من «أحسن ما سمعت» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب السادس عشر في مكارم الأخلاق وفي المدائح
قال بعض الأئمة: أمدح بيتٍ للعرب قول زهيرٍ:
تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
وكان الأستاذ الطبري يقول: أمدح بيتٍ للبحتري قوله:
دنوت تواضعاً وعلوت مجداًفشأناك: انحدارٌ وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامىويدنو الضوء منها والشعاع
وللوأواء:
من قاس جودك بالغمام فماأنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحكٌ أبداًوهو إذا جاد دامع العين
وقال المتنبي:
فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
وقوله أيضاً:
ليس التعجب من مواهب مالهبل من سلامتها إلى أوقاتها
عجبا له حفظ العنان بأنملٍما حفظها الأشياء من عاداتها
ذكر الأنام لنا، وكان قصيدةًكنت البديع الفرد من أبياتها
وقوله أيضاً:
الناس ما لم يروك أشباهوالدهر لفظٌ وأنت معناه
والجود عينٌ وأنت ناظرهاوالبأس باعٌ وأنت يمناه
إن كان فيما نراه من كرمٍفيك مزيدٌ، فزادك الله
وليس لقول كشاجم شبيهٌ:
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذمن شر أعينهم بعيبٍ واحد
ومن أحسن ما قيل في الجود قول البحتري:
ملكٌ أطاعته العلى فأطاعهافي ماله وعصى على عذاله
وقوله أيضاً:
ولست أدري أي آياتهأحسن إن عددها الشعر
أوجهه الواضح أم حلمه الراجح أم نائله الغمر
و قوله أيضاً:
أفدي نداك قرب يومٍ جاءنيعفوا يقود لي الغنى بزمامه
وإذا أردت لبست منك مواهباًينشرن نشر الورد من أكمامه
ومن غرر أبي بكرٍ العلاف قوله لعضد الدولة:
يا علم العالم في الجودمثلك جوداً غير موجود
بل استوى الجود على جرمهكما استوى الفلك على الجودي
قال بعضهم في الكرم:
وإذا الكريم نبت به أيامهلم ينتعش إلا بعون كريم
فأعلن على الخطب العظيم فإنهيرجى العظيم لدفع كل عظيم
ومن أحسن قول أبي فراسٍ الحمداني:
ويدعى كريماً من يجود بمالهومن يبذل النفس الكريمة أكرم
وقال أبو تمامٍ في الشجاعة:
وإذا رأيت أبا يزيدٍ في ندىووغى ومبدي غارة ومعيدا
يقري مرجيه مشاشة مالهوشي الأسنة ثغرةً ووريدا
أيقنت أن من السماح شجاعةًتدمي وأن من الشجاعة جودا
وقال المتنبي:
وكل شجاعةٍ في المرء تغنيولا مثل الشجاعة في الحكيم
ومن أحسن ما قيل في مدح الشجاع قوله:
شجاعٌ كأن الحرب عاشقةٌ لهإذا زارها فدته بالخيل والرجل
ومن أحسن ما قيل في مدح الحلم:
أرى الحلم في بعض المواطن ذلةًوفي بعضها عزاً يسود فاعله
وأحسن ما سمعت في ترك الحلم بعد الإعذار قول الحسن بن الضحاك:
أتاني منك ما ليسعلى مكروهه صبر
فأغضيت على عمدٍوقد يغضي الفتى الحر
وأدبتك بالهجرفما أدبك الهجر
ولا ردك عما كان منك الصفح والزجر
فلما اضطرني المكروه واشتد بي الأمر
تناولتك من سريبما ليس له قدر
فحركت جناح الذلل لما مسك الضر
إذا لم يصلح الخير امرأً أصلحه الشر
وهو من قول بعضهم:
وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
وفي الشر نجاةٌ حين لا ينجيك إحسان
ومن أحسن ما سمعت في التواضع قول بعضهم:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدةٍوإن عظموا للفضل إلا صنائع
أرى عظماء الناس للفضل خشعاًإذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعةًفكل رفيعٍ عنده متواضع
قال القطامي في التأني:
قد يدرك المتأني بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
ثم قال بعد ذلك:
وربما فات قوماً بعض أمرهممن التأني وكان الحزم لو عجلوا
ومن أحسن ما قيل في الصدق قول محمودٍ:
الصدق حلوٌ وهو المروالصدق لا يتركه الحر
جوهرة الصدق لها جوهريحسدها الياقوت والدر
وأحسن ما سمعت في الذنب والعفو قول بعضهم:
تبسطنا على الآثام لمارأينا العفو من ثمر الذنوب
وأحسن ما سمعت في القناعة قول ابن طباطبا العلوي:
كن بما أوتيته مقتنعاًتستدم عسر القنوع المكتفي
إن في نيل المنى وشك الردىوهلاك المرء في ذا السرف
وقول الآخر:
اقتنع بالقوت واجعلكل أيامك طاعه
ما أرى الدنيا تساويعند حر غم ساعه
ولا مزيد على قول البرقعي في ذم القناعة:
رأت عز ما بي وفرط انكماشيوطول التململ فوق الفراش
وقالت أراك أخا همةٍستبلغها فترى ذا انكماش
فهلا فنعت ولم تغتربفقلت القناعة طبع المواشي
ومن أحسن ما قيل في الحياء:
إذا لم تخش عاقبة اللياليولم تستحي فافعل ما تشاء
فلا والله ما في العيش خيرٌولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ومن أحسن ما قيل في الرفق قول بعضهم:
لم أر مثل الرفق في يمنهيستخرج العذراء من خدرها
من يستعن بالرفق في أمرهيستخرج الحية من جحرها
ومن أحسن ما قيل في المداراة قول أبي سليمان:
ما دمت حيا فدار الناس كلهمفإنما أنت في دار المداراة
دنياك ثغرٌ فكن منها على حذرٍفالثغر مثوى مخافات وآفات
ومن أحسن ما قيل في علو الهمة قول ابن طباطبا العلوي:
له همةٌ إن قست فرط علوهاحسبت الثريا في قرار قليب
وأحسن منه قول الآخر:
له همم لا منتهى لكبارهاوهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحةٌ لو أن معشار جودهاعلى البر كان البر أندى من البحر
من أحسن ما قيل في التقوى قول الشاعر:
أحسن بربك ظنافإنه عند ظنك
واجعل من الله حصناًفإنه خير حصنك
ومن أحسن ما قيل في كتمان السر قول أبي الفتح:
إذا خدمت الملوك فالبسمن التوقي أعز ملبس
وكن إذا ما دخلت أعمىوكن إذا ما خرجت أخرس
ومن أحسن ما قيل في التوسط في الأمور:
عليك بأوساط الأمور فإنهانجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعبا
وأحسن ما قيل في الهيبة قول بعضهم:
يغضي حياءً ويغضى من مهابتهفما يكلم إلا حين يبتسم
ومن أحسن ما قيل في مدح الوالي قول مسلم:
إنما كنا كأرضٍ ميتةٍليس للزائر فيها منتظر
فحيينا بك إذ وليتناوكذاك الأرض تحيا بالمطر
وقال علي بن جبلة:
دجلة تسقي وأبو غانمٍيطعم من تسقي من الناس
الناس جسمٌ وإمام الهدىرأسٌ وأنت العين في الراس
ولعلي بن الجهم:
يا بني طاهر حللتم من الناس محل الأرواح في الأجسام
وإذا رابكم من الدهر ريبٌعم ما خصكم جميع الأنام
ولابن الرومي:
كل الخلال التي فيكم محاسنكمتشابهت منكم الأخلاق والخلق
فأنتم شجر الأترج طاب معاًحملاً ونوراً وطاب العود والورق
أحسن ما سمعت في طبيب فصادٍ قول كشاجم:
الحمد لله قد وجدت أخالست بذا الدهر مثله واجدا
أسكن في صحتي إليه فإنمرضت كان الطبيب والعائد
أحنى على كل من يعالجهمن الشقيق الشقيق والوالد
يعلم من قبل أن تخاطبهما أنت من كل علةٍ واجد
كأنما تحت ما يجس بهفلب دليلٍ وناظرٍ رائد
كأنما طرفه لمبضعهمتصلٌ في طريقه القاصد
كأنه من نصيحةٍ وتقىًلنفسه دون غيره قاصد
يبقي علينا دم الحياة ولايخرج إلا المضر والفاسد
يخرج مقدار ما زيد على المزاج لا ناقصاً ولا زائد
إن جمد الطبع حل منه وإنذاب انحلالاً أعاده جامد
متسع الكم غير ضائرهيسعد في لطف كفه الساعد
مبارك الشخص حين تبصره=توقن بالبرء أنه وارد وقال بعضهم في طبيبه:
إذا سقامٌ عراك نازلهفاندب أبا جعفر لنازله
يعرف ما يشتكيه صاحبهكأنه حل في مفاصله
وأحسن ما سمعت في وصف مزينٍ قول الطبري:
لو لم تقع..... على فخذيما كان قد وقع محسوسا
وقال مؤلف الكتاب في منجمٍ:
صديقٌ لنا عالمٌ بالنجوميحدثنا بلسان الملك
ويكتم أسرار إخوانهولكن ينم بسر الفلك
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع