من «أحسن ما سمعت» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب الحادي والعشرون في المراثي والتعازي
من أحاسن المراثي قول ابن المعتز:
قد استوى الناس ومات الكمالوقال صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشهقوموا انظروا كيف تزول الجبال
وقول بعضهم:
عجباً للموت في تصريفهليس يحسو كأسه إلا خطير
يدع الأذناب ما يقربهاوعلى الهامات ما زال يدور
ومن أحاسن ما قيل في المقتولين قول ابن الرومي:
كسته القنا حلةً من دمٍفأضحت لدى الله من أرجوان
جزته معانقة الدارعينمعانقة القاصرات الحسان
وقول منصورٍ الفقيه في المراثي:
أقول وقد هدني قولهممضى ابن عقيل إلى ربه
لئن أشبه الناس في موتهفقد عاش دهراً بلا مشبه
ومن أحاسن ما قيل في مرثية المصلوب قول ابن الأنباري:
علو في الحياة وفي المماتلحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قامواوفود نداك أيام الصلات
كأنك قائمٌ فيهم خطيباًوكلهم قيامٌ للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاءًكمدهما إليهم بالهبات
أصاروا الجو قبرك واستنابواعن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعىبحراسٍ وحفاظٍ ثقات
وتشعل عندك النيران ليلاًكذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطيةً من قبل زيدٍعلاها في السنين الماضيات
وتلك قضيةٌ فيها تأسٍتباعد عنك تعيير العداة
أسأت إلى النوائب فاستثارتفأنت فتيل ثأر النائبات
وكنت تجير من صرف اللياليفعاد مطالبا لك بالتراب
ولو أني قدرت على قيامٍبفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافيونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسيمخافة أن أعد من الجناة
وما لك تربةٌ فأقول تسقىلأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترىبرحماتٍ غوادٍ رائحات
ومن أحاسن ما قيل في مرثية الولد قول العتبي:
دعوتك يا بني فلم تجنيفردت دعوتي بأسى عليا
بموتك ماتت اللذات عنيوكانت حيةً إذ كنت حيا
فيا أسفي عليك وطول شوقيإليك لو أن ذلك رد شيا
وقوله أيضاً:
أبعد الشمل والنعمة صيرت إلي القبر
فما يشهدك الأهلون إلا هيئة السفر
يزرونك في العيدين في الفطر وفي النحر
وقد كنت وكانوا لك في الألطاف والبر
وما تنزل من نحرولا توضع من حجر
فلما وقع اليأستناسوك على ذكر
وفي الأحشاء من ذكراك ما جل عن الصبر
ولآخر في ولدٍ صغيرٍ:
إن يكن مات صغيراًفالأسى غير صغير
كان ريحاني فقد أصبح ريحان القبور
من أحاسن التعازي قول أبي العتاهية:
اصبر لكل مصيبةٍ وتجلدواعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت مصيبةً تشجى بهافاذكر مصابك بالنبي محمد
وقول آخر متنازعٌ فيه:
إني أعزيك لا أني على ثقةٍمن الخلود ولكن سنة الدين
فما المعزي بباقٍ بعد تعزيةٍولا المعزى ولو عاشا إلى حين
وقول ابن المعتز:
لا تحزنن وقيت الحزن والألماولا عدمت بقاءً يصحب النعما
أليس قد قيل فيما لست تنكرهمن مكرمات الفتى تقديمه الحرما
يا شامتاً ببني وهبٍ وقد فجعوالا تشمتن بنقصٍ زادهم كرما
ومن الأمثال السائرة في التعازي:
أحسن عزاءك عن أخيك فإنماسلك الزمان به سبيل الناس
وقال مؤلف الكتاب للأمير أبي العباس:
قل للمليك الأجل قدرالا زلت بدراً تحل صدرا
إني أعزيك عن عزيزٍكان لريب الزمان عذرا
وكان طهراً فصار أجراًوكان ظهراً فصار ذخرا
أحسن ما قيل في التعزي عن الميت:
يعزي المعزي ثم يمضي لشأنهويبقى المعزى في أحر من الجمر
ويسلو المعزى في ليالٍ قلائلٍويبقى المعزى عنه في ظلمه القبر
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع