تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

خطبة الكتاب وحدود حرم مكة

الحمد لله عالم الأسرار، غافر الإضرار، الواحد القهار، العزيز الجبار، المنزه الذي لا يقبض يديه سهاد الليل والنهار؛ نحمده حمد معترف بوحدانيته، ونشكره شكر مغترف من بحر نعمته، متقلب فى ظل رحمته.

ونصلى على نبيه سيدنا محمد المبعوث بالآيات الباهرة، والبينات القاهرة، الآخذ عن النار بالحجزات، الداعى إلى سبيل ربه بالآيات البينات، وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار، صلاة باقية إلى يوم الدين.

ونرضى عن نجله الأطهر، وسليله الأبر، الإمام المهدى، الذي جدد رسم الدين بعد البلى، وجاهد فى سبيل الله حق جهاده وأبلى، وإلى طريق الحق [دعا] النفرى والجفلى؛ وعن الخلفاء الراشدين، أئمة الهدى، ومصابيح من رشد واهتدى. ونوالى الدعاء لخليفتهم المبارك الأسعد، سيدنا أمير المؤمنين يعقوب بنصر تتصل أسبابه بسعادته، وفتح يسوقه القدر وفق إرادته.

وبعد، لما كان العلم أنفس ما يقتنى، وأشرف ما به يعتنى، لم يزل ينقله خلف عن سلف ويحمله ذو شرف عن ذى شرف، وجب أن يكون أفضل ما يهديه مهد أو يستهديه مهدى، رغبة فى الاتسام برسمه، والارتسام والدخول

فى رعيته، والاستثئار بحيازة مآثر من تواريخ الأمم، وسير العرب والعجم، إذ كان المرء يقف منها على أخبار من غبر، وآثار من ذهب ودثر، ويشاهد ممالك ذهبت وبادت، كأنها عادت إلى الحياة أو كادت:

لم يبق شىء من الدنيا أسرّ بهإلا الدفاتر فيها الشعر والخبر
مات الذين لهم فضل ومكرمةوفى الدفاتر من أخبارهم آثر

وقديما وضع الناس التواريخ ورتبوها، ودونوا الأخبار وكونوها، حرصا منهم على نظم فرائدها وتقييد شواردها، وما زال واضعوها يتقلبون بين إكثار وإقلال، وإسهاب واختصار، وكلهم يجرى على طريقة إلى غاية يضيفها ويسطرها. وكثيرا ما خلد خدم العقلاء ملوك أزمنتهم بالتواريخ المؤلفة والتواليف المزخرفة، تفننا لمسراتهم وترضيا لمبراتهم، ولولا ذلك لم يحصل الأخر على علم الأول، ولا عرفت أخبار الملل والدول.

ولذلك رأيت الشيخ الأجل المعظم، الأغر الأسنى، الأمجد المكرم، أبا عمران بن الشيخ الأرفع، المرحوم أبى يحيى بن وقتين أدام الله علاهم، ووصل مجدهم وسراهم، قد أبرز على الفضلاء فضلا، وأربى على النبلاء نبلا، وزاد على أهل زمانه فى العلم والحلم، وغبطة بالعلم ووصل العلماء ومراضاة الفقهاء. وكانت همته السامية إلى طراف الأخبار، وإيثار أهل الآثار، إلى أن شادت بذلك الرفاق، وامتلأت بحديثه الآفاق، ونازعتنى الرغبة والتصدى لشكر النعمة، إلى أن أطرز باسمه كتابا يجمع بين الأخبار والصحائف، ويأخذ بطرفى شرائد الطرائف، متضمنا بذلك إحسانه، راجيا بذلك فضله وامتنانه بمنه حسبما أردته. و [لما] اتسق وصفه على ما اخترت، سميته بكتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار، بعد أن قصدت فى أكثره التحقيق واطرحت فى مستودعه التلفيق.

وابتدأت بمكة شرفها الله تعالى، وما يجب ذكره من وصف حرمها، وأسماء الجبال المحيطة بها، وذكر أرباضها، ووصف المسجد الحرام بحسب الوسع، وذرع الكعبة من خارج، ووصفها من داخل. ووصفت الصفا والمروة، وعرفة ومزدلفة، ومنى وجبل الرحمة، مع شريعة إبراهيم ﵇ وصفة بطن محسّر إلى غير ذلك من المناسك، وصفة مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة. ووصفت منبره ﵇، ووصفت عدد أبواب المسجد، وجميع ما فيه من العمد وعدد ما فيه من القناديل، ووصف روضته ﵇. ثم وصفت بقية المدينة، وروضة عثمان رضى الله عنه ووصفت مسجد قبا، وقبور الشهداء بأحد رحمة الله عليهم تبركا بذلك وتيمنا بالاستفتاح به.

ثم عدت إلى بلاد مصر وما فيها من العجائب، ووصفت نيل مصر وعدد أمياله، من وسطه إلى موقعه، وذكرت بناء الأهرامات والبرابى ومن بناها، وصورتها وطولها وعرضها وما صنع فيها من العجائب؛ وذكرت من عمرها من الملوك قبل الطوفان وما نزل بها بهذا الطوفان؛ وذكرت فتحها فى أيام سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه. ثم عدت إلى مدينة الإسكندرية، ووصفت بناءها وصفة منارها وصفة المرآة التى كانت بها وبناءها وتداول الملوك عليها.

ثم ذكرت بلاد إفريقية وما فيها من العجائب، ووصفت مدينة قرطاجنة وآثارها وعجائبها، ووصفت البلاد الى آخر بلاد المغرب. وقسمت أقطارها قسمين، ورتبتها صنفين: فمنها الصحراوية أو ما قاربها، والساحلية وما يليها.

ولم أذكر شيئا مما سقته إلا ما كاد ينعقد على أكثره الإجماع، ويتفق عليه العيان والسماع، وللمولى أدام الله تأييده ووصل سعوده، أن يقدر عبده فيما أورده، ويحقق فيما رجاه أمله ومعتمده، فإنه وإن كان قد أنفذ وسعه فى الاختيار، وتوسط بين الإقلال والإكثار، حرى بالاحسان

ظنا، ويرى التغميض عن هناته سنا، إذ هو فيما ذكر كمن حمل التمر إلى هجر.

ومنك استعدنا كل غريبة، فأنت غريبة فى عيون الغرائب. وهذا حين أبتدىء بذكر ما أردته فيما أوردته، مستعينا بالله سبحانه، راجيا صفحه وغفرانه، والله سبحانه يمتع الأدب ببقاء المولى، ويشكره ما منح الخلق من يده وأولى:

الناس يهدون على قدرهموإننى أهدى على قدركا
يهدون ما يفنى وأهدى الذييبقى على الأزمان من فخركا

ذكر حدود حرم مكة شرفها الله

حدّ الحرم من ناحية المدينة من ذى طوى على ثلاثة أميال من مكة، وحده من طريق جدّة على عشرة أميال، وحده من طريق اليمن على سبعة أميال، وحده من طريق العراق على ستة أميال، وحده من طريق الطائف على أحد عشر ميلا فعدد أميال الحرم ميلا، ودور الحرم حول مكة ميلا؛ وكان النبي ﷺ بنى بالحرمين مسجدا.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.