من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الأبيات في الشاء والمعز
قال الحارث بن حلّزة:
عننا باطلاً وظلماً كما تعتر عن حجرة الربيض الظباء.
عننا اعتراضاً بادعاء الذنوب، والعتر الذبح والعتيرة الذبيحة في رجب. والحجرة الحظيرة تتخذ للغنم، والربيض جماعة للغنم، وكان الرجل من العرب ينذر على شائه إذا بلغت مائة أن يذبح عن كل عشرة منها شاة في رجب وكانت تسمى تلك الذبائح الرجبية وكان الرجل ربما بخل بشاته فيصيد الظباء ويذبحها عن غنمه في رجب ليوفي بها نذره، فقال: أنتم تأخذوننا بذنوب غيرنا كما ذبح أولئك الظباء عن غنمهم. وقال ابن أحمر:
تهدى إليه ذراع الجدي تكرمةإما ذكياً وإما كان حلانا
الذكي الذي يذكى بالذبح، والحلان يقال إن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا ولد له جدي حزّ في أذنه حزاً أو قطع منها شيئاً: وقال: اللهم إن عاش فقنى وإن مات فذكى، فإن عاش الجدي فهو الذي أراد وإن مات قال كنت ذكيته بالحز فاستجاز أكله كذلك، ويروى " إما ذبيحاً " والذبيح الذي قد أسن وأدرك أن يضحى، وهو أيضاً الذبح، ومن روى هذه الرواية فتفسير الحلان أنه الصغير، ويقال حلام أيضاً، يريد إما صغيراً أو كبيراً. وقال الحطيئة:
فما تتام جارو آل لأىولكن يضمنون لها قراها
تتام من التيمة وهي الشاة التي تكون للمرأة أو الرجل يترببها فإذا جاءت المجاعة ذبحها ضرورة، يقال منه أتّامت تتام اتّياماً إذا ذبحتها يقول: فجارتهم لا تضطر إلى تيمتها لأنهم يكفونها. وقال عروة بن الورد:
إذا ما جعلت الشاة للقوم خبرةفشأنك، إني ذاهب لشؤوني
الخبرة أن يشتري للقوم جماعة فيقتسمونها. وقال غسان بن ذهيل يهجو جريراً:
وما يذبحون الشاة إلا بميسرطويلاً تناجيها صغاراً قدروها
يقول يشتركون فيها، والميسر إنما يكون في الجذور وهو القمر، طويلاً تناجيها أي مشاورة بعضهم بعضاً في ذبح الشاة إذا أرادوه ونحو منه قول خداش بن زهير:
إذا اصطادوا بغاثاً شيّطوهوكان وفاء شأنهم القروع
يقول كان وفاء أمرهم الذي هم فيه أن يقرعوا على البغاث فيأخذوا أنصباءهم بالقرع، وقال بعض الرواة " وكان وقاء شاتهم القروع " أي يكون هذا البغاث وقاية لشاتهم فلا تذبح والقروع التي يقرعها الفحل ويروى " وقالوا إن شاتكم خلوع " أي سمينة تصلح للخلع أي تشاهدوا عليها بالسمن فلم يذبحوها
واقتصروا على البغاث. وقال خداش:
أغرك إن كانت لأهلك صبّةنما الكبش فيها صوفه ورخائله
أبحنا له ما بين بسّ ورهوةمشى الكبش معبّراً به ورواغله
صبة قطعة من المعزى، يريد نما صوف الكبش فيها، ورخائله جمع رخالة الواحدة رخل، بس ورهوة موضعان، مشى الكبش كثر نتاجه، يقال كم مشت هذه النعجة؟ أي كم لها من الولد ويقال أمشى الرجل إذا كثرت ماشيته. وقال النابغة:
وكل فتى وإن أمشى فأثرىستخلجه عن الدنيا منون
ويقال مشت الماشية إذا كثرت. ومنه قول الآخر:
لا تأمرنيّ ببنات أسفعفالعين لا تمشي مع الهملّع
بنات أسفع الغنم وأسفع كبش، لا تمشي لا تكثر، والهملع الذئب والعين الغنم، وقول خداش، معبّراً أراد معبراً فشدد، يقال كبش
معبر إذا ترك سنتين أو ثلاثاً لا يجز صوفه، ورواغله فيه قولان قال أبو عبيدة: أراد وغنمه التي تأكل الرغل وهو نبت، وقال: الرواغل الرواضع من أولاد شائه، يقال رغل أمه يرغلها. وقال الكميت:
ولو ولي الهوج الثوائج بالذيولينا به ما دعدع المترجل
الهوج الغنم، الثوائج من الثؤاج وهو صوت الضأن، واليعار للمعز، دعدع زجر، والمترجل الذي يرجل البهم عن أمهاتها يدعها ترضع كيف شاءت، ويروى " المترخل " وهو صاحب الرخال، ويقال رخل. قال ذو الرمة:
أغر هشاماً من أخيه ابن أمهقوادم ضأن يسّرت وربيع
تباعد مني أن رأيت حمولتيتدانت وأن أحيا عليك قطيع
القوادم للنوق فاستعاره للضأن، يسرت صار لها لبن، يقول لما أيسر ترك أخاه، تدانت قلت، احيا عاش. وقال ذو الإصبع:
لم عقلا جفرا عليّ ولمأوذ صديقاً ولم أنل طبعاً
الجفر لا تعقل وهي الشاة إذا أكلت الكلأ وانتفجت، وهذا
مثل، وإنما أراد لم تعقلا بكرة علي، أي لم تحبساها عليّ لتعقلا عني، والطبع الدنس وتلطخ العرض، طبع السيف إذا صديء.
وقال آخر:
ما زلت منذ أشهر السفّار أنظرهممثل انتظار المضحيّ راعي الغنم
أشهر السفار أتى لهم شهر، أنظرهم انتظرهم، والفار جمع سافر مثل كافر وكفار، والمضحيّ الرجل تكون له غنم فيغدو فيها ويحبس راعية لحاجة فهو ينتظر الراعي ليجيء إليها فينصرف، وإنما إغا حرصاً على آن يصيب غنمه بقدر ما يقضي راعيها حاجته وقد خرج لم يأكل ولم ينتعل ولم يتأهب للرعي فهو غرض كثير التلفّت إلى الموضع الذي يقبل منه الراعي، يقول فأنا مثل هذا ضجر. وقال آخر:
أبني إن العنز تمنع جارهاعن أن يبيّت جارها بالنئطل
يقول جار العنز يستغني بلبنها إذا نزل به ضيف عن أن يبيته بسوء أو مكروه، والنئطل الداهية. وقال آخر:
تعيرني تركي الرماية خلتيوما كل من يرمي الوحوش ينالها
فإلا أصادف غرة الوحش أقتنصمن الأنسيات العظام جفالها
من الأنسيات من الضأن التي هي للإنس، أقتنص، أصيد، يريد
أنه يسرقها، والجفال الصوف. وقال آخر:
وسودا من شاء الموالي سمينةيبكّى عليها، اسود الرأس ذيبها
حلفت لهم بالله إني لجاهدوجهدي أن قد بات عندي غبيبها
أسود الرأس يعني أنه سرقها إنسان، غبيبها ما غب منها، أي حلفت لهم أني جاهد في طلبها - وجهدي أني سرقتها. وقال آخر يصف شاة:
تمسح وجه الحالب الرفيقبلين المسّ قليل الريق
أي تمسح وجه حالبها بلسانها، وقوله قليل الريق يعني أنها شابة وإذا أسنت سال لعابها وكثر. وقال الفرزدق لجرير:
وأنت تسوق بهم بني كليبتطرطب قائماً تشلي الحوارا
الطرطبة دعاء البهم، والحوار اسم فل كان لجرير في غنمه، تشلي تدعو إليك.
وأنشد الأصمعي:
فمرّ ولما تسخن الشمس غدوةبذرآء تدري كيف تمشي المنائح
الذرآء الشاة التي بأذنها ووجهها نقط بيض، ويقال للرجل غشيته ذرأة إذا ابيض موضع جلحه، وقوله: تدري كيف تمشي المنائح
يقول منحت كثيراً أي أعيرت فإذا منحت سامحت بالمشي فعلمت كيف تمشي، وأصل المنح العارية فغلب عليه، من كثرة ما جرى صار هبة وأصله أن يعطيه إبلا يشرب ألبانها. وقال الأخطل:
واذكر غدانة عدّانا مزنمةمن الحبلّق تبنى حولها الصير
تمذي إذا سخنت في قبل أذرعهاوتزرئم إذا ما بلّها المطر
عدّان جمع عتود أدغمت التاء في الدال، والحبلّق غنم صغار، والصير جمع صيرة وهي حظيرة الغنم شبههم بها، وهي إذا أصابها الحر أمذت فيصيب أذرعها، وتزرئم أي تنقبض إذا أصابها المطر. وقال آخر:
أحيان بن عثمان بن لؤمعتود في مفارقه يبول
التيس يقزح ببوله في خيشومه ومفرق رأسه. وقال حسان يهجو قوماً:
إذا جلسوا وسط النديّ تجاوبواتجاوب عتدان الربيع السوافد
قال ابن أحمر:
إني وجدت بني أعيا وحاملهمكالعنز تعطف روقيها فترتضع
العنز ترضع من خلفها وهي محفلة فربما أتت على كل ما في ضرعها.
وقال الفرزدق يذكر مهور نساء بني كليب.
وفينا من العزى تلاد كأنهاظفارية الجزع التي في الترائب
يعني جزع ظفار وظفار باليمن، أي هي بلق كأنها جزع. وقال:
ترى شرط المعزى مهور نسائهموفي شرط المعزى لهن مهور
أي فيها وفاء لهن. وقال الهذلي وذكر شاة. والبيت لأبي العيال الهزلي:
جهراً لا تألوا إذا هي أظهرتبصراً ولا من عيلة تغنيني
الجهراء التي لا تبصر في الشمس، يقال كبش أجهر ونعجة جهراء، لا تألوا لا تستطيع، يقال ما آلو كذا أي ما أستطيعه. وقال آخر وذكر غنماً:
يدعونني بالماء ماء أسودا
بالماء حكاية أصواتهن ثم دعا عليهن فقال ماء أسودا أي جعله الله ماء أسوداً في بطونكن.
وقال آخر:
لهفي على عززيّ لا أنساماكأن ظلّ حجر صغراهما
وصالع معطرة كبراهما
كأن ظل حجر يريد أنها سوداء، وأنشد:
كأنما وجهك ظلّ من حجر.
أي هو أسود وظل الحجر كثيف ليس كظل الشجر، وعطرة حمراء مأخوذة من العطر، والصالع في الغنم مثل القارح في الخيل والبازل في الإبل. وقال الراعي يهجو رجلاً:
ولكنكما أجدى وأمتع جدهبفرق يخشّيه بهجهج ناعقه
أي تمتع بفرق من الغنم، والفرق القطيع من الغنم العظيم، وأجدى من الجداء وهي العطية، ويخشيه يفزعه، وهجهج هز الغنم، والناعق الراعي الذي يصوت بالغنم. أدحى اسم ناقة، أما في الجوالق الميرة، فقال صاحبها:
تقول عجوزي واشتكت بعض حالهاوكم قدر رأينا من مبسّ وناعق
الإبساس دعاء الإبل، والنعق بالضأن.
أريتك إن قام الخليط فزالهاكما كنت القي من مانع وطارق
أتر عينها إن فرق الحي نيةوكل خليل ذات يوم مفارق
زالها فرقها ويقال أزلت الشيء وزلته، وأنشد ابن الأعرابي:
إذا الثويّ كثرت ثوائجهوصار من تحت الكلى نواتجه
يريد أن الغنم إذا أجدبت فخيف عليها الموت شقوا بطونها واستخرجوا أولادها فغذوها لئلا تموت في أجواف أمهاتها، والعرب تقول.
رمدّت المعزى فرنّق رنّقرمدت الضأن فربّق ربّق
وذلك أن المعزى تدفع في أول حملها فيقول: انتظر الولاد وإن أبطأ فهو كماء يرنق وهو رقرقته، والضأن لا تدفع إلا عند الولاد فإذا رمّدت الضأن فهي الأرباق لأولادها. وتقول: المعزى تبهي ولاتبني، تبهي تخرق وتقطع، ولا تبني أي لا يفيد منها ما يبني به كما تفعل الضائنة، يقال أبنيت فلاناً بيتاً إذا أفدته إياه وأعنته على عمله قال أبو زيد، بهى البيت بهاء إذا تخرق، والعنز تصعد على ظهور الأخبية فتقطعها بأظلافها والنعجة لا تفعل ذلك وبيوت العرب إنما تعمل من الصوف والوبر ولا تعمل من الشعر، والمعزى تخرق ولا يصلح شعرها لعمل البيوت. ويحكون عن البهائم قالوا قالت الضائنة، أولد رخالا، وأجز جفالا وأحلب كثبا ثقالا، ولم تر مثلي مالا. جفالا تقول أجزّ بمرة وذلك أن الضائنة إذا جزت فليس يسقط من صوفها شيء إلى الأرض حتى يجز كلها، والكثب جمع كثبة وهي قد رحلبة، وما صب في شيء فقد انكثب فيه، ومنه سمي
الكثيب من الرمل لأنه انصب في مكان فاجتمع فيه. وقال دغفل بن حنظلة في بني مخزوم: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة، فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام. والعرب تقول: أصرد من عنز جرباء. وقيل لابنة الخس: ما تقولين في مائة من المعزى؟ فقالت: فناء، قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غني، قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى. وقالوا: العنوق بعد النوق، والعنوق جمع عناق، يراد الصغير بعد الكبير. وقيل لأعرابي بأي شيء تعرف حمل شاتك، قال: إذا ورم حياؤها ودجت شعرتها واستفاضت خاصرتاها وكثفت، يقال كان ذاك وقد دجا ثوب الإسلام. وقال آخر:
إني إذا شاركني في جسميمن ينتفي مخي ويبري عظمي
لم أطلب الدنيا بثأر البهم
يقال أراد الحمى، ويقال أراد الكبر. وقال حميد بن ثور وذكر بعيراً:
محليّ بأطواق عتاق يبينهاعلى الضرّ راعي الضأن لا يتقوّف
خص راعي الضأن لجفائه وجهله بأمر الإبل، يقال في المثل: أجهل من راعي ضأن، لا يتقوف من القيافة، أي لا يطلب أمراً يستدل به على نجابته لأن النظر إليه يدل عليه. وقال آخر ويروي لذي الرمة:
كأن القوم عشوا لحم ضأنفهم نعجون قد مالت طلاهم
وقال أبو ذؤيب وذكر وقتاً من الليل:
إذا الهدف المعزاب صوّب رأسهوأعجبه ضفو من الثلّة الخطل
الهدف الشيخ المسن، والمعزاب الذي يعزب عن أهله في الغنم، صوّب رأسه أي نام وأسكنه: ضفو أي اطمأن إلى سعة في ماله يضفو عليه أي يتسع، والثلّة الضأن ولا يكون من المعز.
وروي عن العجاج أنه قال في وصف شاة: حسراء المقدم، شعراء المؤخر، إذا أقبلت حسبتها نافراً، وإذا أدبرت حسبتها ناثراً، أي كأنها تعطس، يقول: من أي أقطارها أتيتها وجدتها مشرفة. الأصمعي: قال أعرابي يهزأ بصاحبه: اشتري لي شاة فقماء تضحك مندلقة خاصرتاها لها ضرع أرقط كأنه ضب، قال وكيف العطل؟ قال: أولهذه عطل؟. العطل طول العنق يقال شاة حسنة العطل قال أبو النجم يذكر فرساً.
عن مفرع الكتفين حلو عطله
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع