من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
حكاية (٢)
وعن أبي يعقوب قال: كنت قائماً بين يدي الرشيد وقد قدم إليه جماعة من الملحدين، فدعا بالسيَّاف لقتلهم، فلما رآه شيخٌ منهم اضطرب وجزع، فقال له شاب منهم: يا شيخ، ترتاع من سيف هذا وفي بدنك أربعة أسياف لا بدّ من أن يقتلك أحدها ؟! وهي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء؟! فتماسك الشيخ. فأمر الرشيد بأن يقدم قتل الشاب، وقال: هذا الغلام فتنة من فتنهم.
قال عامر بن الطفيل:
سلِ الخيل عني: هل علاها إذا عدَتْإلى الروع بالأبطال من فارسٍ مثلي؟
وهل كرَّها كرِّي إذا هي أقبلتْتواخطُ بالأبطال في الحَلَقِ الجدل؟
إذا حال منها عارضٌ دون عارضٍكثيفٍ وأبدتْ حدَّ أنيابها العصل
كشفتُ قناع الموت بيني وبينهاوأشليتها حتى تقوم على رجل
وأبسست إبساساً بها وامتريتهافدرَّت غزاراً بالتليل وبالنبل
وكان الذي يلقى الرَّدى من لقيتهوما أشبه الآجال من فارسٍ قبلي
ألستُ بفيفِ الرّيح أوّل مقدمعلى رحبي موتٍ مراجلها تغلي؟!
هتكت بنصل السيف أقراب مسهرٍولا شيء أسنى بالكرام من القتلِ
قال الشيخ أبو العلاء بن سليمان المعري:
من السعد في دنياك أن يهلك الفتىبهيجاء يغشى أهلها الطعن والضربا
فإن قبيحاً بالمسوَّد أن يرىعلى فرشه يشكو إلى البقر الكربا!
وقال علوي البصرة: [نقلها ابن خلكان للأمير قِرواش رحمه الله تعالى]
من كان يُحمد أو يُذم مورَّثاًللمال من آبائهِ وجدودهِ
فأنا امرؤٌ للهِ أحمدُ وحدهُحمداً كفيلاً لي بحسن مزيدهِ
ولأبيضٍ كالملح ما جرَّدتهإلا وبان الموت في تجريدهِ
ولأسمرٍ لدن الكعوب كأنماماء المنية كامنٌ في عودهِ
بهما حويتُ المال إلا أننيسلطتُ جودَ يدي على تبديدهِ
وقال مؤلف الكتاب:
سأنفقُ مالي في اكتساب مكارمٍأعيش بها بعد الممات مخلَّدا
وأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الرَّدىولا أتخشَّى عاملاً ومهندا
بكل فتىً يلقى المنية باسماًكان له في الموت عيشا مجدّدا
خإن نلتُ ما أرجو فللمجد ثم ليوإن متُّ خلَّفتُ الثناء المؤبدا
وقال مؤلف الكتاب أيضاً:
قلبي وصبري إلفان مذ خُلقاتقاسما صادقين لا افترقا
أمشي الهوينا والخطبُ في طلبييوضع طوراً وتارةً عنقا
أحنو ضلوعي في كل حادثةٍعلى فؤادٍ لا يعرف القلقا
لا يزدهيه خوف الحِمام ولاعهدتُهُ في ملِّمةٍ خفقا
وقال مالك بن حريم الهمداني لعمرو بن معدي [كرب]:
يا عمرو لو أبصرتنيلرفوتني في الخيل رَفْوَا
للقيت مني عربداًيقطو إلى الفرسان قَطْوَا
لما رأيتُ نساءنايدخلن تحت البيت حَبْوَا
وسمعت زجر الخيل فيجو الظلام هبي وهَبْوَا
في فيلقٍ ملمومةٍتعطو على النجدات عَطْوَا
أقبلتُ أفلي بالحسامِ معاً رؤوسَ القومِ فلو
والبيض تلمع بينناتعصو بها الفرسان عَصْوَا
وقال عمرو بن معدي:
أعددتُ للهيجاء سابغة وعدّاء علندى
نهدا وذا شطب يقدّ البيض والأبدان قدَّا»
لما رأيتُ نساءنايفحصن بالمعزاء شدَّا
وبدت لميس كأنهاوجه النهار إذا تبدّى
نازلت كبشهم ولمأرمن نزال الكبش بُدَّا
هم ينذرون دمي وأَنْذِرُ إن لقيت بأن أشدَّا
قال قيس بن أبي حازم: حضر عمرو بن معدي كرب- ﵀ الناس يوم القادسية وهم يتقاتلون، فرماه رجل من العجم بنشابة فوقعت في كتفه، وكانت عليه درع حصينة، فلم تنفذ، وحمل عمرو على العلج فعانقه، وسقطا إلى الأرض فقتله عمرو وسلبه، [ورجع بسلبه] وهو يقول:
أنا أبو ثورٍ وسيفي ذو النونأضربهم ضرب غلامٍ مجنونْ
يالَ زُبيدٍ إنّهم يموتون
وشهد عمرو بن معدي القادسية وهو ابن مائة وست سنين، وقيل: ابن مائة وعشر سنين. ولما قتل العلج عبر جسر القادسية هو وقيس بن مكشوح ومالك بن الحارث الأشتر النخعي ﵏، وكان عمرو آخرهم، وكانت فرسه ضعيفه، فطلب غيرها، فأُتي بفرس فأخذ بعكوة ذنبه وجلد به الأرض، فأقعى الفرس، فرده، وأتى بآخر ففعل به مثل ذلك، فتحلحل ولم يُقْعِ، فقال: هذا على كل حال أقوى من تلك. وقال لأصحابه: إني حاملٌ وعابرٌ الجسر، فإن أسرعتم بمقدار جزر جزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلاً وقد قتلت وجزرت ! ثم انغمس فحمل في القوم، فقال بعضهم: يا بني زبيد، علام تدعون صاحبكم؟ فو الله ما أرى أن تدركوه حياً. فحملوا، فانتهوا إليه وقد صُرع عن فرسه، وهو آخذ برجل فرس رجلٍ من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضرب الفرس فما يقدر أن يتحرك من يده. فلما غشيه أصحابه رمى العجمي بنفسه وخلَّى فرسه، فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور! كدتم والله تفقدوني! قالوا: فأين فرسك؟ قال: ضربته نشابةٌ فشب فصرعني وعار.
نقلت من خط النجيرمي قال: كان الفند من الفرسان الشجعان القدماء،
وهو: شهل بن شيبان بن ربيعة بن زِمَّان، وإنما سمي «الفند» لأنه شُبِّه بالقطعة من الجبل، وكان عظيماً. وأمدَّت بنو حنيفة- يوم قِضَة - بكر بن وائل بالفند، وقالوا: قد أمددناكم بألف رجل، وكان شيخاً كبيراً يومئذٍ، فطعن مالك بن عوف بن الحارث بن زهير بن جُشم وخلفه رديف له يقال له الثريار بن مازن بن جشم بن عوف بن وائل بن الأوس-:
فانتظمهما برمحه وقال:
أيا طعنة ما شيخٍكبيرٍ يفن بال
كجيب الدّفنس الورهاءريعت بعد إجفالِ
تفتَّيت بها إذ كرِه الشِّكَّة أمثالي
وشهد الفند الزماني حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة، فأبلى بلاءً حسناً، وكان يوم التحالق الذي يقول فيه طرفة بن العبد:
سائلوا عنا الذي يعرفنابقوانا يوم تحلاق اللّمم
يوم تبدي البيض عن أسوقهاوتلف الخيل أعراج النعمْ
أنشد المبرِّد لبعضهم:
ألم تعلمي يا عِصْمَ كيف حفيظتيإذا الشر خاضت جانبيه المجادحُ
أفر حذار الشر والشر تاركيوأطعن في أنيابه وهو كالحُ
وأنشد المبرِّد:
لَعمركَ ما دهري بزِقٍ وقَينةٍوطِرْفٍ وأثوابٍ جيادٍ ومطعمِ
ولكنما دهري رواقٌ يحفُّهُثمانون ألفاً من فصيحٍ وأعجمِ
يقودون قُبَّ الخيل أرسانها القناإذا غضبت جادت سماؤك بالدمِ
وقال الزبير بن عبد المطلب:
ويُذهب نخوة المختال عنيرقيق الحد ضرْبَتُهُ صَمُوتُ
بكفَّي ماجدٍ لا عيبَ فيهإذا لقيَ الكريهة يستميتُ
قال شبيلٌ الفزاري:
قد علم المستأخرون في الوَهَلْإذا السيوفُ عريت من الخِللْ
أن الفِرارَ لا يزيدُ في الأجل
وقال قيس بن الخطيم من قصيدة:
إذا ما فررنا كان أسوأ فرارناصدود الخدود وازورار المناكبِ
صدود الخدود والقنا متشاجرٌولا تبرح الأقدام عند التضاربِ
أُجالدهم يوم الحديقة حاسراًكأن يدي بالسيف مِخراقُ لاعبِ
قال الفُضيل بن خُديج: شهدت من مصعب بن الزبير مشهداً، ورأيت منه شيئاً ما علمته لأحدٍ: إني لمعه في الوقعة التي قتل فيها، وقد أسلمه من أسلمه، وقتل وجوه من بقي معه-: وهو لا يكرثه ذلك، وسمعته ينشد:
ونحن أناسٌ لا نرى القتل سبَّةًعلى أحدٍ يحمي الذمار ويمنعُ
بنو الحرب أُرضعنا بهِ، غير فُحَّشٍ،ولا نحن مما جرَّت الحرب نفْزَعُ
جِلادٌ على ريب الحوادث لا ترىعلى هالكِ عينٌ لنا الدهر تدمعُ
وأُنشد مسلمة بن عبد الملك بعد قتل يزيد بن المهلَّب قول ثابت قطنة:
يا ليت أُسرتك الذين تغيبواكانوا لنصرك- يا يزيدُ- شهودا
فقال مسلمة: وأنا والله وددت ذلك: أنّهم كانوا يومئذ شهودا فسقيتهم بكأسه.
ومثله قول الآخر:
فوَا أسفي أن لا أكون شهدتهفطاحت شِمالي عنده ويميني
وكنتُ لقيتُ الموت أحمرَ دونهكما كان يلقى الدّهر أغبردوني
قال أبو الحسن العسكري: لحق أبو دُلفٍ أكراد قطعوا الطريق في عمله، وقد أردف منهم فارس رفيقاً له خلفه، فطعنهما جميعاً فأنفذ فيهما الرمح، فتحدث الناس: أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين. فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده:
قالوا: وينظم فارسين بطعنةٍيوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو أنّ طول قناتهمبل إذاً نظم الفوارس ميلا
فأمر له أبو دُلف بعشرة آلاف درهم.
روي: أن دريد بن الصمة خرج في فوارس من بني جشم، حتى إذا كان بوادٍ لبني كنانة، يقال له «الأخرم»، وهو يريد الغارة على بني كنانة-: رُفع له رجلٌ من ناحية الوادي، معه ظعينة، فلما نظر إليه قال لفارسٍ من أصحابه: صِحْ به أن خلَّ الظعينة وانجُ بنفسك- وهو لا يعرفه-
فانتهى إليه الرجل فصاح به وألح عليه، فلما أبى إلا الإلحاح عليه ألقى زمام الناقة إلى الظعينة وقال:
سيري على رِسلك سير الآمنِسير رداحٍ ذات جأشٍ ساكنِ
إن انثنائي دون قِرني شائنيفابلي بلائي واخبري وعايني
ثم حمل على الفارس فقتله، وعاد إلى زمام ظعينته نأخذه، فبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعاً، فصاح به، فتصامم عليه، فظنَّ أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى الزمام إلى الظعينة، ثم حمل على الفارس فصرعه، وهو يقول:
خلِّ سبيل الحرة المنيعةإنك لاقٍ دونها ربيعهْ
في كفِّه خطيَّةٌ مطيعهأوْلاَ، فخذها طعنةً سريعهْ
فالطعن مني في الوغى شريعهْ
فلما أبطأ على دريد بعث في أثرهما نارسا آخر لينظر ما صنع صاحباه، فانتهى إليهما [فرآهما] صريعين، ونظر الفارس يقود ظعينته [ويجر رمحه]، فقال له [الفارس]: خلِّ عن الظعينة، فألقى إليها الزمام، وقال لها: اقصِدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريدُ من شتيمٍ عابسِ؟!أما ترى الفارس بعد الفارس؟!
أرداهما عامل رمح يابس »
ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه، فارتاب دريد وظنَّ أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل، فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه، وقد دنا من الحي، ووجد القوم قد قتلوا. فقال له دريد: أيها الفارس، إني أضنُّ بمثلك على القتل، وإن الخيل ثائرةٌ بأصحابها، ولا أرى معك رمحاً، [وأراك حديث السن] فدونك [هذا] الرمح، فإني راجعٌ إلى أصحابي، ومثبطهم عنك. فأتى دريدٌ أصحابه فقال: إن فارس الظعينة قد حماها، وقتل فوارسنا، وانتزع رمحي، ولا طمع لكم فيه، فانصرف القوم، فقال دريد:
ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثلهِحاميَ الظعينة فارساً لم يُقتلِ
أردى فوارسَ لم يكونوا نُهْزَةًثم استمرَّ كأنه لم يفعلِ
متهللاً تبدو أَسرَّةُ وجههِمثل الحسامِ جلتهُ كفُّ الصيقلِ
يُزجي ظعينته ويسحبُ رُمحهمتوجهاً يُمناه نحو المنزلِ
وترى الفوارس من مخافة رمحهِمثل البغاثِ خشينَ وقع الأجدل
يا ليت شِعري من أبوه وأمه؟! يا صاحِ من يكُ مثله لم يُجْهلِ وقال ربيعة بن مكدَّم في ذلك:
إن كان ينفعك السؤال فسائليعني الظعينة يوم وادي الأخرمِ
إذهي لأول من أتاها نُهبةٌلولا طِعان ربيعةَ بن مُكدَّمِ
إذ قال لي أدنى الفوارس ميتةً:خلِّ الظعينة طائعاً لم تندمِ
فصرفتُ راحلة الظعينة نحوهعمداً ليعلم بعض ما لم يعلمِ
وهتكتُ بالرمحِ الطويلِ إهابَهُفهوى صريعاً لليدين وللفمِ
ومنحت آخر بعده جياشةًنجلاءَ فاغرةً كشِدقِ الأعلمِ
ولقد شفعتهما بآخر ثالثٍوأبى الفرار لي الغداة تكرُّمي
ولم يلبث بنو كنانة- رهط ربيعة بن مكدَّم- أن أغاروا على بني جُشم- رهط دريد بن الصمة- فقتلوا منهم [وأسروا وغنموا] وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه، فبينا هو عندهم محبوس إذ جاء نسوة يتهادَين إليه، فصرخت امرأة منهن، فقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرَّ علينا قومنا؟! هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! ثم ألقت ثوبها عليه، وقالت:
يا آلِ فراس! أنا جارةٌ له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي. فسألوه: من هو؟
فقال: دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالت: ربيعة بن مكدَّم، قال:
فما فعل؟ قالت: قتلته بنو سليم، قال: فمن الظعينة التي كانت معه؟ قالت:
رَيْطَة بنت جِذل الطِّعان، وأنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم، [وآمروا أنفسهم] وقالوا: لا ينبغي أن نكفر نعمة دريد [عندنا]. وقال بعضهم: والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره. فانبعثت المرأة في الليل فقالت:
سنجزي دريدا عن ربيعة نعمةوكلّ امريء يُجزى بما كان قدَّما
فإن كان خيراً كان خيراً جزاؤهوإن كان شراً كان شراً مذمَّما
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرةٍبإعطائه الرمح السديد المقوَّما
فقد أدركت كفَّاه فينا جزاءهوأهلٌ بأن يجزى الذي كان أنْعَمَا
فلا تكفروه حقَّ نُعماه فيكمولا تركبوا تلك التي تملأ الفما
فلو كان حياً لم يضقْ بثوابهذراعاً غنياً كان أو كان معدما
ففكّموا دريداً من إسار مخارقٍولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلَّما
فأصبح القوم وقد أجمع ملؤهم، إلى أن سلموا دريداً إلى ريطة، فجهزته وزودته، ولحق بقومه، ولم يزل كافاً عن غزو بني فراس حتى هلك.
روي: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال لعمرو بن معدي كرب الزبيدي ﵀: أخبرني عن أشجع من رأيت. قال:
والله- يا أمير المؤمنين- لأخبرنك عن أجبن الناس وعن أحيل الناس وعن أشجع الناس. فقال له عمر ﵀: هات. فقال:
ارتبعت الضبابية- يعني فرسه- فخرجت كأحسن ما رأيت، وكانت شقَّاء مقَّاء طويلة الأنقاء، فركبتها، ثم آليت لا لقيت أحداً إلّا قتلته! فخرجت وهي تنقزبي، فإذا أنا بفتىً، فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك! فقال:
ألّا تنصفني يأباثور؟ أنا كما ترى أعزل [أميل] عوَّارة، أمهلني حتى آخذ نبلي! قلت: وما غناؤها عنك ؟ قال: أمتنع بها منك، قلت:
خذها، قال: لا، أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنك لا تروعني أو آخذها، فأثلجته، فقال: وإله قريش لا آخذها أبداً! فسلم- والله- مني وذهب. فهذا أحيل الناس!! فمضيت حتى اشتمل عليّ اللّيل، فو الله إني لأسير في قمرٍ زاهرٍ إذا بفتىً على فرسٍ يقود ظعينة وهو يقول:
يا لُبينا يا لُبيناليته يُعدى علينا
ثم يُبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها إلى السماء، فلا تبلغ الأرض حتى
ينتظمها بمشقص من نبله! فقلت له: خذ حذرك- ثكلتك أمك- فإني قاتلك! فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض مضطجعاً، فقلت: إن هذا إلاّ استخفافٌ، فصحت به: ويلك ما اجهلك! فلم يتحلحل، فدنوت منه حتى شككت بالرمح إهابه، فاذا به كأنه قد مات منذ سنة!! [فمضيت وتركته]، فهذا أجبن الناس! ومضيت فأصبحت بين دكادك ورمالٍ، فنظرت إلى أبياتٍ فعدلت اليها، فاذا فيهنَّ جوارٍ [ثلاثة] كأنهن نجوم الثريّا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكنَّ؟ قلن: لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أختٌ لنا هي أجمل منّا! فأشرفت من فدفدٍ، فاذا من لم أر قط أحسن منه ومن وجهه، فاذا بغلامٍ يخصف نعله وعليه ذؤابةٌ يسحبها، فلما نظرني وثب إلى الفرس مبادراً، فسبقني إلى البيوت، فوجد النساء قد ارتعن، فسمعته يقول:
مَهْلاً نُسَيَّاتِي إذاً لا تَرْتَعْنْإِنْ يُمْنَعِ اليَوْمَ نِسَاءٌ تُمْنَعْنْ
أَرْخِينَ أَذْيَالَ المُرَوطِ وَارْبَعْنْ
فلما دنوت منه قال: أتطردني أو أطردك؟ قلت: بل أطردك، وركضت في أثره، حتى إذا مكنت السِّنان من كتفيه أتكأت عليه فاذا هو لبب فرسه، ثم استوى في سرجه، فقلت: أقلني! قال: اطرد، فطردته، حتى ظننت أن السنان في ما ضغيه فاعتمدت عليه فاذا هو قائم في الأرض والسنان ماضٍ، واستوى على فرسه، فقلت: أقلني! قال: قد أقلتك فاطرد، فطردته، حتى [إذا] أمكنت السنان من متنه اتَّكيت عليه وأنا أظنُّ أن قد فرغ منه جال في سرجه حتى نظرت الى يده في الأرض، ومضى السنان زالجاً، ثم استوى، وقال: أبعد ثلاثٍ تريد ماذا؟! اطردني ثكلتك أمك! فولَّيت وأنا مرعوب منه، فلما غشيني التفتُّ فاذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفَّ عني واستنزلني، فنزلت ونزل، فجزَّ ناصيتي ثم قال: انطلق فإني أنفس بك عن القتل! فكان ذلك عندي-[والله] يا أمير المؤمنين- أشدَّ من القتل، فذاك يا أمير المؤمنين أشجع من لقيت، وسألت عنه؟ فقيل لي: ربيعة بن مكدَّم الفراسيّ من بني كنانة.
روى أبو الفرج الأصبهاني قال: أنشد رسول الله ﷺ قول عنترة بن شدّاد:
ولقد أبيت على الطوى وأظلهحتى أنال بِهِ كرِيمَ المَأْكَلِ
فقال رسول الله ﷺ: «ما وصف لي أعرابيّ قط فأحببت أن أراه إلاّ عنترة».
وهذا البيت من قطعة شعرٍ لعنترة، كان سببها- فيما رواه أبو عمرٍ والشيباني -: أن بني عبسٍ أغارت على بني تميم، وعليهم قيس بن زهيرٍ، فانهزمت بنو عبس، وطلبتهم بنو تميم، ووقف لهم عنترة، ولحقتهم كتيبةٌ من الخيل، فحامى عنترة عن بني عبسٍ، فلم يصب منهم مدبرٌ، فساء ذلك قيس بن زهير، وشقَّ عليه صنيع عنترة. فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلاّ ابن السَّوداء، فبلغ ذلك عنترة، وكان قيسٌ أكولاً، فقال عنترة يعرِّض به ويجيبه عن ذكر أمِّه:
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحتُوفَ كَأَنّنيأَصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحتوف بمعزل
فأجبتها: إنّ المنية منهللا بدّ أَنْ أُسْقَى بِكَأْسِ المَنْهَلِ
فاقَنِي حَيَاءَكِ- لاَ أَبَالَكِ- وَاعْلَميأَنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِنْ لَمْ أُقْتلِ
إِنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْمِثْلي إذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ
وَأَنَا امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِباًشَطْرِي، وَأَحْمِي سَائِرِي بِالمُنْصُلِ
وَإِذَا الكَتِيبَةُ أَحْجَمَتْ وَتَلاَحَظَتْأُلْفِيتُ خَيْراً مِنْ معمّ مخول
والخيل تعلم والفوارس أنّنيفرّقت جمعهم بطعنة فيصل
إذ لا أدبار في المضيق فوارسيأولا أُوَكَّلُ بِالرَّعِيلِ الأَوَّل
إِنْ يُلْحَقُوا أَكْرُرْ، وَإِنْ يُسْتَلْحَمُواأَشْدُدْ، وَإِنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أَنْزِلِ
حِينَ النُّزُولُ يَكُونُ غَايَةَ مِثْلِنَاوَيَفِرُّ كلُّ مُضَلَّلٍ مُسْتَوْهِلِ
وَالخَيْلُ سَاهِمَةُ الوُجُوهِ كَأَنَّمَاتُسْقَى فَوَارِسُها نَقِيْعَ الحَنْظَلِ
وَلَقَدْ أَبِيْتُ عَلى الطَّوى وأَظَلُّهُحَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ المَأْكَلِ
وخرج زيد الخيل يطلب نعما له في بني بدرٍ، وأغار عامر بن الطفيل على بني فزارة، فأخذ امرأةً يقال لها «هند» واستاق نعما [لهم]، فقالت فزارة لزيد: ما كنَّا قطُّ إليك أحوج منّا اليوم! فتبع عامر بن الطفيل، وعامرٌ يقول: ما ظنّك يا هند بالقوم؟! قالت: ظنّي أنهم سيطلبونكم، وليسوا نِياماً عنك، فحطأ عجزها ثم قال: لا يقول استها شيئاً!! فذهبت مثلاً. وأدركه زيدٌ، فنظره عامر، فأنكره لعظمه وجماله، وغشيه زيدٌ، فبرز له عامر، فقال: يا عامر، خلِّ سبيل الظعينة والنعم، فقال [عامر]:
من أنت؟ قال: فزاريٌّ [أنا]، قال: ما أنت من القلح أفواهاً! فقال
[زيد: خلّ] سبيلها، قال: لا والله أو تخبرني من أنت؟ قال: من بني أسدٍ، قال: لا والله، ما أنت من المتكورين على ظهور الخيل! قال: خل سبيلها، قال:
لا والله أو تخبرني من أنت ؟ قال: أنا زيد الخيل، قال صدقت، فما تريد من قتالي؟ فو الله لئن قتلتني ليطلبنك بنو عامر ولتذهبنَّ فزارة بالذِّكر! [فقال له زيد: خلِّ عنها، قال تخلِّي عنّي وأدعك والظعينة والنعم؟ قال: فاستأسر! قال: أفعل]، فأسره زيد الخيل وجزّ ناصيته وأخذ رمحه ومنَّ عليه وردَّ الابل وهنداً إلى بني فزارة ثم بني بدرٍ، وقال زيدٌ في ذلك:
إنّا لَنُكْثِرُ فِي قَيْسٍ وَقَائِعَنَاوَفِي تَمِيمٍ وَهَذَا الحَيِّ مِنْ أَسَدِ
وَعَامِر بن طُفَيْلٍ قد نَحَوْتُ لهصَدْرَ القَنَاةِ بمَاضِي الحَدِّ مُطْرِدِ
لمّا تَحَسَّبَ أَنَّ الورد مدركهوصارما وربيط الجأش ذالبد
نَادَى إِلَيَّ بِسِلْمٍ بَعْدَ مَا أَخَذَتْمِنْهُ المَنِيّةُ بِالحَيْزُومِ وَاللُّغُدِ
وَلَو تَصَبَّرَ لِي حَتَّى أُخَالِطَهُأَشْعَرْتُهُ طَعْنَةََ تَكْتَنُّ بِالزَّبَدِ
فانطلق عامر بن الطفيل الى قومه مجزوزاً، وأخبرهم الخبر، فغضبوا لذلك،
وقالوا: لا يرأسنا أبدا، وتجهزّوا لغز وظنيّء، ورأسوا عليهم علقمة بن علاثة، فخرجوا ومعهم الحطيئة وكعب بن زهير، فبعث عامر بن الطفيل الى زيد الخيل دسيساً ينذره، فجمع زيدٌ قومه ولقيهم بالمضيق، فهزمهم، وأسر الحطيئة وكعب بن زهير وقوماً منهم، فحبسهم، فلما طال عليهم الأسر قالوا:
يا زيد فادنا، قال: الأمر الى عامر بن الطفيل، فأبوا ذلك عليه، فوهب الأسرى لعامر إلاّ الحطيئة وكعب بن زهير، فأما كعب بن زهير فأعطاه فرسه الكميت وأطلقه، وأما الحطيئة فشكا إليه الحاجة فمنَّ عليه وأطلقه، وقال زيدٌ:
أقول لعبدي جرول إذ أَسَرْتُهُ:أَثِبْني وَلاَ يَغْرُرْكَ أَنَّكَ شَاعِرُ
أَنا الفَارِسُ الحَامِي الحَقِيقَةِ وَالذِيلَهُ المَكْرُمَاتُ وَاللُّهَا وَالمَآثِرُ
وَقَوْمِي رُؤُوسُ النّاسِ وَالرَّأْسُ قَائِدٌإِذَا الحَرْبُ شَنَّتْها الأكُفُّ المَسَاعِرُ
وَلَسْتُ إِذَا مَا المَوْتُ حُوذِرَ وِرْدُهُوَأُتْرِعَ حَوْضَاهُ وَحَمَّجَ نَاظِرُ
بِوَقَّافَةٍ يَخْشَى الحُتُوفَ تَهَيُّباًيُبَاعِدُنِي عَنْها مِنْ القُبِّ ضَامِرُ
وَلكِنّني أَغْشَى الحُتُوفَ بِصَعْدَتِيمُجَاهَرَةً، إنّ الكريم مجاهر
وَأَرْوِي سِنانِي مِن دِمَاءٍ عَزِيْزَةٍعَلَى أَهْلِها إذْ لاَ يُرْجَّى الأَنَاصِرُ
وقال الحطيئة لزيد الخيل:
أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّي الثَّنَاءَ فَإِنَّهُسَيَأْتِي ثنائي زيدا بن مهلهل
فما نلتنا غدرا ولكن صحبتناغَدَاةَ الْتَقَيْنَا فِي المَضِيْقِ بِأَخْيَلِ
تَفَادى جِيَادُ الخَيْلِ مِنْ وَقْعِ رُمْحِهِِتَفَادِي بُغَاثِ الطَّيْرِ مِنْ وَقْعِ أَجْدَلِ
وقال الحطيئة أيضاً:
وَقَعْتَ بِعَبْسٍ ثُمَّ أَنْعَمْتَ عَنْهُمُوَمِنْ آلِ بَدْرٍ قد أصبت الأخيرا
فإن يشكروا فالشّكر أدنى إلى التّقىوإن يكفروا لا ألف- يا زيد- كَافِراً
[فرضي عنه زيدٌ ومن عليه لما قال هذا فيه، وعدَّ ذلك ثواباً من الحطيئة وقبله]، فلما رجع الحطيئة إلى قومه قام فيهم حامداً لزيد الخيل شاكراً لنعمته،
[حتى أسرت طيءٌ بني بدرٍ] فطلبت فزارة وأفناء قيسٍ إلى شعراء العرب أن يهجوا زيد الخيل وبني لأمٍ، فتحامتهم الشعراء وامتنعوا، فصاروا إلى الحطيئة، فسألوه في ذلك، ووعدوه جزيل العطاء، فأبى عليهم، وقال: قد حقن دمي وأطلقني بغير فداءٍ، فلست بكافر نعمته أبداً، وقال في ذلك:
كَيْفَ الهِجَاءُ وَلاَ تَنْفَكُّ صَالِحَةٌمِنْ آلِ لَأُمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تأتينا
المنعمين أقام العزّ وسطهمبيض الوجوه وَفي الْهَيْجَا مَطَاعِينَا
قال: بينا مالك بن الريب ذات ليلةٍ [في بعض هناته وهو] نائمٌ في البرية- وكان لا ينام إلا متوشِّحاً بالسيف- إذا هو بشيء قد جثم عليه، لا يدري ما هو؟! فانتفض مالك من تحته فسقط عنه، ثم انتحى له بالسيف فقدَّه نصفين، ثم نظر اليه فاذا هو رجلٌ أسود كان يغتل الناس في تلك الناحية.
قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇: أتقتل أهل الشأم بالغداة وتظهر بالعشيّ في إزار ورداء؟! فقال: أبالموت تخوّفوني؟! فو الله ما أبلي أسقطت على الموت أو سقط الموت عليَّ.
وقال لابنه الحسن- ﵉: لا تدعونّ أحداً الى المبارزة، فان دعيت اليها فأجب، فان الداعي اليها باغ، والباغي مصروع.
وقيل للمهلب بن أبي صفرة ﵀: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ قال: فتًى كان يخرج إلينا منهم في كل غداةٍ فيقف ويقول:
وَسَائِلَةٍ بِالغَيْبِ عَنِّي وَلَو راَتْمُقَارَعَتي الأَبْطَالَ طالَ نَحِيبُها
إِذا مَا التَقَيْنَا كُنْتُ أَوَّلَ فَارِسٍيَجُودُ بِنَفْسٍ أَثقَلَتْهَا ذُنُوبُهَا
ثم يحمل فلا يقوم له شيءٌ إلاّ أقعده، فاذا كان من الغد عاد لمثل ذلك! وعن أبي حاتم الرازي قال: سمعت عبدة بن سليمان المروزيَّ يقول: كنا في سريةٍ مع عبد الله بن المبارك [﵁] في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفَّان خرج رجلٌ من العدو فدعا إلى البراز فخرج اليه رجلٌ فقتله، ثم خرج آخر منهم فقتله، ثم آخر فقتله، ثم خرج اليه آخر فطارده فعطنه فقتله، فازدحم اليه الناس، فاذا هو يلثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته فاذا»
هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يأبا عمرو ممّن يشنّع علينا؟! وأنشد الرِّياشيُّ لبعض العرب:
وَأَشْعَرْتُهُ طَعنَةً ثَرَّةًيَظُلُّ عَلَى النَّحْرِ مِنْهَا صَبِيبُ
فَإِنْ قَتَلَتْهُ فَلَمْ آلهُوَإِنْ يَنْجُ مِنْهَا فَجُرْحٌ رَغِيْبُ
وَإِنْ يَلْقَني بعدَهَا يَلْقَنيعَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ ثَوْبٌ قَشِيبُ
وقال عمرو بن الإطنابة:
أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلاَئِيوَأَخْذِي الحَمْدَ بالثَمَنِ الرّبيح
وَإقدَامِي عَلَى المَكْرُوهِ نَفْسيوَضَرْبِي هَامَةَ البَطَلِ المُشِيحِ
وَقَولِي كُلَّما جَشَأَتْ وجَاشَتْ:مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَريحي
[واَدْفَعُ عَنْ مَكارِمَ صَالحَاتٍوَأَحْمِي بَعْدُ عَنْ عِرْضِ صَحيح]
وقال قطريّ بن الفجاءة:
قول لها- وقد طارت شعاعامن الأبطال-: ويحكم لَنْ تُرَاعِي
فَإِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ حَيَاةَ يَوْمٍسِوَى الأَجَلِ الذِي لَكِ لَمْ تُطَاعِي
فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراًفَما نَيْلُ الخُلُودِ بمُسْتَطَاعِ
وَمَا ثَوْبُ البَقَاءِ بِثَوْبِ عِزٍّفَيُطْوَى عَنْ أَخِي الخَنْعِ اليَراعِ
سَبِيلُ المَوتِ مَنْهَجُ كُلُّ حَيٍّودَاعِيه لِأهْلِ الأرْضِ دَاعِي
ومَنْ لاَ يَعْتَبَطْ يَسْأَمْ ويَهْرَمْوَيُفْضِ بِهِ الزَّمَانُ إِلى انقِطاعِ
وقال قطريّ أيضاً:
إِلى كَم تُعادِيني السُّيوفُ وَلاَ أَرَىمَضَارِبهَا تُهْدِي إليَّ حماميا
أُقارِعُ عَنْ دَارِ الخُلودِ وَلاَ أَرَىبَقَاءً عَلَى حَالٍ لِمَنْ ليْسَ بَاقِياَ
وَلَوْ قَرَّبَ المُوْتَ القِرَاعُ لقَدْ أَنَىلِمَوْتِيَ أَنْ يَدْنُو لِطُولِ قِرَاعِيا
أُغادي جِلادَ المُعلمينَ كأنَّنيعَلى العسل الماذي أصحت غَادِيَا
وَأدعُو الكُمَاةَ للنِّزَالِ إِذا القَنَاتَحطَّمَ فِيما بَيننَا مِنْ طِعانِيَا
وَلَستُ أرى نَفْساً تَموتُ إِذا دَنَتْمِنَ المَوتِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ دَاعِيَا
إِذا استلبَ الخُوفُ الرِّجَالَ قُلُوبُهمحَبَسْنَا عَلى المَوْتِ النُّفوسَ الغَوَالِيَا
حِذَارَ الأَحاديثِ الّتي لوم غبّهاعقدن بأعناق الرّجل المَخازِيَا
وقال قطريّ أيضاً:
يا رُبَّ ظلَّ عُقابٍ قَدْ وقَيتُ بهَامُهْرِي منَ الشَّمْس وَالأبْطَالُ تَجتَلِدُ
وَرُبَّ وَادِ حِمىً أَرْعَيتُ عَقوَتَهُخَيْلي اقتِسَاراً وأَطرافُ القَنا قِصَدُ
مُشَهَّرٌ مَوقِفِي والحرب كاشفةعَنها القِنَاعَ وَبحْرُ المَوتِ يَطَّرِدُ
وقال مؤلف الكتاب:
تُجهِّلُ في الإِقدام رَأيِي مَعَاشِرٌأَرَاهُمْ إذا فرّوا من الموت أجهلا
أيرجو الفَتَى عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيَاتِهِ*- وَإِنْ- فرَّعَنْ وِرْدِ المنيّة مزحلا
إذا أناهبت الموت في حرمة الوَغَىفَلاَ وَجَدَتْ نَفْسِي مِنْ المَوتِ مَوْئِلاَ
وَإِنِّي إِذا نَازَلتُ كَبْشَ كَتِيبَةٍفَلسْتُ أُبَالِي أَيُّنَا مَاتَ أَوَّلاَ
قلت وبالله التوفيق: قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (بالاعتبار) عجائب ما باشرته وحضرته وشهدته من الحروب والمصافَّات والوقائع، منذ كنت ابن خمسة عشر سنةً إلى أن تجاوزت التِّسعين، وما نالني فيها من الجراح والمكاره، وأنا القائل:
أَلُومُ الرَّدَى كَمْ خُضْتُهُ مُتَعَرِّضاًلَهُ، وَهْوَ عَنِّيْ معرض متجنّب؟!
وكم أخذت منّي السّيوف مآخذالحِمَامِ وَلكِنَّ القضاءَ مُغَيَّبُ؟!
إِلى أن تَجاوزتُ الثَّمَانينَ وَانْقَضَتْبُلَهْنِيَةُ العَيشِ الذِي فِيهِ يُرْغَبُ
فمكروه ما تخشى النُّفُوسُ مِنَ الرَّدىأَلَذُّ وأَحْلَى مِنْ حَيَاتِي وَأطيَبُ
وذكرت ما شاهدته من إقدام الرجال، وعجائب تصرُّف الآجال، فغنيت بما أوردته هناك عن الإطالة هاهنا، واقتصرت على ما أوردته.
النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع