من «لباب الآداب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
أقوال الشعراء امرؤ القيس بن حجر الكندي
هو أمير الشعراء بشهادةِ خيرِ الأنبياء محمد المصطفى صلواتُ الله عليه وعلى اَله الطيبين الأخيار، وذلك أنه ذكر عنده يوماً فقال ﷺ: " ذاك رجلٌ مذكورٌ في الدنيا مَنسيّ في الآخرة يجيءُ يوم القيامة وبيده لواءُ الشُعراء يقودُهم إلى النار ". فيروى أنّ كلاً من
لبيد وحسان بن ثابت قال: ليت هذه المقالة فيّ وأنا المدهدي فيها، فيقال: إن أمير الشعراء قوله من قصيدة:
البِرُّ أنجحُ ما طلبت بهوالبِزُ خير حقيبة الرجلِ
ومن أمثاله السائرة قوله فيِ القناعة والرضى باليسير عند تعذر الكثير:
إذا ما لم تكن إِبلٌ فمِعْزىكأنّ قرون جِلَّتِها العصيُّ
فتملأ بيتنا أقِطاً وسَمْناًوَحَسْبُكَ من غِنىً شِبَعٌ وَرِيُّ
ومما يضاد هذه الحالة من بُعد الهِمّة والسموّ إلى معالي الأمور قوله:
فَلَوْ أن ما أَسعَى لأدْنى مَعِيشَةٍكَفاني ولم أطلبْ قَليلٌ من المالِ
وَلَكِنَما أسْعَى لِمَجْدٍ مُؤثَّلٍوَقَدْ يُحرِكُ المَجْدَ المُؤثل أَمثالي
ومن أمثاله السائرة:
وَقاهُم جَدُّهم بِبَنِي أبيهِمْوبِالأَشْقَيْنِ ما حل العقابْ
وقوله:
أراهُن لا يُحْببنَ من قَل مالُهُولا من رَأينَ الشيبَ فيهِ وَقَوَّسا
ألا إن بَعدَ العُدْمِ للمَرْءِ قِنْوَةًوَبَعْدَ المَشِيبِ طولَ عُمرٍ وَمَلْبَسَا
وقوله:
وَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاق حَتّىرَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيابِ
وقوله:
إذا المَرْءُ لم يَخزُنْ عليه لِسَانَهُفَلَيسَ عَلَى شَيْءٍ سِواهُ بخَزّانِ
وقوله:
فإنك لَمْ يَفْخَرْ عَليكَ كعاجِزِضَعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ
وقوله:
وجرحُ اللسانِ كجُرحِ اليدِ
وقوله:
إنّ الشفاء على الأَشْقيْنِ مصبوبُ
ومن قلائده الفاخرة قوله في وصف الفرس، ولم يسبق إليه ولم يلحق فيه:
مِكَرٌ مِفرٌّز مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاًكجُلمودِ صَخْرٍ حَطَهُ الَسيلُ من عَلِ
لَهْ أيْطَلا ظَبْيٍ وَسَاقا نَعَامَةٍوَإِرْخاءُ سِرْحانٍ وتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
وقوله في طول الليل واستعارة أوصافه من الجمل الناهض بالحمل الثقيل:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُعليّ بأنواع الهُمومِ ليبتَلي
فقلت له لما تمطَّى بصُلبهوأردَفَ أعجازاً وناءَ بكَلكَل
ألا أيّها اللّيلُ الطويلُ ألا انْجَلِيبِصُبْح وما الإصْباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدَلُلوإن كنًتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فأجمل
وَإِنْ كنت قد ساءتَكِ مني خَلِيقَةفَسُلّي ثيابي من ثِيابكِ تَنْسُلِ
وَمَا ذَرَفَتْ عَيْناكِ إِلا َلِتَضْرِبيبِسَهمَيْكِ في أَعْشَارِ فَلْبٍ مُقَتَّلِ
لو قاله محدث في الزمان الرقيق لاستظرف ذلك منه، فكيف في مثل ذلك الزمان! وهو أول من شبه شيئين بشيئين في بيت واحد، حيث قال في وصف العُقاب:
كَأن قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويَابِساًلدى وَكْرِها العُنَابُ وَالخَشَفُ البالِي
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع