من «أحسن ما سمعت» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب الخامس عشر في الشباب والشيب
أحسن ما قيل في مدح الشباب قول هارون بن المنجم:
أعط الشباب نصيبهما دمت تعذر بالشباب
وانعم بأيام الصباواخلع عذارك في التصابي
ومما يليق بهذا الفصل قول السري:
قم فانتصف من صروف الدهر والنوبواجمع بكأسك شمل اللهو والطرب
فالعيش في ظل أيام الصبا فإذافارقت غصن الشباب الغص لم يطب
جريت في حلبة الأهواء مجتهداًوكيف أقصر والأيام في طلبي
ومن أحسن ما قيل في حلول الشيب قبل وقته قول ابن المعتز:
صدت شرين وأزمعت هجريوصغت ضمائرها إلى الغدر
قالت: كبرت وشبت، قلت لها:هذا غبار وقائع الدهر
ولغيره:
أفي أربع من بعد عشرين عشتهاطلوع مشيبٍ إن ذا لعجيب
ولا غروَ لَو لاقى الذي قَد لقيتهغرابٌ لقَد كانَ الغرابُ يشيبُ
ومن أبلغ ما قيل في التأسف على الشباب قول منصورٍ:
ما تنقضي حسرةٌ مني ولا جزعإذ ذكرت شباباً ليس يرتجع
ما كنت أوفي شبابي كنه عزتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
أبكي شباباً سلبناه وكان ومايوفي بقيمته الدنيا وما تسع
ومما قيل في التأسف على الشعر الأسود:
وكنت إذا سرحت بالمشط عارضيرأيت سحيق المسك بين يديا
فصرت إذا خللته بأصابعيتناثر كافورٌ بهن عليا
ومن أحاسن بعضهم:
وأنكرت شمس الشيب في ليل لمتيلعمرك ليلي كان أحسن من شمسي
كأن الصبا والشيب يطمس نورهعروس أناسٍ مات في ليلة العرس
ومما قيل في كراهة النساء الشيب:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضيفأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن إذا أنصرنني أو سمعن بيجرين فقرعن الكوى بالمحاجر
وقول ابن المعتز:
تولى الجهل وانقطع العتابولاح الشيب وافتضح الخضاب
لقد أبغضت نفسي في مشيبيفكيف تحبني الخود الكعاب
وقول بعضهم:
ولقد رأيت صعيرةًمسحت عذاري بالخمار
قالت غبارٌ قد علاك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملوك إلى القبور من الديار
وقول ابن المعتز:
يا ذا الذي كتم المشيب وقد فشاقل لي متى سقط الغراب عليكا
وقول الصاحب:
ما بال وسنى عرضتنيعند شيبي للأذى
تقول بعداً بعدماكانت تقول حبذا
وكنت كحل عينهافصرت فيها كالقذى
وقول أبي الفتح البستي في ذم الشيب:
دع دموعي يسلن سيلاً بداراوضلوعي يصلين بالوجد نارا
قد أعاد الأسى نهاري ليلاًمذ أعاد المشيب ليلي نهارا
ومن أحسن ما قيل في قص الشيب قول البحتري:
شعراتٌ أقصهن ويرجعن رجوع السهام في الأغراض
وقول ابن المعتز:
ألست ترى شيبا برأسي شاملاًونت حيلتي عنه وضاق به ذرعي
كأن المقاريض التي تعتورنهمناقير طيرٍ ينتقي سنبل الزرع
وقال الأمير أبو الفضل الميكالي: [مجزور الرجز]:
أحسن أيام الفتىما قيل عنها حدث
شبابه من فضةٍوالشيب فيها خبث
ومما قيل في إنذار الشيب بالموت قول محمودٍ:
الشيب إحدى الموتتين تقدمتإحداهما وتأخرت أخراهما
وكأن من حلت به صغراهمايوماً فقد حلت به كبراهما
وقال ابن المعتز:
يا خاضب الشيب بالحناء تسترهسل الإله له ستراً من النار
لن يرحل الشيب عن دارٍ يلم بهاحتى يرحل عنها صاحب الدار
وقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
تضاحكت لما رأتشيبا تلالا غرره
وقد رأت دمعي علىخدي تجري درره
قلت لها لا تعجبيأنبيك عندي خبره
هذا غمامٌ للردىودمع عيني مطره
وقال غيره:
من شاب قد مات وهو حييمشي على الأرض مشي هالك
وقول مؤلف الكتاب:
أبا منصورٍ المغرور أقصروأبصر طرق أصحاب الرشاد
ألست ترى نجوم الشيب لاحتوشيب المرء عنوان الفساد
ومن أحسن ما قيل في الإشفاق من الشيب قول مسلم:
الشيب كره وكرهٌ أن يفارقنيفاعجب لشيءٍ على البغضاء مودود
يمضي الشباب وقد يأتي له خلفٌوالشيب يذهب مفقوداً بمفقود
وقول أبي الفتح البستي في مثله:
يا شيبتي دومي ولا تترحليوتيقني أني يوصلك مولع
قد كنت أجزع من حلولك مرةًفالآن من حذر ارتجاعك أجزع
وقال غيره:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الله فالشيب زينةٌ ووقار
إنما تحسن الرياض إذا ماضحكت في خلالها الأنوار
من أحسن ما قيل في الرد على عائب الشيب:
وعائبٌ عابني بشيبٍلم يعد لما أقام وقته
فقل لمن عابني سفاهاًيا عائب الشيب لا بلغته
ولابن المعتز:
وقالوا النصول مشيبٌ جديدٌفقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذافإن عاد هذا فهذا يعود
وظرف ابن الرومي قي قوله:
يا أيها الرجل المسود شعرهكيما يعد به من الشباب
أقصر فلو سودت كل حمامةٍبيضاء ما عدت من الغربان
وله أيضاً:
بكيت من الشيب حتى ضجرتوقد دب في عارضي واشتعل
وسود وجهي فسودتهفعلت به مثل ما قد فعل
ولم أر في آثار الكبر أحسن من قول ابن المعتز:
لا تلم بالمدام مطلي وحبسيليس يومي يا صاحبي مثل أمسي
لا تسلني وسل مشيبي عنيمذ عرفت الخمسين أنكرت نفسي
وقول بعضهم:
المرء مثل هلالٍ حين تبصرهيبدو لعيني صعيفاً ثم يتسق
يزداد حتى إذا ما تم أعقبهكر الجديدين نقصاً ثم ينمحق
وظرف من قال:
لم أخضب الشيب للغوانيلأبتغي عندها الودادا
لكن خضابي على شبابيلبسته بعده جدادا
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع