثاً. والرث: الخلق من كل شيء.
وبانت، ولم أحمد إليك نوالهاولم ترج فينا ردة اليوم، أو غدِ
"ترج" ههنا [تخف]، كقول الشاعر:
لعمرك ما أرجو، إذا [مت] طائعاً،على أي جنبٍ كان، لله، مصرعي؟
وقال الآخر:
إذا لسعته الدبر لم يرج لسعهاوخالفها، في بيت نوبٍ، عوامل
يقول: لم تخف عودة الأيام لنا عليها. "نوالها": عطيتها. و"الردة": الرجوع. يقول: لم ترج أن يكون بيننا عطفةٌ في اليوم، أو غد.
من الخفرات، لا سقوطاً خمارهاإذا برزت، ولا خروج المقيد
وكل تباريح المحب لقيتهسوى أنني لم ألق حتفي، بمرصد
وأني لم أهلك خفاتاً، ولم أمتخفاتاً، وكلاً ظنه بي عودي
كأن حمول الحي، إذ تلع الضحىبناصفة الشجناء، عصبة مذودِ
"الحمول" الإبل بما عليها. و"تلعٌ": ارتفع. و"الناصفة" كالرحبة، تكون في الوادي. ويروى: "السحناء".
أو الأثأب العم، المحزم سوقه
بكابة، لم يخبط، ولم يتعضدِ
"الأثأب": شجر يشبه الأثل. و"العم": الطوال. ويقال: نخلة عميمة ونخيل عم. و"المحزم" يعني: الغلاظ. يقال بعيرٌ أحزم: غليظ المحزم. وقوله "لم يخبط" الخبط: أن يضرب الشجر، ليتحات الورق. "لم يتعضد": لم يقطع. يقال: سيف معضد: [سيف قصير يمتهن] في قطع الشجر. والعضد: ما قطع [من] الشجر. وكذلك الخبط: ما سقط من الورق. والعضد: ما قطع [من] الشجر. وكذلك الخبط: ما سقط من الورق.
أعاذل، إن الرزء في مثل خالدٍولا رزء فيما أهلك المرء، عن يدِ
وقلت لعارضٍ، وأصحاب عارضٍورهط بني السوداء، والقوم شهدي
علانيةً: ظنوا، بألفي مدججٍسراتهم في الفارسي، المسردِ
قال أبو عبيدة: صير "الظن" يقيناً. وقال غير أبي عبيدة: معناه: ما ظنكم بألفي مدجج، أترونهم يدعونكم؟ و"الفارسي": نسبة على العجم. و"المسرد": المعمول، الذي قد أصلح. ويروى: "بألفي مقاتلٍ".
فما فتئوا حتى رأوها مغيرةًكرجل الدبى، في كل ربعٍ، وفدفدِ
وقلت لهم: إن الأحاليف هذهمطنبةٌ، بين الستار، وثهمدِ
ولما رأيت الخيل قبلاً، كأنهاجراد، تبارى وجهة الريح، مغتدي
أمرتهم أمري، بمنعرج اللوىفلم يستبينوا الرشد، إلا ضحى الغدِ
"القبل": جمع أقبل. وهو الذي تميل حدقته إلى ماقه. وذلك أنه يعترض، من النشاط، فيميل نظره إلى جانب.
فلما عصوني كنت منهم، وقد أرىغواتهم، وأنني غير مهتدي
وما أنا إلا من غزية، إن غوتغويت، وإن ترشد غزية أرشد
دعاني أخي، والخيل بيني وبينهفلما دعاني لم يجدني بقعدد
أخي، أرضعتني أمه، بلبانهابثدي صفاء، بيننا، لم يجددِ
"لم يجدد": لم يقطع. يقال: جد ثدي أمه، إذا دعي عليه بالقطع. ويقال: هو أخوه بلبان أمه.
فجئت إليه والرماح تنوشهكوقع الصياصي في النسيج، الممددِ
"تنوشه": تناوله. و"الصياصي": القرون. الواحد: صيصية. والصياصي في غير ذا: الحصون.
فكنت كذات البو، رعت، فأقبلتإلى خذمٍ، من جلد سقبٍ، مجلدِ
ويروى: "إلى قطع". و"البو": أن يسلخ الحوار، ثم يحشى
جلده، فيعطف عليه. "مجلد" سلخ جلده، فجعل على آخر، وهو الجلد. و"الخذم": القطع فيقول: أنا أنحنن عليه تحنن هذه الناقة.
فطاعنت عنه الخيل، حتى تنهنهتوحتى علاني حالك اللون، أسود
طعان امرئٍ، آسى أخاه بنفسهويعلم أن المرء غير مخلد
تنادوا فقالوا: أردت الخيل فارساًفقلت: أعبد الله ذلكم الردي؟
فإن يك عبد الله خلى مكانهفلم يك وقافاً، ولا طائش اليد
ولا برماً، إذا الرياح تناوحتبرطب العضاه، والصريع، المعضدِ
"البرم": الذي لا يدخل، مع القوم، في الميسر. وجمعه أبرام. وقوله "تناوحت" أراد: تقابلت. و"العضاه": كل شجر يعظم له شوكٌ. و"الصريع": ما صرعته الريح، أي: ألقته. و"المعضد": المقطع. والمعضد: شيفٌ قصير يقطع به الشجر.
وتخرج منه صرة القوم جرأةًوطول السرى ذري عضبٍ، مهندِ
"ذريه": وشيه وفرنده، كأنه أثر ذرٍ.
كميش الإزار، خارجٌ نصف ساقهصبورٌ على العزاء، طلاع أنجدِ
أي: هو مشمر في الأمر. و"العزاء": الشدة. من قولك: عزه يعزه. والعزاز: الأرض [الصلبة]. وشاة عزوزٌ: ضيقة الإحليل، لا يكاد
يخرج لبنها إلا في شدة. ويقال للذي لا يزال يعلو على الأمر: إنه "لطلاع أنجد". و"النجد": ما ارتفع من الأرض. وجماعه أنجد ونجاد.
قليلاً تشكيه المهم، وحافظٌ،مع اليوم، أعقاب الأحاديث، في غدِ
يقول: يحفظ ما يتحدث به عنه في غد، فلا يتكلم بحديث قبيحٍ، فيتحدث عنه به.
إذا هبط الأرض، الفضاء، تزينتلرويته، كالمأتم، المتبددِ
رئيس حروب، لا يزال ربيئةًمشيحاً، على محقوقف الصلب، ملبدِ
أي: طليعةٌ تكفيهم ذاك. و"المشيح" في لغة تميم: المحاذر. وفي
لغة هذيل: الجاد. و"المحقوقف": المحدودب. و"الملبد": الذي يضرب، بذنبه، بوله وبعره، على فخذه، حتى يتلبد، يصير عليه لبدة.
وغارة بين اليوم والأمس، فلتةٍتداركتها، ركضاً، بسيدٍ عمردِ
"السيد": الذئب. شبه فرسه في سرعته به. "فلتة" أي: يفتلتها افتلاتاً قبل الليل، يبادر الشهر الحرام. و"العمرد": الطويل. وقال غير الأصمعي: العمرد: السريع.
سليم الشظى، عبل الشوى، شنج النساطويل القرا، نهدٍ، أسيل المقلدِ
"طويل القرا" عيبٌ. والقرا: الظهر. ولكنه أرادأ طويل. و"الشظى": عظم يكون في باطن الرسغ، لاصقٌ بالذراع، إذا تحرك قيل: عرق [يمتد من] باطن الفخذ إلى الحافر. فإذا قصر كان أصلب للدابة. وقوله "أسيل المقلد" أي: سهل العنق. والمقلد: موضع القلادة.
يفوت، طويل القوم، عقد عذارهمنيفٌ، كجذع النخلة، المتجردِ
"يفوته" من إشراف عنقه. و"المنيف" المشرف.
فكنت كأني واثقٌ، بمصدرٍيمشي، بأكناف الجبيب، فمحتدِ
"مصدر": أسد شديد الصدر. و"الجبيب ومحتد": موضعان.
له كل من يلقى، من الناس، واحداًوغن يلق مثنى القوم يفرح، ويزددِ
وهون وجدي أنني لم أقل له:كذبت، ولم أبخل بما ملكت يدي
يقول: لم أكذبه بشيء. ومعناه: أنا لم نفترق عن قلى، ولم أبخل عليه بشيء. فذلك ما هون وجدي.
فإن تعقب الأيام، والدهر، تعلموابني قاربٍ، أنا غضابى بمعبدِ
"تعقب الأيام: تكون لنا عقبى، أي: دائرة تدور عليهم. و"معبد" هو عبد الله أخوه. وروى الأصمعي: "فإن [تنسنا] الأيام" أي: تؤخرنا. قال: وأصله الهمز.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع