تجاوز إلى المحتوى

من «البخلاء» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

علم العرب في الطعام

قال عمرو الجاحظ: احتجنا عند التطويل، وحين صار الكتاب

طويلا كبيرا، إلى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، وما يتمادحون به وما يتهاجمون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب طويلا كبيرا، الى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، يتمادحون به وما يتهاجون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب. ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس، لكان الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب.

الطعام ضروب. والدعوة اسم جامع، وكذلك الزلّة . ثم منه العرس والخرس والإعذار والوكيرة والنقيعة. والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات. قال الشاعر:

نحن في المشتاة ندعو الجفلىلا ترى الآدب فينا ينتقر
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

وجاء في الحديث: «القرآن مأدبة الله» . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن: «أو لم ولو بشاة» ، وكان ابن عون والأصمعي من بعده يذمّان عمرو بن عبيد ويقولان: «لا يجيب الولائم» . يجعلان طعام الإملاك والإعراس والسبوع والختان وليمة.

والعرس معروف، إلا أن المفضّل الضبّي زعم أن هذا الإسم مأخوذ من قولهم: «لا عطر بعد عروس» . وكان الأصمعي يجعل العروس

رجلا بعينه، كان بنى على أهله فلم يتعطر له، فسمّي بعد ذلك كل بان على أهله بذلك الإسم. ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر، ويظهر في الخبر.

وأما الخرس فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء.

وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة، والخرسة طعام النفساء. قالت جارية ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء:

«تخرسي لا مخرّسة لك» . وفي الخرسة يقول مساور الوراق:

إذا أسدية ولدت غلامافبشّرها بلؤم في الغلام
تخرّسها نساء بني دبيربأخبث ما يجدن من الطعام

قوال ابن القميئة:

شرّكم حاضر وخيركم درّخروس من الأرانب بكر
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

فالخروس هي صاحبة الخرسة.

والأعذار طعام الختان، يقال: «صبي معذور وصبي معذر جميعا» .

وقال بعض أصحاب النبي ﷺ، وهو يريد تقاربهم في الأسنان: «كنا إعذار عام واحد» . وقال النابغة:

فنكحن أبكارا وهنّ بإمّةأعجلنهننّ مظنّة الإعذار

فزعموا أنهم سمّوا طعام الإعذار بالاعذار للملابسة والمجاورة.

كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معان، فإذا ابتدلت تلك المعاني لم يتكلم بذلك الكلام. فمن ذلك قول الناس اليوم: «ساق إليها صداقها» . وإنما كان هذا يقال حين كان الصّداق إبلا وغنما. وفي قياس قول الأصمعي أن أصحاب التمر، الذين كان التمر دياتهم ومهورهم، كانوا لا يقولون: ساق فلان صداقه» . قال: ومن ذلك قول الناس اليوم: «قد بنى فلان البارحة على أهله» وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبّته وخيمته، وذلك هو بناؤه.

ولذلك قال الأول:

لو نزل الغيث لأبنين امرءاكانت له قبّة سحق بجاد

وكان الأصمعي يعدّ من هذا أشياء ليس لذكرها ههنا وجه.

ومن طعامهم الوكيرة، وهو طعام البناء. كان الرجل يطعم من يبني له، وإذا فرغ من بنائه تبرّك بإطعام أصحابه ودعائهم. ولذلك قال قائلهم:

خير طعام شهد العشيرةالعرس والإعذار والوكيرة

ويسمّون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم:

«النقيعة» . قال الشاعر:

إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهمضرب القدار نقيعة القدّام

و «العقيقة» دعوة على لحم الكبش الذي يعقّ عن الصبي .

والعقيقة اسم للشعر نفسه، والأشعار هي العقائق. وقولهم: عقّوا عنه

أي احلقوا عقيقته. ويقولون. عقّ عنه، وعقّ عليه. فسميّ الكبش لقرب الجوار وسبب الملتبس: «عقيقة» . ثم سمّوا ذلك الطعام باسم الكبش.

وكان الأصمعي يقول: لا يقولنّ أحدكم: «أكلت ملّة» . بل يقول:

«اكلت خبزة» وإنما الملّة موضع الخبزة . وكذلك يقول في الراوية والمزادة. يقول: الراوية هو الجمل، وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك .

فأما الدعاء إلى هذه الأصناف فمنه المذموم، ومنه الممدوح. فالمذموم النقري، والممدوح الجفلي. وذلك أن صاحب المأدبة ووليّ الدعوة إذا جاء رسوله، والقوم في أحويتهم وأنديتهم، فقال: أجيبوا إلى طعام فلان، فجعلهم جفلة واحدة، وهي الجفالة، فذلك هو المحمود. وإذا انتقر فقال: قم أنت يا فلان، وقم أنت يا فلان، فدعا بعضا وترك بعضا فقد انتقر. قال الهذلي:

وليلة يصطلي بالفرث جازرهايخصّ بالنقرى المثرين داعيها
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة

يقول: لا يدعو فيها إلا أصحاب الثروة وأهل المكافأة، وهذا قبيح وقال في ذلك بعض ظرفائنا:

آثر بالجدي وبالمائدةمن كان يرجو عنده العائدة
لو كان مكوكان في كفهمن خردل ما سقطت واحدة

وقال طرفة بن العبد:

نحن في المشتاة ندعو الجفلىلا ترى الآدب فينا ينتقر
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي، وأثبته عاصم بن خليفة الضبيّ، شدّ عليه فطعنه وهو يقول:

«هذا وفي الحفلة لا يدعوني»

ويروي: «في الجفلة لا يدعوني» . كأنه حقد عليه حين كان يدعو أهل المجلس ويدعه.

والطعام المذموم عندهم ضربان، أحدهما طعام المجاوع والحطمات والضرائك والسباريت واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء. من ذلك الفث والدعاع والهبيد والقرامة والقرّة والعسوم ومنقع البرم والقصيد والقدّ والحيّات. فأما الفظ فانه وإن كان شرابا كريها فليس يدخل في هذا الباب، وكذلك المجدوح. فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في المفاوز؛ وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الابل وتلقوا ألبابها بالجفان كيلا يضيع من دمائها شيء؛ فاذا برد الدم ضربوه بأيديهم، وجدحوه بالعيدان جدحا حتى ينقطع، فيعتزل ماؤه من ثقله، كما يخلص الزبد بالمخض والجبن بالأنفحة ، فيتصافنون ذلك الماء ويتبلّغون به، حتى يخرجوا من المفازة. وقال الشاعر:

لم تأكل الفثّ والدّعاع ولمتجن هبيدا يجنيه مهتبده
للشاعر الطرماح، من قصيدة «طال في رسم مهدد أبده»

قال أميّة ابن أبي الصلت:

ولا يتنازعون عنان شركولا أقوات أهلهم العسوم
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «جهنم تلك لا تبقي بغيا»
ولا قرد يقزز من طعامولا نصب ولا مولى عديم

وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، في القرّة، وهو يعيّر بني أسد وناسا من هوازن وهما ابنا القملية :

ألم تر جرما أنجدت وأبوكممع القمل في حفر الأقيصر شارع
إذا قرّة جاءت يقول أصب بهاسوى القمل، إني من هوازن ضارع

و «القرامة» : نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها.

و «العلهز» : القردان ترضّ وتعجن بالدم . و «القرّة» : الدقيق المختلط بالشعر. كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلا على رأسه قبضة من دقيق، ليكون صدقة على الضرائك، وطهورا له. فمن أخذ ذلك الدقيق للأكل فهو معيب.

وفي أكل الحيّات يقول ابن مناذر:

فإيّاكم والريف لا تقربنّهفان لديه الحتف والموت قاضيا
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وهم طردوكم عن بلاد أبيكموأنتم حلول تشتوون الأفاعيا
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

وقال القطامي في أكلهم القدّ:

تعمّمت في طلّ وريح تلفّنيوفي طرمساء غير ذات كواكب
الى حيزبون توقد النار بعد ماتلفّعت الظلماء من كل جانب
فسلمت، والتسليم ليس يسرّهاولكنه حق على كل جانب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فلما تنازعنا الحديث سألتها:من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
من المشتوين القد في كل شتوةوإن كان ريف الناس ليس بناصب

وقال الراعي:

بكى معوز من أن يضاف وطارقيشدّ من الجوع الإزار على الحشا
الى ضوء نار يشتوى القدّ أهلهاوقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»

وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ في المغازي والأسفار، فيمدحون من آثر صاحبه، ولا يذمّون من أخذ حقه منه. وهو ماء المصافنة . و «المصافنة» : مقاسمة هذا الماء بعينه؛ وذلك أن الماء إذا نقص عن الريّ اقتسموه بالسواء، ولم يكن للرئيس ولصاحب المرباع والصفيّ وفضول المقاسم فضل على أخسّ القوم. وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء. قال الفرزدق:

فلما تصافنّا الإدواة أجهشتإليّ غضون العنبريّ الجراضم
على ساعة لو أنّ في القوم حاتماعلى جوده ضنّت به نفس حاتم

وبذلك المذهب من الأثرة مدح الشاعر كعب بن مامة ، حين آثر بنصيبه رفيقه النمري، فقال:

ما كان من سوقة أسقى على ظمأخمرا بماء إذا ناجودها بردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
من ابن مامة كعب ثم عيّ بهزوّ المنية إلا حرة وقدا
أوفى على الماء كعب ثم قيل لهرد كعب، إنك ورّاد فما وردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وفي المصافنة يقول الأسدي :

كأن أطيطا يابنة القوم لم ينخقلائص يحكيها الحنّي المنقّح
ولم يسق قوما فارسيّ على الحصىصباب الأداوي والمطيّات جنّح

ويزعمون أنّ الحصاة التي إذا غمرها الماء في الاناء كانت نصيب أحدهم تسمى «المقلة» . وهذا الحرف سمعته من البغداديين، ولم أسمعه من أصحابنا، وقد برئت إليك منه.

وقال ابن جحوش في المصافنة:

ولما تعاورنا الإدواة أجهشتالى الماء نفس العنبريّ الجراضم
وآثرته لما رأيت الذي بهعلى النفس أخشى لا حقات الملاوم
فجاء بجلمود له مثل رأسهليشرب حظّ القوم بين الصرائم

وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم، ولا في ناحية من النواحي. وأن أحدهم ليجوع حتى يشدّ على بطنه الحجارة، وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار ، وينزع عمامته من رأسه فيشدّ بها بطنه. وإنما عمامته تاجة، والأعرابي يجد في رأسه من البرد، إذا كان حاسرا ، ما لا يجده أحد، لطول ملازمته العمامة، ولكثرة طيّها وتضاعف أثنائها. ولربما اعتمّ بعمامتين، ولربما كانت على قلنسوة خدرية . وقال مصعب بن عمير الليثي:

سيروا فقد جنّ الظلام عليكمفبئس امرؤ يرجو القرى عند عاصم
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة
دفعنا اليه وهو كالذيخ خاطيانشدّ على أكبادنا بالعمائم

وقال الراعي في ذلك:

يشبّ لركب منهم من ورائهمفكلهم أمسى الى ضوئها سرى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
الى ضوء نار يشتوي القدّ أهلهاوقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
فلما أناخوا واشتكينا اليهمبكوا وكلا الخصمين مما به بكى
بكى معوز من أن يضاف وطارقيشدّ من الجوع الإزار على الحشا

ومما يدل على ما هم فيه من الجهد، وعلى امتداحهم بالأثرة، قول الغنوي :

لقد علمت قيس بن عيلان أننانضار، وأنا حيث ركّب عودها
إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضهببعض، ويبلى شحّ نفس وجودها
وأنّا مقار حين يبتكر الغضاإذا الأرض أمست وهي جدب جنودها

وقال في ذلك العجير السلولّي :

من المهديات الماء بالماء بعد مارمى بالمقاري كل قار ومعتم

وقال آخر في مثل هذا:

لنا إبل يروين يوما عيالناثلاث فإن يكثرن يوما فأربع
تمدّهم بالماء لا من هوانهمولكن إذا ما قلّ شيء يوسّع
على أنها تغشى أولئك بيتهاعلى اللحم حتى يذهب الشر أجمع

وقال أبو سعيد الخدري: أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي ﷺ أسأله. فلما سمعته وهو يخطب: «من يستعفّ يعفّه الله، ومن يستعن يعنه الله، رجعت ولم أسأله» .

قال أعرابي: «جعت حتى سمعت في مسامعي دويا. فخرجت أريغ الصيد، فإذا بمغارة، وإذا جرو ذئب. فذبحته وأكلته، وادّهنت وأحتذيت» .

ولما قدم المغيرة القادسيّة على سعد بسبعين من الظهر، وعند سعد ضيق شديد من الحال، نحروها، وأكلوا لحومها، وأدّهنوا مشحوبها، واحتذوا جلودها.

وذكر الأصمعي عن عثمان الشحّام، عن أبي رجاء العطاردي ، قال: «لما بلغنا أن النبي ﷺ قد أخذ في القتل هربنا فاشتوينا فخذ أرنب دفينا وألقينا عليها جمالتنا . فلا أنسى تلك الأكلة» . وكان الأصمعي إذا حدث بهذا الحديث قال: «نعم الأدام الجوع. ونعم شعار المسلمين التخفيف» .

وذكروا عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من بني عذرة، قال:

خرجت زائرا لأخوال لي بهجر ، فاذا هم في برث. أحمر، بأقصى

حجر، في طلوع القمر. فذكروا أن أتانا تعتاد نخلة، فترفع يديها، وتعطو بفيها، وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصّفة والمعوة . فتنكبت قوسي، وتقلدت جفيري . فإذا هي قد أقبلت، فرميتها فخرّت لفيها.

فأدركت فقوّرت سرّتها ومعرفتها ، فقدحت ناري، وجمعت حطبي، ثم دفنتها. ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم، فما استيقظت إلا بحرّ الشمس في ظهري. ثم كشفت عنها، فإذا لها غطيط من الودك ، كتداعي طيء وغطيف وغطفان. ثم قمت إلى الرطب، وقد ضربه برد السحر، فجنيت المعوة والحلقان فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين، والرطبة بين الشحمتين، فأظن الشحمة سمنة، ثم سلاءة. وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطود.

وأنا اتهم هذا الحديث لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب العرب. وهو من أحاديث الهيثم .

وقال مديني لأعرابي: «أي شيء تدعون، وأي شيء تأكلون» ؟

قال: «نأكل ما دبّ ودرج إلا أم حبين » ، فقال المديني: «لتهن أم حبين العافية» .

وقال الأصمعي: تعرّق أعرابي عظما، فلما أراد أن يقليه، وله بنور ثلاثة، قال له أحدهم: «أعطنيه» قال: «وما تصنع به» ؟ قال:

«أتعرّقه، حتى لا تجد فية مقيلا» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثاني:

«أعطنيه» ، قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أتعرّقه، حتى لا يدرى ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثالث: «أعطنيه» ، قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أجعله مخّة إدامه» ، قال «أنت له» .

وقال الآخر:

فإنك لم تشبه لقيطا وفعلهوإن كنت أطعمت الأرزّ مع التمر

وقال الآخر:

إذا أنغاض منها بعضها لم تجد لهادوّيا لما قد كان منها مدانيا
وإن حالوا أن يشعبوها رأيتهاعلى الشعب لا تزداد إلا تداعيا
معوّذة الأرحال، لم ترق مرقبا،ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
ولا اجتزعت من نحو مكة شقةإلينا، ولا جازت بها العيس واديا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
ولكنها في أصلها موصليةمجاورة فيضا من البحر جاريا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
أتتنا تزجّيها المجاذيف نحونا،وتعقب فيما بين ذاك المراديا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
فقلت: لمن هذي القدور التي رأىتهيل عليها الريح تربا وسافيا؟
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
فقالوا: وهل يخفى على كل ناظرقدور رقاش أن تأمّل رائيا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
فقلت: متى باللحم عهد قدوركم؟فقالوا: إذا ما لم يكن عواريا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
ألاضحى الى الأضحى، وإلا فانهاتكون كنسج العنكبوت كما هيا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
فلما استبان الجهد لي في وجوههموشكواهم أدخلتهم في عياليا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
فكنت إذا ما استشرفوني مقبلاأشاروا جميعا لجّة وتداعيا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم ما أنا كاتبه لك. وهم وإن كانوا في بلاد جدب، فإنهم أحسن حالا في الخصب. فلا تظنّن أن كل ما يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل.

وحدثني الأصمعي، قال: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية، فقال: «ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة ، وهي له معرضة، شبعا» .

وقال الأفوه الأوديّ :

تهنا لثعلبة بن قيس جفنةيأوي إليها في الشتاء الجوّع
ومذانب لا تستعار وخيمةسوداء عيب نسيجها لا يرقع
وكأنما فيها المذانب حلقةوذم الدلاء على دلوج ينزع

وقال معن بن أوس، وهو يذكر قدر سعيد بن العاص ، في بعض ما يمدحه:

أخو شتوات لا تزال قدورهيحلّ على أرجائها ثم يرحل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
إذا ما امتطاها الموقدون رأيتهالو شك قراها وهي بالجزل تشعل
سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطتكهدر الجمال رزّما حين تجفل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
ترى البازل الكوماء فيها بأسرهامقبّضة في قعرها ما تحلحل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
كأن الكهول الشمط في حجراتهاتغطرش في تيارها حين يجفل
إذا التطمت أمواجها فكأنهاعوائذ دهم في المحلّة قيّل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
إذا أحتدمت أمواجها فكأنمايزعزها من شدة الغلي أفكل
تظل رواسيها ركودا مقيمةلمن نابه فيها معاش ومأكل

وضاف الفرزدق أبا السحماء، سحيم بن عامر، أحد بني عمرو بن مرثد، فأحمده وذكر في إحماده قدره، فقال:

سألنا عن أبي السحماء حتىأتينا خير مطروق لساري
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سألنا عن أبي السحماء حتى»
فقلنا: يا أبا السحماء إنّاوجدنا الأزد أبعد من نزار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سألنا عن أبي السحماء حتى»
فقام يجرّ من عجل إليناأسابيّ العنّاس مع الإزار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سألنا عن أبي السحماء حتى»
وقام الى سلافة مسلحبّرثيم الأنف مربوب بقار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سألنا عن أبي السحماء حتى»
تدور عليهم والقدر تغليبأبيض من سديف الكوم واري
كأن تطلّع الترعيب فيهاعذارى يطلعن إلى عذاري

وقال الكميت في صفة القدر:

إوّز تغمّس في لّجةتغيب مرارا وتطفو مرارا
كأن الغطامط من غليهاأراجيز أسلم تهجو غفارا

وأما ما ذكروا من صفات القدور، من تعيير بعضهم بعضا، فهو، كما أنشدني محمد ابن يسير: قال: لما قال الأول:

إن لنا قدرا ذراعين عرضهاوللطول منها أذرع وشبار

قال الآخر: وما هذه؟ أخزى الله هذه قدرا. ولكنّي أقول:

بوّأت قدري موضعا فوضعتهابرابية من بين ميث وأجرع
جعلت لها هضب الرخام وطخفةوغولا أثافي دونها لم تنزّع
بقدر كأن الليل سحمة قعرهاترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
يعجّل للأضياف واري سديفهاومن يأتها من سائر الناس يشبع
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

قال أبو عبيدة: ولما قال الفرزدق:

وقدر كحيزوم النعامة أحمشتبأجذال خشب زال عنها هشيمها
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

قال ميسرة أبو الدرداء: وما حيزوم النعامة؟ والله ما تشبع هذه الفرزدق ولكني أقول:

وقدر كجوف الليل أحمشت غليهاترى الفيل فيها طافيا لم يفصّل
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

وقال عبد الله بن الزبير يمدح أسماء بن خارجة:

ألم تر أن المجد أرسل يبتغيحليف صفاء وأتلى لا يزايله
تخيّر أسماء بن حصن فبطنتبفعل العلى أيمانه وشمائله
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
ترى البازل البختي فوق خوانهمقطعة أعضاؤه ومفاصله
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

ومما يجوز في هذا الباب، وإن لم يكن فيه صفة قدر، قول الفرزدق في العذافر بن زيد، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة:

لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالهابأكثر خيرا من خوان العذافر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها»
ولو ضافه الدجّال يلتمس القرىوحلّ على خبّازه بالعساكر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها»
بعدّة يأجوج ومأجوج جوّعالأشبعهم شهرا غداء العذافر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها»

وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم :

لو شاء بشر كان من دون بابهطماطم سود أو صقالبة حمر
ولكن بشرا أسهل الباب للتييكون لبشر عندها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما ردّ طرفهحذار الغواشي باب دار ولا ستر

وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور. قال الرقاشي:

لنا من عطاء الله دهماء جونةتناول بعد الأقربين الأقاصيا
جعلنا ألالا والرجام وطخفةلها فاستقلت فوقهن أثافيا
مؤدية عنا حقوق محمدإذا ما أتانا بائس الحال طاويا
أتى ابن يسير كي ينفّس كربهاإذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا

فأجابه ابن يسير، فقال:

وثرماء ثلماء النواحي ولا يرىبها أحد عيبا سوى ذاك باديا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي:ألا أبشروا هذا اليسيريّ جائيا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

وقال ابن يسير في ذلك:

قدر الرقاشي لم تنقر بمنقارمثل القدور، ولم تفتصّ من غار
لكنّ قدر أبي حفص، إذا نسبتيوما، ربيبة آجام وأنهار

فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانيء الحكمي، يذكر قدر الرقاشي بالهجاء أيضا، فقال:

ودهماء تثفيها رقاش إذا شتتمركّبة الآذان أمّ عيال
يغصّ بحيزوم البعوضة صدرهاوتنزلها عفوا بغير جعال
ولو جئتها ملآى عبيطا مجزّلالأخرجت ما فيها بعود خلال
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودهماء ترسيها رقاش إذا شتت»
هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائلربيع اليتامى عام كل هزال
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودهماء ترسيها رقاش إذا شتت»

وقال النمر بن تولب:

لها ما تشتهي: عسل مصفّىوإن شاءت فحوّاري بسمن

ومن أشرف ما عرفوه من الطعام، ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان ، وهو الفالوذق. مدحه بذلك أميّة بن أبي الصلت، فقال:

الى ردح من الشيزى عليهالباب البّر يلبك بالشّهاد

ولهم الثريد، وهو في أشرافهم عامّ، وغلب عليه هاشم، حين هشم الخبز لقومه، وقد مدح به في شعر مشهور، وهو قوله:

عمرو العلا هشم الثريد لقومهورجال مكة مسنتون عجاف

ومن الطعام الممدوح الحيس . وتزعم مخزوم أن أول من حاس الحيس سويد ابن هرمّي. وقال الشاعر:

وإذا تكون شديدة أدعى لهاوإذا يحاس الحيس يدعى جندب

والخبز عندهم ممدوح. وكان عبد الله بن حبيب العنبري، أحد بني سمرة، يقال له: آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وكان سيدبني العنبر في زمانه. وهم إذا فخروا قالوا: منا آكل الخبز ومنا مجير الطير، يعني ثوب ابن شجمة العنبري. وهم يقدّمون اللحم على اللبن، ولذلك قال شاعرهم:

ولو أنها لم تدفع الرّسل دمهارأى بعضها من بعض أنسابها دما

ويقدّمون اللحم على التمر، ألا تراه يقول:

قرتني عبيد تمرها وقريتهاسنام مصرّاة قليل ركوبها
فهل يستوي شحم السنام إذا شتاوتمر جواثا حين يلقى عسيبها

وليس يكون فوق عقر الابل وإطعام السنام شيء. والعقر هو النجدة، واللبن هو الرسل. قال الهذلي:

لو أن عندي من قريم رجلالمنعوني نجدة أو رسلا

وقال الهذلي:

«ألا إنّ خير الناس رسلا ونجدة » وقال المرّار بن سعيد الفقعسي:

لهم إبل لا من ديّات ولم تكنمهورا ولا من مكسب غير طائل
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
ولكن حماها من شماطيط غارةخلال العوالي فارس غير مائل
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
مخيّسة في كل رسل ونجدةومعروفة ألوانها في المعاقل

وقد وصفوا الثريد، فقال الراعي:

فبات يعدّ النجم من مستحيرةسريع على أيدي الرجال جمودها

وقال فيها أيضا:

رأيت قدور الناس سودا على الصلى،وقدر الرقاشيّين زهراء كالبدر
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلالأخرجت ما فيها على طرف الظفر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رأيت قدور الناس سودا من الصلى»
يبيّنها للمعتفي بفنائهمثلاث كحظ الثاء من نقط الحبر
تبينّ في محراثها أن عودهسليم صحيح، لم يصبه أذى الجمر
تروح على حيّ الرباب ودارموسعد، وتعروها قراضبة الفزر
وللحيّ عمرو نفحة من سجالهاوتغلب والبيض اللهاميم من بكر
إذا ما تنادوا بالرحيل سعى بهاأمامهم الحوليّ من ولد الذرّ

وقال بعض التميميين، وهو يهجو ابن حبّار:

لو أن قدرا بكت من طول ما حبستمن الحفوف بكت قدر ابن حبار
ما مسها دسم مذ فضّ معدنهاولا رأت بعد نار القين من نار

والشعوبية والآزادمردية المبغضون لآل النبي ﷺ وأصحابه، ممن فتح الفتوح، وقتل المجوس، وجاء بالإسلام، تزيّد في جشوبة عيشهم، وخشونة ملبسهم، وتنقص من نعيمهم ورفاهة عيشهم. وهم من أحسن الأمم حالا مع الغيث، وأسوأهم حالا إذا خفّت السحاب. حتى ربما

طبّق الغيث الأرض بالكلأ والماء فعند ذلك يقول المصرم والمقتر:

«مرعي ولا أكولة» ، وعشب ولا بعير، وكلأ تبجع له كبد المصرم» .

ولذلك قال شاعرهم:

وجنّبت الجيوش أبا زينبوجاد على مسارحك السحاب

وإذا نظرت في أشعارهم علمت أنهم قد أكلوا الطيّب وعرفوه، لأنّ الناعم من الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش. فقال زياد بن فياض، يذكر الدرمك ، وهو الحوّاري:

ولاقت فتى قيس بن عيلان ماجداإذا الحرب هرّتها الكماة الفوارس
فقام الى البرك الهجان بسيفهوطارت حذار السيف دهم قناعس
فصادف حدّ السيف قبّاء جلعدافكاست وفيها ذو غرارين نائس
فأطعمها شحما ولحما ودرمكاولم تثننا عنه الليالي الحنادس

وقال:

تظلّ في درمك وفاكهةوفي شواء ما شئت أو مرقه

وقال جرير:

تكلّفني معيشة آل زيدومن لي بالمرقّق والصنّاب؟

وقال حسان بن ثابت:

ثريد كأنّ السمن في حجراتهنجوم الثريا أو عيون الضياون
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ثريد كأن السمن في حجراته»

وقال بن هرمة:

الى أن أتاهم بشيزيةتعنّ كواكبها الشبّك
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إلى أن أتاهم بشيزية»

وقال كامل بن عكرمة:

فقرّب بينهم خبزا ركوداكساها الشحم ينهمر انهمارا
يدفّ بها غلاماه جميعاتردّهما الى الأرض انهصارا
فأصبح سورهم فيها وعلميلو أن العلم صنّفها إسارا

فهذا في صفة الثريد.

وقال بشر بن أبي خازم:

ترى ودك السديف على لحاهمكلون الرار لبّده الصقيع
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا ظعن الخليط غداة ريعوا»

وقال الآخر:

جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقهوطيب الدهان رأسه، فهو أنزع
إذا النفر السود اليمانون حاولواله حوك برديه أرقّوا وأوسعوا

وقال الزبير بن عبد المطلب:

فإنا قد خلقنا إذ خلقنالنا الحبرات والمسك الفتيت
ولولا الحمس لم يلبس رجالثياب أعزّة حتى يموتوا
ثيابهم شمال أو عباءبها دنس كما دنس الحميت

فميزّ كما ترى بين لباس الأشراف وأهل الثروة وغيرهم.

وقال الأعشى:

للشرف العود فأكنافهما بين حمران فينصوب
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «للشرف العود فأَكنافه»
خير لها إن خشيت جحرهمن ربها زيد بن أيّوب
متكئا تقرع أبوابهيسعى عليه العبد بالكوب
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة:

اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقافي رأس غمدان دارا منك محلالا

وليس هذا من باب الافراط. وباب الافراط كقول جران العود وصف نفسه وعشيقته، فقال:

فأصبح في حيث التقينا غديةسوار وخلخال ومرط مطرف
ومنقطعات من عقود تركنهاكجمر الغضا في بعض ما تتخطرف
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

ومن ذلك قول عديّ بن زيد:

يا لبينى أوقدي الناراإن من تهوين قد حارا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ربّ نار بتّ أرقبهاتقضم الهنديّ والغارا

وقال الآخر:

أرى في الهوى نارا لظبية أوقدتيشبّ ويذكى بعدهنّ وقودها
تشبّ بعيدان اليلنجوج موهناوبالرند أحيانا فذاك وقودها

قد ذكرنا الطعام الممدوح ما هو، وذكرنا أحد صنفي الطعام المذموم والصنف الآخر كالخزيرة التي تعاب بها مجاشع بن دارم ، وكنحو السخينة التي تعاب بها قريش.

قال خداش بن زهير :

يا شدّة ما شددنا غير كاذبةعلى سخينة لولا الليل والحرم
للشاعر خِداش العامِري، اقرأ القصيدة

وقال عبد الله بن همّام :

إذا لضربتهم حتى يعودوابمكة يلعقون بها السخينا

وقال جرير:

وضع الخزير، فقيل: أين مجاشعفشحا جحافله هجفّ هبلع
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

والخزير لم يكن من طعامهم، وله حديث. والسخينة كانت من طعام قريش.

وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان بقرب النخل، بأكل التمر، فقال الفرزدق:

لست بسعديّ على فيه حبرةولست بعبديّ حقيبته التمر

وتهجى أسد بأكل الكلاب، وبأكل لحوم الناس. والعرب إذا وجدت رجلا من القبيلة قد أتى قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها، كما تمدح القبيلة بفعل جميل، وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها. فتهجو قريشا بالسخينة، وعبد القيس بالتمر. وذلك عامّ في الحيين جميعا، وهما من صالح الأغذية والأقوات. كما تهجو بأكل الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد، ولعلّك إذا أردت التحصيل تجده معذورا. قال الشاعر:

يا فقعسي لم أكلته لمه؟لو خافك الله عليه حرّمه

فما أكلت لحمه ولا دمه

وقال في ذلك مساور بن هند:

إذا أسدّية ولدت غلامافبشّرها بلؤم في الغلام
تخرّسها نساء بني دبيربأخبث ما يجدن من الطعام
ترى أظفار أعقد ملقياتبراثنها على وضم الثمام

وقال:

بني أسد إن تمحل العام فقعسفهذا إذا دهر الكلاب وعامها

وقال الفرزدق:

إذا أسديّ جاع يوما ببلدةوكان سمينا كلبه فهو آكله

وقال شريح بن أوس، وهو يهجو أبا المهوّش الأسدي:

عيّرتنا تمر العراق وبرّهوزادك أير الكلب حسحسة الجمر

وتهجى أسد وهذيل والعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس. قال الشاعر في هذيل:

وأنتم أكلتم سحفة ابن محدّمزمانا فلا يأمنكم أحد بعد
تداعوا له من بين خمس وأربعوقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد
ورفعتم جردانه لرئيسكممعاوية الفلحاء يا لك ما شكد

وقال حسان فيهم:

إن سرك الغدر صرفا لا مزاج لهفائت الرجيع وسل عن دار لحيان
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له»
قوم تواصوا بأكل الجار بينهمفالشاة والكلب والانسان سيّان

وهجا شاعر بلعنبر ،، وهو يريد ثوب بن شحمة، وفيه حديث:

عجلتم ما صدّكم علاجيمن العنوق ومن النعاج

حتى أكلتم طفلة كالعاج

ولما عيّر ثوب بن شحمة بأكل الفتى لحم المرأة، إلى أن نزل هو من الجبل، قال:

يا بنت عمي ما أدراك ما حسبيإذا لا تجنّ خبيث الزاد أضلاعي
إني لذو مرّة تخشى بوادرهعند الصياح بنصل السيف قرّاع

فهجا ثوب بن شحمة بأكل لحوم أمرأة، وكان ثوب هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما خبيثا، ولو مات عندهم جوعا. وله قصص.

ولقد أسر حاتم الطائي، وظل عنده زمانا.

وقال الشاعر يهجو باهلة بمثل ذلك:

إنّ غفاقا أكلته باهلهتمشّشوا عظامه وكاهله

وأصبحت أم غفاق ثاكله

وهجيت بذلك أسد جميعا، بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن خالد بن نضلة، حين أكلها زوجها وأخوها أبو أرب، وقد زعموا أن ذاك إنما كان منهما من طريق الغيظ والغيرة، فقال ابن دارة ينعي ذلك عليهم:

أفي أن رويتم واحتلبتم شكيّكمفخرتم؟ وفيم الفقعسيّ من الفخر؟
ورملة كانت روجة لفريقكموأخت فريق، وهي مخزية الذكر
أبا أرب كيف القرابة بينكموإخوانكم من لحم أكفالها عجر

وقال:

عدمت نساء بعد رملة فائدبني فقعس تأتيكم بأمان
وباتت عروسا ثم أصبح لحمهاجلا في قدور بينكم وجفان

وقال البراء بن ربعي، أخو مضرّس بن ربعي، يعيّر صلتا، وهو أخوه، فقال:

يا صلت إنّ محلّ بيتك منتنفارحل فان العود غير صليب
وإذا دعاك الى المعاقل فائدفاذكر مكان صدارها المسلوب
والآن فادع أبا رجال إنهاشنعاء لا حقة بأمّ حبيب

وأبو رجال هذا عمها. وقال في ذلك معروف الدبيري:

إذا ما ضفت ليلا فقعسيافلا تطعم له أبدا طعاما
فإنّ اللحم إنسان فدعهوخير الزاد ما منع الحراما

وعيرت كلب والقين بن جسر بأكل الخصى. وذلك بسبب النساء، وذلك أن واحدا منهم لما أطعم خصييه بسبب العبث بامرأة، سار مع من ركبوا ذلك منه فيهم مثل هذه السيرة، فقال بعض من ركب ذلك:

أبلغ لديك بني كلب وإخوتهمكلبا فلا تجترّوا بعدي على أحد
هذي الخصى فكلوها من نفوسكمكما أكلتم خصاكم في بني أسد

وهذا الباب يكثر ويطول، وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات. فإن أردته مجموعا فاطلبه في كتاب الشعوبية . فإنه هناك مستقصى.

والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير نارا نبح، فيجاوبه الكلب، فيتبع صوته. ولذلك قال الشاعر:

ومستنج أهل الثرى يطلب القرىالينا وممساه من الأرض نازح

وقال الآخر:

عوى حدس والليل مستحلس الندىلمستنبح بين الرميثة والحضر

ويدلّك على أنه ينبح وهو على راحلته لينبحه الكلب قول حميد الأرقط:

وعاو عوى والليل مستحلس الندىوقد ضجعت للغور تالية النجم
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

فمنهم من يبرز كلبه ليجيب، ومنهم من يمنعه ذلك. قال زياد الأعجم، وهو يهجو بني عجل:

وتكعم كلب الحيّ من خشية القرىوقدرك كالعذراء من دونها ستر
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

نزلنا بعمّار فأشلى كلابهعلينا فكدنا بين بيتيه نؤكل
فقلت لأصحابي، أسرّ إليهم:إذا اليوم أم يوم القيامة أطول؟

وقال آخر:

أعددت للضيفان كلبا ضارباعندي وفضل هراوة من أرزن

وقال أعشى بني تغلب:

إذا حلّت معاوية بن عمروعلى الأطواء خنّقت الكلابا
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة

وأنشدني ابن الأعرابي، وزعم أنه من قول المجنون:

ونار قد رفعت لغير خيررجاء أن تأوّبني الرعاء
تأوّبني طويل الشخص منهميجرّ ثفاله يرجو العشاء
فكان عشاءه عندي خزيربتمر جثيثة فيه النواء

وقال في خلاف ذلك حسان بن ثابت:

أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

وقال المرّار الحماني في كلبه:

ألف الناس فما ينبحهممن أسيف يبتغي الخير وحرّ

وقال عمران بن عصام:

لعبد العزيز على قومهوغيرهم منن غامره
فبابك ألين أبوابهمودارك مأهولة عامره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»
وكلبك آنس بالمعتفينمن الأم بابنتها الزائره
وكفك حين ترى السائلين أندى من الليلة الماطره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»
فمنك العطاء ومنّا الثناءبكل محبرة سائره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»

وفي أنس الكلاب بالناس، لطول الرؤية لهم، شعر كثير. وقال الشاعر:

يا أمّ عمرو أنجزي الموعوداوارعي بذاك أمانة وعهودا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «يا أم عمرو أنجزي الموعودا»
ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحىحتى تركت عقورهن رقودا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «يا أم عمرو أنجزي الموعودا»
يضربن بالأذناب من فرح بنامتوسّدات أذرعا وخدودا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «يا أم عمرو أنجزي الموعودا»

وقال ذو الرمة :

رأتني كلاب الحي حتى ألفتنيومدّت نسوج العنبوت على رحلي

وقال الآخر:

بات الحويرث والكلاب تشمّهوسرت بأبيض كالهلال على الطوى

هذا البيت يدخل في هذا الباب. وقال الآخر:

لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكملم ينكر الكلب إني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك ينفحنيوالعنبر الورد أذكيه على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرنيوكان يعرف ريح الزقّ والقار
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال هلال بن خثعم:

إني لعفّ عن زيارة جارتيوإني لمنشوء إليّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لهازؤورا ولم تأنس إلىّ كلابها
وما أنا بالداري أحاديث بيتهاولا عالم من أي حوك ثيابها

وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف، لعادة النحر:

وفرحة من كلاب الحي يتبعهامحض يزف به الراعي وترعيب

وقال ابن هرمة:

ومستنح نبّهت كلبي لصوتهفقلت له: قم باليفاع فجاوب
فجاء خفيّ الشخص قد رامه الطوىبضربة مسنون الغرارين قاضب
فرحبّت واستبشرت حين رأيتهوتلك التي ألقى بها كلّ نائب

وفي معنى الكلب من النباح يقول ابن أعيا في الحطيئة:

ألا قبح الله الحطيئة! أنهعلى كل ضيف ضافه فهو سالح
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألا قبح الله الحطيئة إنه»
دفعت إليه وهو يخنق كلبهألا كل كلب، لا أبالك، نابح
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألا قبح الله الحطيئة إنه»
بكيت على مذق خبيث قريتهألا كل عبسيّ على الزاد نائح
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألا قبّحَ اللهُ الحطيئة َ إنّهُ»

وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة والثروة، إذا كانوا يقومون بحق النعمة. قال الراجز:

«إن الندى حيث ترى الضغاطا»

وقال الآخر:

يزدحم الناس على بابهوالمشرع السهل كثير الزحام

وقال الآخر:

وإذا افتقرت رأيت بابك خالياوترى الغنى يهدي لك الزوّارا

وليس هذا من الأوّل، إنما هذا مثل قوله:

ألم تر بيت الفقر يهجر أهلهوبيت الغنى يهدى له ويزار

وهذا مثل قوله:

إذا ما قل مالك كنت فرداوأيّ الناس زوّار المقلّ؟

والعرب تفضّل الرجل الكسوب والغرّ الطلوب، ويذمّون المقيم الفشل والدثور الكسلان. ولذلك قال شاعرهم، وهو يمدح رجلا:

شتى مطالبه، بعيد همّهجوّاب أودية، برود المضجع

ومدح آخر نفسه، فقال:

فإن تأتياني في الشتاء وتلمسامكان فراشي فهو بالليل بارد

وقال آخر:

إلى ملك لا ينقض النأي عزمهخروج تروك للفراش الممّهد

وقال الآخر:

فداك قصير الهمّ يملأ عينهمن النوم، إذ ملقى فراشك بارد

وقال آخر:

أبيض بّسام برود مضجعهاللقمة الفرد مرارا تشبعه

وهم يمدحون أصحاب النيران، ويذمون أصحاب الإخماد. قال الشاعر:

له نار تشبّ بكل ريحإذ الظلماء جللت اليفاعا
وما أن كان أكثرهم سواماولكن كان أرحبهم ذراعا

وقال مزّرد بن ضرار:

فأبصر ناري وهي شقراء أوقدتبعلياء نشز، للعيون النواظر

جعلها شقراء ليكون أضوأ لها. وكذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان أشدّ لحمرة ناره، وإذا كثر دخالنه قلّ ضوؤه. وقال الآخر:

ونار كسحر العود يرفع ضوءهامع الليل هبّات الرياح الصوارد

وكلما كان موضع النار أشدّ ارتفاعا، كان صاحبها أجود وأمجد، لكثرة من يراها من البعد. ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول:

منع الغدر فلم أهمم بهوأخو الغدر إذا همّ فعل
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»
خشية الله وأني رجلإنما ذكري كنار بقبل
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

وقالت خنساء السلمية:

وإن صخرا لتأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

وليس يمنعني من تفسير كل ما يمرّ الا اتكالي على معرفتك. وليس هذا الكتاب نفعه إلا لمن روى الشعر والكلام، وذهب مذاهب القوم، أو يكون قد شدا منه شدوا حسنا.

ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة وأقسامهم الشريفة. قال معدان بن جواس الكندي:

إن كان ما بلّغت عني فلا منيصديقي وحزّت من يديّ الأنامل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إن كان ما بلغت عني فلامني»
وكفّنت وحدي منذرا في ردائهوصادف حوطا من أعادي قاتل

وقال الأشتر مالك بن الحارث، في مثل ذلك أيضا:

بقيت وحدي وانحرفت عن العلىولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن حرب غارةلم تخل يوما من نهاب نفوس
خيلا كأمثال السعالي شذّباتعدو ببيض في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنهلمعان برق أو شعاع شموس
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «بقيت وفري وانحرفت عن العلى»

وقال ابن سيحان:

حرام كنّتي مني بسوءوأذكر صاحبي أبدا بذام
لقد أحرمت ودّ بني مطيعحرام الدهن للرجل الحرام
وخزهم الذي لم يشتروهومجلسهم بمعتلج الظلام
وإن جنف الزمان مددت حبلامتينا من حبال بني هشام
وريق عودهم أبدا رطيبإذا ما اغبّر عيدان اللئام!!

تم كتاب «البخلاء» للجاحظ

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤١٩هـ) كما في المكتبة الشاملة، بلا مقدمة المحقق ولا حواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البخلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.