من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
١٠٢ وقال علقمة أيضاً
يمدح الحارث الغساني، أحد بني جفنة:
طحا بك قلبٌ، في الحسان، طروببعيد الشباب، عصر حان مشيبُ
"طحا" يقول: اتسع، وذهب بك كل مذهبٍ. ويقال: طحا: ارتفع. يقال: لا والقمر الطاحي. "عصر حان": حين حان.
يذكرني سلمى، وقد شط وليهاوحالت هناتٌ، دوننا، وخطوب
ويروى: "وعادت عوادٍ، بيننا وخطوب".
منعمةٌ، ما يستطاع طلابهاعلى بابها، من أن تزار، رقيبُ
وما القلب، أم ما حاصنٌ ربعيةٌيخط لها، من ثرمداء، قليبُ؟
"يخط لها" أي: يحفر لها قليبٌ، من ثرمداء.
إذا غاب، عنها، البعل لم تفشِ سرهوترضي إياب البعلِ، حين يؤوب
يقول: إذا غاب عنها بعلها آب، ولم يبلغه عنها ما يكره. يقال: آب "يؤوب" إياباً، إذا رجع.
فلا تعدلي بيني، وبين مغمرٍسقتك روايا المزن، حين تصوب
"المغمر": الذي قد غمرته الرجال.
سقاك يمانٍ، ذو حبي وعارضٍتهب له، جنح العشي، جنوب
فإن تسأليني، بالنساء، فإننيخبيرٌ، بأدواء النساء، طبيب
إذا قل مال المرء، أو شاب رأسه،فليس له في ودهن، نصيب
يردن ثراء المال، حيث علمنهوشرخ الشباب، عندهن، عجيب
قال: "شرخ الشباب": طريقته التي هو بها. يقال: هو في شرخ الشباب، أي: هو في نبات الشباب الأول. قال ذو الرمة:
سبحلاً، أبا شرخين ...
يريد: أنه أبو نتاجين، أي: نتاج بعد نتاج. وقال الآخر:
إن شرخ الشباب، والشعر الأسود، ما لم يعاص، كان جنونا
وناجيةٍ، أفن ركيب ضلوعهاوحاركها تهجرٌ، فدروبُ
"وناجية" يريد: ناقةً سريعةً. والنجاء: السرعة. و"ركيب ضلوعها": ما ركب ضلوعها، من اللحم.
وتصبح، عن غب السرى، وكأنهامولعةٌ، تخشى القنيص، شبوب
"مولعة" يعني: البقرة. و"القنيص": الصياد.
تعفق بالأرطى، لها، وأرادهارجالٌ، فبذت نبلهم، وكليب
لتبلغني دار امرئٍ، كان نائياًفقد قربتني، من نداه، قروب
"قروب" يقول: شيء قربني إليك. ويقال: قربت ذلك الأمر،
وإياه أقرب، وإياه أطلب، وإياه أريد. وقد قرب هو يقرب قرباً واقترب اقتراباً.
إلى الحارث الوهاب، أعملت ناقتيلكلكلها، والقصريين، وجيب
"وجيب" يقول: رعدةٌ. وقال آخرون: سقوطٌ. وفي كتاب الله ﷿: (فإذا وجبت جنوبها). وقال آخرون: إنها تنبض من السير.
إذا وردت ماءً، كأن جمامهمن الأجن حناءٌ، معاً، وصبيب
"الأجن": ما تأجن، أي: تغير، واخضر. فشبهه بالحناء. و"الصبيب": شجر بالحجاز، يصبغ به.
تراد، على دمن الحياض، فإن تعففإن المندى رحلةٌ، فركوب
"دمن الحياض": ما تدمن فيها، من البعر، والزبل.
إليك، أبيت اللعن، كان وجيفهاعلى طرقٍ، كأنهن سبوب
هداني إليك الفرقدان، ولاحبٌله، وسط أجواز المتان، علوب
يريد: اهتديت بالفرقدين، وبهذا الطريق اللاحب. قال زهير:
قد جعل المبتغون الخير في هرمٍوالسائلون، إلى أبوابه، طرقا
به جيف الحسرى، فأما عظامهافبيضٌ، وأما جلدها فصليب
يقول: بذلك الطريق من الحسرى، لبعده، جيف. وقوله "فأما
عظامها فبيض" يقول: إذا حال عليها الحول ابيضت. و"أما جلدها فصليب" يريد: ذا صليبٍ. والصليب: الودك. قال خفاف بن ندبة:
ومن النواعج رمةٌ وصليب
وأنت امرؤٌ، أفضت إليك أمانتيوقبلك ربتني، إليك، ربوب
قوله "ربتني" يقول: ملكتني ملوكٌ، في بعض الجنود.
ووالله، لولا فارس الجون منهملآبوا خزايا، والإياب حبيب
"فارس الجون" هو الملك الغساني. وهو الحارث بن جبلة، وهو الحارث الوهاب.
تقربه، حتى تغيب حجولهوأنت، لبيض الدارعين، ضروب
قوله "حتى تغيب حجوله" أي: في الدم.
مظاهر سربالي حديدٍ، عليهماعقيلا سيوفٍ: مخذمٌ، ورسوب
"عقيلة" كل شيء: خياره. "مظاهر سربالي حديد" يقول: عليه درعان، واحدة فوق واحدة.
فضاربتهم، حتى اتقوك، بخيرهموقد حان، من شمس النهار، غروب
ويروى: "حتى اتقوك بملكهم" أي: الذي جاء بهم.
ولم يبق إلا شطبةٌ، بلجامهاوإلا طمرٌ، كالقناة، نجيب
"الشطبة": الطويلة. و"الطمر": الوثاب الخفيف. وبه سمي البرغوث: طامر بن طامرٍ.
وإلا أخو حربٍ، كأن يمينهبما مس، من حد الظبات، خضيب
وقاتل، من غسان، أهل حفاظهاوهنبٌ، وقاسٌ قاتلت، وشبيب
تجود بنفسٍ، لا نجود بمثلهافأنت بها، يوم اللقاء، خصيب
كأن رجال الأوس، تحت لبانه،وما جمعت جل، معاً، وعتيب
تخشخش أبدان الحديد، عليهمكما خشخشت، يبس الحصاد، هبوب
رغا فوقهم سقب السماء، فداحضٌبشكته، لم يستلب، وسليب
"داحض": هو الذي يفحص برجله، ويدفع، وعليه سلاحه، لم يستلب بعد، وآخر قد سلب.
كأنهم صابت، عليهم، سحابةٌصواعقها، لطيرهن دبيب
يقول: تدع الطيران، وتعدو، من الفزع.
وما مثله، في الناس، إلا قبيلهمساوٍ، ولا دانٍ إليه، قريبُ
فأدت بنو بكر بن عوفٍ ربيبهاوغودر، من بعد الجنود، ربيب
وفي كل حيٍّ، قد خبطت، بنعمةٍفحق لشأسٍ، من نداك، ذنوبُ
"شأس": أخو علقمة، وكان الملك أسره فامتدحه علقمة، بهذه القصيدة، فأطلقه له.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع