من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
ومن بليغ العتاب
قول المقنع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي، وإنماديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسد بها ما قد أخلوا وضيعواثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهموإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهموليس يسود القوم من يحمل الحقدا
لهم جلّ مالي إن نتابع لي غنىًوإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف مادام ثاوياًوما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا
وقال الأسيدي:
إني ليمنعني من ظلم ذي رحمٍلب أصيل وحلم غير ذي وصمِ
إن لان لنت وإن دبت عقاربهملأت كفيه من صفحٍ ومن كرمٍ
وقال عطية بن العيسر بن محزر:
ومولى كداء السّوء لاخير عندهولا شر إلا ما أصاب الأدانيا
عديمٌ من الأخلاق إلا أدقهاوألأمها يزجي إليَّ الدواهيا
ألا قد أرى والله أن لست فاعلاًكفعلي ولا تبلي كمثل بلائيا
ولست بأن ناوأت قوماً بناصريعليهم، ولا إن قلَّ مالي مواسيا
وقال المبرد:
وإني للبَّاس على المقت والأذىبني العم منهم كاشحٌ وحسودُ
أذبُّ وأرمي بالحصى من ورائهموأبدأ بالحسنى لهم وأعودُ
وقال ثابت قطنة:
تعففت عن شتم العشيرة إننيوجدت أبي قد عف عن شتمهم قبلي
حليمٌ إذا ما الحلم كان مروءةًوأجهل أحياناً إذا التمسوا جهلي
وقال عمرو بن لبيد الرياحي:
أبلغ إهاباً كلها وأُهيبهاوشر صديق المرء من لا يعاتبهْ
إهاب وأهيب: ابنا رياح، وهما حيان.
فما تركت أحلامكم من صديقكملكم من أخٍ إلا قد ازورَّ جانبهْ
وقال أبو الشعر الضبي:
قل لمولاي الذي لا شرهكف بالأمس ولا الود بذلْ:
إن للدهر خطوباً جمةًذات إبرامٍ ونقضٍ لو عقل
ليس مولاك الذي يأبى الندىوإذا ما هُزَّ للنصر خذلْ
إنما مولاك من ترمي بهمن ترامي حين يشتد الوهلْ
والذي إن خضت يوماً غمرةًخاضها إن ناكلٌ عنك نكل
خذلوني أن أُلمَّت عثرةٌواتقوني بمعاذير العللْ
وقال عبد الله بن المعتز:
يا نازحاً أُحرجت من ذكرهقد ذاق قلبي منك ما خافا
فابخل بإخوانك واستبقهملا تنفق الإخوان إسرافا
وقال عمران بن عصام العنزي:
ولم أرَ مثل الحلم خير مغبةٍولا مثل عقبى الطيش والجهل والظلمِ
جهلتم فلم نحلم وكنا وأنتمحقيقين أن نلقى العشيرة بالحلم
فإذ لم يكن حلمٌ وفالت عقولناجميعاً فما هذا التهدد بالهضمِ؟!
فكفوا وداووا ما مضى بحلومكمفذلك أدنى للتكرم والحزمِ
وقال أبو العباس الأعمى، وهو السائب بن فروخ مولى لبنى جذيمة:
لحى الله مولى السوء لا أنت راغبٌإليه ولا رامٍ به من تحاربهْ
وما قرب مولى السوء إلا كبعدهبل البعد خيرٌ من عدوٍ تقاربهْ
من الناس من يدعى صديقاً ولو ترىخبية جنبيه لساءك غائبهْ
يمن ولا يعطي ويزعم أنهكريم، ويأبى لؤمه وضرائبهْ
وإني وتأميلي جذيمة كالذييؤمل ما لا يدرك الدهر طالبهْ
يمنون ما يعطي العلاء بن طارقٍعلي وما يشقى به من يحاربهْ
فأما إذا استغنيتم فعدوكموأدعى إذا ما غصَّ بالماء شاربهْ
فإن يك قومي أهل شاءٍ وجاملٍومالٍ كثير لا تعدّ مساربه
فما لي في أموال قومي حاجةٌولا عزهم، ما عاجل الظل آيبهْ
وكنتم كغيث الرك من يرع دونهيقصر، ومن يطلب حياً فهو جادبهْ
فما تركت أحلامكم من صديقكملكم صاحب إلا قد ازور جانبهْ
وقال الشريف الرضي:
ولي صاحبٌ كالرمح زاغت كعوبهأبى بعد طول الغمز أن يتقوما
تقبلت منه ظاهراً متبلجاًوأصمر دوني باطناً متجهما
فأبدى كنور الروض رفت فروعهوأضمر كالليل الخداريِّ مظلما
ولو أنني كشفته عن ضميرهأقمت على ما بيننا اليوم مأتما
حملتك حمل العين لج بها القذىفلا تنجلي يوماً ولا تبلغ العمى
فلا باسطاً بالسوء إن ساءني يداًولا فاغراً بالذم إن رابني فما
هي الكف مضٌ حملها بعد دائهاوإن قطمت شانت ذراعاً ومعصما
لوالدي مجد الدين أبي سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀ أبيات من قصيدة تقارب هذا المعنى وهي:
فيالي من ريب الزّمان وصرفهومالي من هم أفاعيه لن تُرقى
وإن أظهر الشكوى أجد غير راحمٍيسر شماتاً بي وإن أحسن الملقى
فيبدي نهاراً مشرقاً من ودادهويضمر من غل دجوجنه قلقا
تجاهلت عما ساء من كل صاحبٍكأني جمادٌ لا أحس بما ألقى
وقال نهشل بن حري:
ومولىً عصاني واستبد برأيهكما لم يطع بالبقتين قصيرُ
فلما رأى أن غب أمري وأمرهوولّت بأعجاز الأمور صدور
ممنّى أخيراً أن يكون أطاعنيوقد حدثت بعد الأمور أمورُ
وقال الزبير بن عبد الله بن الزبير:
ومولىً كداء البطن أو فوق دائهيزيد موالي الصدق خيراً وينقصُ
تربصت أرجو أن يثوب ويرعويإلى الحلم حتى استيأس المتربصُ
وقال آخر، ويروى للزبرقان بن بدر:
ولي ابن عمٍ لا يزال يعيبني ويعين عائبْ
وأعينه في النائبات ولا يعين على النوائبْ
[تسري عقاربه إليّ ولا تناوله عقاربْ]
لاهِ ابن عمك لا تخاف المخزيات من العواقبْ
دعني أعنك على الزمان وأغن عنك بكل جانبْ
إني كسيفك في يمينك لا ألين لمن تحارب
وقال آخر:
عذرت السّابقين إلى لسع العقارب غيركم عمرو بن كعبِ
ألم أبذل لكم ودي ونصحيوأصرف عنكم ذربي ولغبي
وأجعل كل مضطهد أتانييريد النّصر بين حشى وخلب
واحفظ ما شهدت إذا أضعتموينسح عنكم الأقصين كلبي؟!
إذا قرمٌ سما بغيا عليكمتنكب عن شديد الركن صلبِ
رآني معنقاً أمشي إليهفولى يتقي غضبي وعضبي
وقال كثير بن عبد الرحمن الحزاعيّ:
أود لكم خيراً وتطرحوننيأكعب بن عمرو لاختلاف الصّنائع
وكيف لكم صدري سلم وأنتمعلى حسك الشحناء حنو الأضالعِ
أحاذر أن تلقوا ردىً ومطيكمخواضعُ تبغيني حمام المصارغ
على كل حال قد بلوتم خليقتيعلى الفقر مني والغنى المتتابعِ
وإني لمستأنٍ ومنتظر بكمعلى هفوات فيكم وتتايعِ
وبعض الموالي تتقى درءآتهكما تتقى روس الأفاعي الأضالعِ
قال أبو الحسن المدائني: لما ادعى معاوية بن أبي سفيان ﵀ زياد بن عبيد، وقدم بذلك عمرو بن العاص المدينة-: جزعت بنو أمية من ذلك جزعاً شديداً، فقدموا الشأم بأجمعهم، ونزلوا في مكان واحد، ووجدوا مروان بن الحكم قد كتب له معاوية بن أبي سفيان عهداً بولاية المدينة، فأتوه فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد ترى ما ركبنا به معاوية من أمر ليس لنا عليه صبر ولا قرار، ولا ينام على مثله الأحرار، ويعذر بعض الإعذار -: إدخاله من ليس منا، يريد أن يدخله على حرمنا ونسائنا، وإيثاره علينا من هو دوننا، وقد أجمع رأينا على أن نعاتبه في ذلك، فإن قبل قبلنا، وإن أبى اعتزلنا. فقال مروان: قد والله كلمته في ذلك ثلاث مرات، ليس فيها مرة إلا وهو يظهر التعتب والتغضب، ويزعم أني في هذا الأمر أوحد. فقال سعيد بن العاص: لا والله، ولكنك تحامي على عهدك، وتبقي على ولايتك. فقال مروان: والله لصلاحكم في فساد عهدي أحب إلي من فسادكم في صلاح عهدي، فادخلوا على الرجل فكلموه بملء أفواهكم، فإنه
حليم أديب أريب. فانطلق القوم بجماعتهم، وتخلف عنهم مروان. فذهبوا حتى استأذنوا على معاوية، فلما أخبره الآذن بمكانهم قال له: احبسهم بين البابين، وأرسل إلى قواد أهل الشأم ورؤسائهم، فجمعهم عنده، وأفام الرجال بين يديه بالأعمدة والسيوف، ثم أذن لهم، فلما دخلوا عليه سلموا، فأحسن الرد عليهم، ثم قال: قرب الله الديار، وأدنى المزار، ما لذي أقدمكم؟ أزيارة فتحظى؟
أم سخط فيرضى؟ أم حاجة فتقضى؟ قالوا: لكل جئنا يا أمير المؤمنين. قال:
تكلموا، فسكت القوم، ومثل عبد الرحمن بن الحكم- أخو مروان- بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، أتتك عصبة من فصيلتك، وآخرون من أسرتك وعشيرتك، كلهم عارف بفضلك، راعٍ لحقك، ناشرٌ لشكرك-: في أمر قبره خير من نشره، وإماتته خير من ذكره، جئناك لأمر عجزت عن حمله الجنوب، وضاقت الصدور والقلوب، وكرهنا أن لا نذكره لك فينبت في صدورنا، ولا يحصد لزمانه، ولا يصيره لإبانه، وهي المصيبة الخطرة، واللأواء المبيرة، واعلم أنّا لم نأتك تجرماً ولا تعيثاً ولا بطراً، فإن تأذن تكلمنا، وإن تأب سكتنا. قال: هات، لله أنت! قال: يا أمير المؤمنين، إن أمية بن عبد شمس ولد عشرة ذكور: حرباً وأبا حربٍ، وسفيان وأبا سفيان والعاص وأبا العاص، والعيص وأبا العيص، ولم يلد عبيد عبد ثقيف ولا
العاص بن وائل، وإنك قد جعلت عمروا وزياداً شعارك دون دثارك، ونفسك التي بين جنبيك، ثم لم ترض لابن عبيد حتى نسبته إلى أبيك، عضيهة لأبيك، وإزراء ببنيك، مع ما في ذلك من السخط لربك، والمخالفة لنبيك ﷺ، إذ قضى: أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقضيت الولد للعاهر وللفراش الحجر، فرفعت أمراً كان حقيراً، وشهرت أمراً كان خاملاً صغيراً، تريد أن تدخله على حرمك ونسائك، ثم أنشأ يقول:
أترضى يا معاوية بن حربٍبأن تعطي حراثمك العبيدا
كأني والذي أصبحت عبداًله بالقوم قد شكروا يزيدا
فإن ترجع فقد لقيت رشداوإن تجمع فلم تطع الرشيدَ
فأما عمرو بن العاص فقد الزمت نفسك الحاجة إليه، وألزم نفسه الغناء عنك، وايم الله لنحن أنصح جيوباً وأوجب حقّاً وأمسّ رحماً، وما من أمرٍ يبلغه عمرٌو فنعجز عنه لتقصيرٍ بنا ولا وهنٍ منّا، لكنك رفعت المرء فوق قدره، حتى طمح بفخره، وزخر ببحره، فصار كأنه شيءٌ وليس بشيءٍ، وإنّ مثلنا ومثلك كما قال الأوّل:
مِنَ النّاسِ مَنْ يصلُ الأبعدينَويشقَى بهِ الأقربُ الأقربُ
قال: ثم إنّ مروان أدركه تذمّم من تخلفه عن القوم، فلحق بهم عند انقضاء
كلام أخيه، فلما رآه معاوية قال: إيه يا مروان! عن رأيك صدر القوم حتى أسمعوني ما سمعت؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا ولك مثلاً. قال: هات خطّط كخطط أخيك. قال: يا أمير المؤمنين، إن عديّ بن زيدٍ العباديّ لما حبسه النعمان بن المنذر في السجن قال:
أبَا منذرٍ جازيتَ بالودِّ سخطةًفماذَا جزاءُ المبغضِ المتبغضِ
فجازيتهُ فِي ذَا المثالِ كرامةًولستُ لشيءٍ بعد بالمتعرّض
فإنا والله- يا أمير المؤمنين- غير عائدين لشيء من معاتبتك في هذا الأمر، فإن تراجع قبلنا، وإن تأب أمسكنا، مع أنك لو قدرت تتكثر بالزنج على آل أبي العاص لفعلت، تكرّها لجلدٍ فيهم، وتبرماً بمدتهم، وايم الله ما هذا جزاؤهم منك، لقد أثروك وواسوك، فما جازيت ولا كافأت. فقام معاوية مغضباً، وقال للحرس: شدّوا أيديكم بالقوم. ثم دخل، وأجلسوا طويلاً حتى ساء ظنهم، ثم خرج مقطّباً بين عينيه، فجلس على سريره، وأقبل بوجهه، وتمثل بأبيات:
لدي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاءومَا علمَ الإنسانُ إلاَّ ليعلمَا
ولوْ غيرُ أخوالِي أرادُوا نقيصتِيجعلتُ لهمْ فوقَ العرانينِ ميسمَا
ومَا كنتُ إلاَّ مثلَ قاطعِ كفّهِبكفٍ لهُ أخرَى فأصبحَ أجذمَا
يداهُ أصابتْ هذهِ حتفَ هذهِفلمْ تجدِ الأخرَى عليهَا مقدّمَا
فلمّا استقادَ الكفَّ بالكفِّ لمْ يجدْلهُ دركاً فِي أنْ تبينَا فأحجمَا
فأطرقَ إطراقَ الشّجاعِ ولوْ يرَىمساغاً لنابيهٍ الشّجاعُ لصمّماَ
ثم قال: هذا الذي حجزني عنكم، وايم الله، لقد قطعتم من زيادٍ رحماً قريبةً واشجةً، وقلتم عليه البهتان بغير تثبّتٍ ولا بيان، ولقد وضع الله ما كان في الجاهلية من سفك الدماء، والشرك برب السماء، فذلك أعظم مما كان فيه أبو سفيان، وايم الله، ما الله راقبتم، ولا لي نظرتم، بل أدرككم الحسد في القديم لبني حربٍ، ولئن عدتم لشيءٍ مما أرى، أو أتاني عنكم من ورا ورا-: لأنهلنّكم صبراً، ولأعلنكم علقماً، حتى تعلموا- في طول حلمي- أن قد منيتم بمن إن حزَّ قطع، وإن همز أوجع، وإن همّ فجع، ثم لا تقال لكم العثرات، ويستصعب عليكم منّي ما كان وطيّا.
ويتوغّر عليكم ما كان سهلاً، فأمّا قولكم: إني أصبت السلطان بسببكم-:
فقد علمتم- يا آل العاص- أن عثمان قتل وأنا غائبٌ وأنتم حضورٌ، فما كان فيكم من مد ذراعاً، ولا اشال باعاً، أسلمتموه للحتوف، وغمدتم بعده السيوف، فما نصرتموه ولا منعتموه بأكثر من الكلام، وكان سبب ما ألب عليه الناس وأجلبوا ما كان من إيثاره إياكم بالفيء والقسم، وفي ذلك قطعت أوداجه، وسفك دمه على أثباجه، واستحلت حرمته، ونكثت بيعته، فما شببتم ناراً، ولا طلبتم ثأراً، حتى كنت أنا المطالب بالثأر، والمثكّل للأمهات، ولقد منيت في الطلب بدمه بحرب امريءٍ لا يغيض بحره، ولا يذلّ نحره، من إن قرعته لم يفزع، وإن أطمعته لم يطمع: من لا تخور قناته، ولا تصدع صفاته: من لا يطعن في قرابته وفهمه وعلمه وسابقته ومبين بلائه. وإنّي كالحيّة الصمّاء لا يبلّ سليمها، ولا ينام كليمها، وإني للمرء إن همزت كسرت، وإن كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور، ومن شاء فليؤامر، مع أنهم لو عاينوا من يوم الهرير ما عاينت، أو ولوا
منه ما وليت، إذ شد علينا أبو حسنٍ في كتائبه، وعن يمينه وشماله أهل البصائر، وكرام العشائر، فهناك شخصت الأبصار، وارتفع الشرار وقارعت الأمهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرّت الحدق، واغبر الأفق، وألجم العرق، وسال العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وحام اللئام، وحضر الفراق، وأزبدت الأشداق، وقامت الحرب على ساقٍ، وتضاربت الرجال بنصالها، بعد يأسٍ من مآلها، وتقصّفٍ من رماحها، فلا نسمع إلا التغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيول»
، ووقع السيوف كأنه دقّ غاسل خشبته على منصبته، فكان ذلك دأبنا يومنا حتى رهقنا الليل بغسقه، ثم انبلج الصبح بفلقه، فلم يبق من القتال إلا الهرير والزّئير. فقال عمرو ابن العاص: أما والله لو شهدتم ذلك اليوم لعلمتم أنّي أحسن بلاءً، وأصبر في اللأواء، وإني وإياكم لكما قال الأوّل:
وأعرضُ عنْ أشياءَ لوْ شئتُ قلتهَاولوْ قلتهَا لمْ أبقِ للصلحِ موضعَا
فان كان أمير المؤمنين صيّرني شعاره دون دثاره فقد أوليته ذلك من نفسي، وقد عجمني وسبرني فوجدني وفيًّا شكوراً، إذ لم تشكروه ولا أنتم معه، وقد طلبنا بدم أمير المؤمنين- المقتول ظلماً- إذا لم تطلبوه، وصبرنا لقراع الكتائب وظبات القواضب، وأنا أسألك- يا أمير المؤمنين- أن تغفر
للقوم ما قالوا، وتتغمد لهم ما نالوا، فإنهم غير عائدين إلى أمر تكرهه.
فقال معاوية: قد فعلت إن هم فعلوا. ثم نهض ونهض القوم، فلم يكن بينهم في هذا الأمر معاودة.
النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع